صُدمتُ كما صُدمَ الشعب المصري كله بالحكم الصادر من محكمة جنح سفاجا ببراءة المتهم النائب الهارب ممدوح إسماعيل عضو مجلس الشورى المُعيَّن وعضو مجلس إدارة موانئ البحر الأحمر ومالك 21 عبارةً منها العبَّارة السلام 98 التي غرقت وعلى متنها 1400 مواطن مصري، والعبَّارة السلام 95 التي غرقت قبلها بأربعة أشهر في قناة السويس وعلى متنها 1500 معتمر.

 

الحكم الصادر من محكمة جنح سفاجا عاقب قائد العبارة سانت كاترين "القبطان صلاح جمعة" وهو المتهم الخامس (هارب) بالسجن 6 أشهر مع إيقاف التنفيذ، واصفًا إياه بأنه "قد نزعت من قلبه الرحمة والرأفة وأتى بعملٍ لم يأتِ به إنسان وجرمٍ لا يصدر إلا عن شيطان، فأهمل في أداء واجبه، ولم يكترث بصيحات الاستغاثة متعللاً بحجج واهية وغير حقيقية وتركهم يصارعون الأمواج ويواجهون الموت".

 

- وقالت المحكمة: إن تقارير الطب الشرعي الخاص بجثث الغرقى لم تجزم بوقت الوفاة تحديدًا في الفترة ما بين غرق السفينة وانتشال تلك الجثث، وإنما تم تحديد تاريخ الحادث!

- كما أن التقارير الطبية الخاصة بالناجين من الحادث لم تقطع بأن إصابتهم نتيجة للتأخير في إنقاذهم أو انتشالهم من المياه، ولم تخرج الإصابات عن كونها إجهادًا عامًّا أو كدمات متفرقة أو التهاب بالحلق، كما جاءت بعض التقارير خاليةً من التشخيص الإصابي لأصحابها!

 

هذه بعض التفاصيل التي جاءت في الحكم الذي طعنت عليه النيابة بالفساد في الاستدلال والقصور في التسبيب والتعسف في الاستنتاج.

 

فالمحكمة التي حكمت على قبطان سانت كاترين بأنه شيطان مجرم عديم الإنسانية لتركه الآلاف يصارعون الموج ويواجهون الموت، حكمت للمتهم ممدوح إسماعيل بالبراءة؛ لأن تقرير الطب الشرعي لم يذكر الوقت الدقيق بالساعة والدقيقة والثانية الذي مات فيه كل شهيد من هؤلاء الآلاف الذين وصفتهم المحكمة بأنهم يصارعون الموج ويواجهون الموت.

 

أما بالنسبة للناجين- وهم دليل إثبات حي على تأخُّر إنقاذهم- فإن الطب الشرعي لم يثبت سوى أنهم يعانون من إجهاد عام وكدمات والتهاب حلق، "يعني بالبلدي كده: بيدلعوا" وكأن مَن يصارع أمواجًا ارتفاعها 10 أمتار في جوف الليل البهيم ويشعر بالرعب من أسماك القرش المفترسة لمدة 18 ساعةً متصلة وسط جثث وأشلاء شيء عادي وطبيعي، ويحتاج إلى تأكيد وتقارير من الطب الشرعي.

 

الخلاصة أن مَن مات أخطأ؛ لأنه لم يسجِّل لحظة موته بالساعة والدقيقة والثانية "تاريخ اليوم لا يكفي"، ومن عاش لم يسجِّل أية إصابات محترمة ومعتبرة سوى كدمات والتهاب حلق وبعض الإجهاد، ومن شاهد وتابع عليه أن يمصمص شفاه ولا ينطق ولا يُعلِّق وأن يموت كمدًا؛ حيث جرى العرف على عدم التعليق على إحكام القضاء، وأنا أحترم ذلك جدًّا وأقدره، ولكن الحكم- وقد صدمني وصدم الشعب كله- دفعني إلى استرجاع بعض الأحداث التي تجري على أرض الوطن ترتبط ارتباطًا وثيقًا بحدث غرق العبارة والحكم جزء منه.

 

- ففي الوقت الذي حكمت فيه محكمة جنح سفاجا بالحكم بالبراءة للنائب الهارب ممدوح إسماعيل صاحب العبَّارة التي غرقت بـ1400 مواطن مصري أصدرت محكمة جنح أبو العلا حكمًا بالسجن 6 شهور وغرامة 200 جنيه على الصحفي إبراهيم عيسى رئيس تحرير جريدة (الدستور) في تهمة شائعة صحة الرئيس!! وكان قد تم تقديمه إلى محكمة أمن دولة عليا ولكن تم التراجع عنها.

 

- أيمن نور وصيف الرئيس في الانتخابات الرئاسية 2005 حُكم عليه بالسجن خمس سنوات في توكيلات إنشاء حزب مزورة، وهو نائب أيضًا في "مجلس الشعب" منتخب انتخابًا حقيقيًّا، ولم يقتل نملةً ولا ذبابةً، ولم يجرح صرصارًا.. راجعوا كيف ومتى رُفعت عنه الحصانة، وكيف تم إلقاء القبض عليه، وقارنوا بما حدث مع النائب ممدوح إسماعيل وكيف هرب من مصر ومتى وكيف رفعت عنه الحصانة؛ لتعرفوا الفرق بين جماعة المعارضة وجماعة الرئيس!!

 

إن المتهمين في قضية غرق العبارة وعليها 1400 مواطن تتم محاكمتهم أمام محكمة جنح في البحر الأحمر، بينما مواطنون آخرون لم يرتكبوا مثل هذا الجرم ولا جزءًا على مليار منه قُدِّموا إلى محكمة للجنايات فقامت بتبرئتهم، فلم يُعجب هذا رئيس الجمهورية فقدَّمهم إلى القضاء العسكري الذي حكم عليهم بأحكام قاسيه جدًّا في جلسة شهيرة، ولم تُوضَّح أو تُعلن أسباب الحكم حتى الآن رغم مرور شهور عليه؛ كل هذا لأن هؤلاء المواطنين من جماعة الإخوان المسلمين، بينما النائب الهارب ممدوح إسماعيل من جماعة الرئيس!!

 

إن النائب المتهم الهارب ممدوح إسماعيل له عبَّارة أخري (السلام 95) غرقت في قناة السويس وعلى متنها 1500 معتمر- تقريبًا في رمضان 2005م-، وقبل غرق العبارة السلام بـ4 أشهر تقريبًا خرجت من طريق الكونفوي وكسرت إشارة المرور عمدًا لتعترض طريق القوافل المارَّ بالقناة وتصطدم بإحدى السفن؛ مما تسبب في غرقها ولم يحاسبه أحد وقتها وحتى الآن على هذه الجريمة لأنه من جماعة الرئيس، ومُعيَّنٌ عضوًا بمجلس إدارة موانئ البحر الأحمر، ومحتكرٌ عبارات نقل الركاب، والنائب المحترم المُعيَّن بمجلس الشورى، "والحمد لله قدَّر ولطف، وفداك 100 مليون مصري يا سيد ممدوح".

 

- السيد النائب الهارب حصل على 9000 متر مربع داخل ميناء سفاجا لإقامة محطة ركاب بسعر 10 قروش للمتر، أي أنه يدفع مشكورًا للدولة إيجارًا شهريًّا 75 جنيهًا لهذه المساحة كلها، بينما المواطن الغلبان الفقير يدفع هذا المبلغ في مأوى "كانت" توفره الحكومة له لا تزيد مساحته عن 30 مترًا مربعًا فقط "حجرة بحمام فقط".

 

- النائب المتهم الهارب حصل على مساحة 2500 متر مربع داخل ميناء السويس بإيجار شهري 2 جنيه تقريبًا للمتر المربع استخدمها في غير ما خُصِّصت له مستغلاً مناصبه ونفوذه.

 

- النائب المتهم الهارب ممدوح إسماعيل الذي يمتلك 21 عبارةً ويحتكر الخط الملاحي لنقل الركاب بالبحر الأحمر.. لم يسدد مليمًا واحدًا كضرائب لخزينة الدولة.

 

لكل هذا ورغم حكم المحكمة سيظل ممدوح إسماعيل في نظر الشعب مدانًا سياسيًّا وشعبيًّا باستغلال النفوذ والتربح غير المشروع والتهرب من أداء الضرائب والاحتكار والتسبب في غرق المصريين في العبارة السلام 95 ثم العبارة السلام 98، ولن يفلت من جرائمه، وستظل دماء مئات الشهداء ودعوات آلاف الثكالى وأهالي الضحايا معلقة في رقبته هو وابنه ومن دافعوا عنه ومن يوفرون له الحماية والمسئولين معه عن تأخر وسائل الإنقاذ؛ حيث وصلت أول وسيلة إنقاذ بعد غرق العبارة بحوالي 14 ساعة، ويكفي في هذا المجال تقرير تقصِّي الحقائق بمجلس الشعب عن غرق العبارة، وهو لا يدين النائب الهارب ممدوح إسماعيل فقط، بل يدين السلطة التنفيذية كلها؛ حيث يتهمها بالتقصير والإهمال في البحث والإنقاذ والاضطراب والعجز في إدارة الأزمة، وهي تُهم تستوجب استقالة الحكومة أو إقالتها.

 

تساؤلات:

- إذا كان الحكم عنوان الحقيقة كما يقولون، فهل الحقيقة فعلاً في هذه القضية ليست براءة المتهمين ولكن استشراء الفساد وغلبته في هذه الحقبة من تاريخ البلاد؟

 

- هل سيجرؤ النائب الهارب ممدوح إسماعيل على العودة إلى مقعده بمجلس الشورى؟

 

- وهل سيعلن صفوت الشريف استرجاع النائب المحترم لحصانته المرفوعة؟

 

أخيرًا.. إن الله يقيم الدولة العادلة ولو كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة ﴿إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (يونس: من الآية 81)، صدق الله العظيم.

--------------

* عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين