د. حلمي محمد القاعود

يوم انطلقت منظمة فتح في أول يناير 1965م كنا نحفظ أناشيدها ونرددها، ونتابع مسيرتها ونصغي للراحل أحمد الشقيري بصوته الجهوري وبلاغته الزاعقة في صوت العرب وإذاعة العاصفة وإذاعة فلسطين من القاهرة.
كان الحلم منذ أول عملية فدائية قام بها محمود بكر حجازي في طريقه إلى التحقق؛ حيث بدأت "فتح" تتحدث إلى العدو بلغةٍ يفهمها ويفقهها جيدًا؛ أقصد لغة القوة، وهي لغةٌ استطاعت أن تجذب الفلسطينيين والعرب والمسلمين من كل مكان.
كان الأقصى لمَّا يزل حرًّا، وكانت القدس العتيقة لمَّا تزل حرة أيضًا وكذلك الضفة والقطاع، وجاءت الهزيمة الصاعقة في 1967م لتصنع إرباكًا على المستويات المختلفة؛ داخل بلاد العرب والمسلمين وخارجها، ولكن معركة الكرامة التي خاضتها المقاومة الفلسطينية في مارس 1968م أثبتت قدرتها على إيلام العدو وإيقاع الخسائر به ومواجهته، للأسف.. بدأ بعدها الاتجاه المعاكس.
كان ياسر عرفات قد صار زعيمًا لمنظمة التحرير الفلسطينية التي تضم المنظمات المقاومة والشخصيات التي تعيش في الخارج أو المنفى، وفجأةً.. تكاثرت المنظمات تحت قيادة الأبوات: أبو فلان، وأبو علان، وأبو ترتان، وكل منها يصوب بندقيته في اتجاه مغاير للآخر دون فلسطين المحتلة، ويوجه أبواقه نحو لغة خاصة، فلم تتوحد البندقية، ولم يتفق الخطاب، وإن كانت فلسطين السليبة هي مسمار جحا الذي تتمسك به المنظمات جميعًا، مع أنها وزعت العمل لصالح دمشق أو بغداد أو القاهرة أو طرابلس أو الجزائر أو عدن، واتجه الصراع إلى غير هدفه الأصلي؛ فكان أيلول الأسود، وكان القتال في بيروت، وكان خطف الطائرات وخطف الأشخاص، وكانت الاغتيالات المتبادلة بين المنظمات التي صار يطلق عليها اسم الفصائل، وكان العدو في ذلك الحين يرصد ويعمل ضد الفصائل جميعًا؛ يغتال ويأسر، ويحرِّك المتعاونين لتزويده بكل صغيرة وكبيرة، حتى استطاع إفراغ المقاومة من المقاومة!
في قلب الظلام نشأت حركة المقاومة الإسلامية حماس لتصنع فجرًا جديدًا للمقاومة الحقيقية، وتأخذ بيد الشرفاء من المنظمات الأخرى إلى طريق التحرير، واستطاعت غزة أن ترغم شارون على تفكيك المستوطنات والرحيل منها دون اتفاقيات أو مفاوضات أو معانقات لا تُثمر شيئًا.
وللأسف.. تعرَّضت حماس لخسةٍ ودناءةٍ من جانب بعض قيادات أوسلو وما حولها؛ أصروا على أن يكون هدفهم الإستراتيجي هو القضاء على حماس والفصائل المقاتلة الأخرى؛ ليحتفظوا بالزعامة والقيادة والرياسة، وكانت الحرب التي شنَّها قادة الأمن الوقائي الدحلاني لترويع أهل غزة ونشر الرعب بينهم، ولكن الحرب انتهت بهزيمة الدحلانيين واستتباب الأمن ومواصلة الجهاد ضد العدو المجرم، وصارت مدنه وقراه في حزام القطاع تحت رحمة صواريخ القسام العبثية كما يسميها آية الله أبو مازن!
مليونيرات أوسلو وما حولها استمسكوا بقيادة الإمبراطورية العظمى في "رام الله"؛ حيث يتوغل ويتغوَّل العدو النازي اليهودي صباح مساء ليقتل ويدمر ويأسر ويوظف العملاء في أرجاء الضفة أو ما تبقَّى منها، أما قادة المقاومة في غزة فقد عاشوا الحصار والمواجهة بصبر المؤمن ويقينه بنصرة الله.
حاول بعض العرب أن يوفِّقوا بين الطرفين: المقاومين والمليونيرات، ووقعت اتفاقيات في القاهرة ومكة المكرمة وصنعاء، ولكن المليونيرات كانوا دائمًا ينقضونها ولا يستجيبون لنداء الوحدة والوئام، ويخرج كل يوم واحد منهم ليدليَ بتصريحاتٍ تحمِّل حماس كل موبقات العالم، ويعدها أس البلاء لما حلَّ بفلسطين وأهلها من ضياع وتشرد وإذلال، ومن يتابع أجهزة الدعاية التي تبث من رام الله يتصور أن حماس صارت هي العدو بدلاً عن الغزاة النازيين اليهود القتلة.
وجاءت تفجيرات غزة المتتالية في الأسبوع الأخير من يوليو 2008م لتضع علامة استفهام سوداء حول مليونيرات أوسلو.. لقد أزهقت أرواح عدد لا يستهان به من أفراد حماس، وجرح العشرات على شاطئ غزة وفي أماكن أخرى، والمثير للتعجب أن تلفزيون رام الله أذاع أنباء التفجيرات بحفاوة كبيرة مصحوبةً بأغاني فتح وأناشيدها؛ مما استدعى أن ترد قناة "الأقصى" التابعة لحماس بوصلة هجاء حادة ليست مألوفةً منها، وشهد العالم صراعًا فلسطينيًّا داخليًّا غريبًا لا مسوغ له.
ما زلت أؤمن أن القاعدة العريضة من "فتح" تختلف اختلافًا جذريًّا عن قادتها من مليونيرات أوسلو، وهذه القاعدة يجب أن تنهض بواجباتها في تصحيح مسار حركة "فتح" وتوجيهه الوجهة المستقيمة في مقاومة العدو الغاصب وليس في مفاوضته دون جدوى ودون عائد اللهم إلا التصوير أمام عدسات التليفزيون ووكالات الأنباء وتبادل الأحضان والقبلات والعناق الحار مع القتلة النازيين اليهود (اعترف آية الله أبو مازن مؤخرًا بأن نتيجة المفاوضات وما ينتظر منها صفر).
القتلة لا يرقبُون في فلسطيني إلاًّ ولا ذمة؛ فهم يقتلون في كل مكان تصل إليه أيديهم، ولا تردهم إلا القوة واحتمال دفع الثمن، ومع كل ما يبديه آية الله أبو مازن من نوايا حسنة، وتطليق للمقاومة بالثلاثة؛ فإن الغزاة يسيحون في الضفة الغربية أو ما تبقى منها قتلاً وتدميرًا وتخريبًا؛ يساعدهم أمن السلطة، وهو أمر لم يعد خافيًا، وكان آخر ما فعله العدو اغتيال الشهيد شهاب النتشة متوافقًا مع تفجيرات غزة (!)، وهو من حماس، وتم هدم بيته على رأسه في الخليل بعد مقاومة أسطورية رفض في أثنائها الاستسلام حتى نفدت آخر رصاصة معه.
إن العدو ينتصر بحالة الانقسام الفلسطيني؛ لأن الوحدة طريق النصر عليه، على الأقل تعويق عملياته الوحشية، وإيقاف استباحته للدم الفلسطيني مجانًا.
لقد بُحِّ صوت المخلصين من العرب ليتوحد الفلسطينيون تحت خطوط عامة أساسية، على أن توظف الخلافات لصالح القضية كما يفعل اليهود، واقرءوا إن شئتم مذكرات مناحم بيجن.
إن استمرار الخلافات والتمزق والتشرذم يغري البعض بإطلاق تصريحات انهزامية استسلامية تفرِّط في الثوابت، ومنها ما صرَّح به سري نسيبة مؤخرًا؛ حيث طالب بالتنازل عن حق العودة مقابل الحصول على القدس والأقصى (القدس العربي 30/7/2008م).
والسؤال الآن: هل يدرك من يعنيهم الأمر أن الوحدة الفلسطينية في إطار التنوع الخلاَّق مسألة ضرورية من أجل المستقبل؟
-------