في 14/7/2008م أعلن المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية أنه سوف يطلب من الغرفة الأولى في المحكمة بعد العطلة القضائية التي تنتهي بنهاية أغسطس 2008م إصدار أمر بتوقيف الرئيس السوداني عمر البشير.
أدى هذا الإعلان إلى ردود فعل متباينة؛ ففي الوقت الذي رحَّبت فرنسا والمنظمات الحقوقية ومنظمات حقوق الإنسان، بادر الاتحاد الإفريقي إلى انتقاد هذا الموقف وحذَّر من المضي فيه، كما أعقب ذلك انعقاد عاجل؛ بناءً على طلب السودان لمجلس السلم والأمن الإفريقي؛ حيث طلب المجلس يوم 20/7/2008م من مجلس الأمن وقف إجراءات هذا الطلب لمدة عام؛ نظرًا لما يؤدي إليه الاستمرار في نظره إلى تعقيدات تضر بعملية السلام في دارفور وفي السودان كلها.
واستند المجلس الإفريقي إلى المادة 16 من نظام روما المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية والتي ترخِّص لمجلس الأمن أن يطلب ذلك من المحكمة، ورغم أن هذا الطلب يعد مبكرًا وينطوي على بعض المضامين السلبية إلا أن دوافعه هي تحمُّس المجلس لدفع هذا الخطر من السودان، وهو نفس الموقف الذي اتخذته الجامعة العربية.
وعلى أية حال فقد أعلن متحدث باسم الأمم المتحدة أن المنظمة الدولية لا تتدخل في عمل المحكمة التي تتمتع بالاستقلال التام عن الأمم المتحدة، ثم اقترن هذا الموقف الفوري بتأكيد مندوب فرنسا الدائم في الأمم المتحدة على نفس الموقف، وطالب السودان- كما فعل وزير خارجية فرنسا فور صدور إعلان المدعي العام- بالتعاون لصالح السلم والأمن في المنطقة.
ومن الواضح أن من حق الاتحاد الإفريقي والجامعة العربية أن يطلب ذلك من مجلس الأمن بحكم أولويته في نظر الحالة وما يترتب عليها من تداعيات تدركها المنظمات الإقليمية بشكل أكبر، وإن كنا نرى أن مجلس الأمن يلتزم ببحث الطلب ولكنه لا يلتزم بتلبيته من الناحية القانونية، ولكن في الحالة السودانية حدث تناقض غريب؛ يؤكد التحليل القائل بأن الاستهداف السياسي للسودان يتم تغليفه بوسائل قانونية، تُوهم المراقب بجديه القضية.
فالمجلس هو الذي أحال 51 شخصية سودانية إلى مجلس الأمن بموجب م 13 من نظام روما، فلماذا لا يستخدم رخصة موازية ومساوية في المادة 16 في وقف إجراءات الدعوى، خاصةً مع ما يؤدي إلى الإصرار عليها من انتهاكات قانونية وتبعات سياسية خطيرة، ولماذا أغفل المجلس الاتحاد الإفريقي والجامعة؟ وماذا يجب على المجلس الإفريقي والجامعة أن يفعلا لمواجهة هذا الموقف؟ تلك أسئلة ملحَّة تحتاج إلى إجابات في مقالة أخرى.
لكن المهم يجب أن نؤكد أن السودان رفض رفضًا قاطعًا موقف المحكمة، ورفض المساومة على هذا الموقف، وشرح في دراسة طرق الرد على موقف المحكمة وفق ما يناسب مصلحة السودان، ولذلك لم يطلب السودان من الاتحاد الإفريقي طلبه السالف الإشارة إليه من مجلس الأمن، لكنه لا يمانع أن ينجح المسعى الإفريقي، وقد أدان مجلس التعاون الخليجي موقف المحكمة من السودان، مثلما فعل وزراء الخارجية العرب؛ حيث وصفوا تصورًا قبله السودان خلال زيارة السيد عمرو موسى للخرطوم من 19 إلى 21 يوليو 2008م، ويسعى التصور العربي إلى بث ثقة العالم في كفاءة القضاء السوداني واستقلاله، وذلك باستقدام مراقبين للمحاكمات الوطنية من الأمم المتحدة والجامعة العربية والاتحاد الإفريقي، وهي محاولة ضمن مساعٍ كثيرة للتحرك الإيجابي في معالجة الموقف.
والمعلوم أن استهداف السودان من دارفور بدأ بعد اتجاه التسوية في الجنوب إلى نهايتها، ثم تصعيد الموقف في دارفور، بدءًا بتسليح التمرد والضغط على الحكومة السودانية بقبول سلام أبوجا، في الوقت الذي شجعت واشنطن هؤلاء المتمردين على عدم الانضمام، وبدلاً من السعي إلى حل سياسي قبلته الحكومة دون المتمردين، فإن واشنطن عمدت إلى تضخيم مأساة دارفور الإنسانية التي تتحمَّل واشنطن مسئوليتها؛ فهي التي بدأت التمرد وأعاقت التسوية السياسية وتخلق العراقيل لحكومة الخرطوم للضغط عليها للقبول بنشر قوة دولية قوامها 27 ألفًا مهمتها بسط الوصاية على السودان طمعًا في ثرواته وتجزئة أقاليمه حتى يسهل تحقيق أهدافها، فمن البديهي أن من حق الحكومة السودانية أن تدافع عن وحدتها الإقليمية وثرواتها وأن تدفع المؤامرة عن درافور بكل الوسائل.
من ناحية أخرى فإن عوار الحوار القانوني في موقف المحكمة الجنائية واضح للعيان؛ فالسودان أصلاً ليس طرفًا في نظام المحكمة، ولا يجوز مطلقًا طمس الفارق بين الطرف المخاطب بأحكام هذا النظام وبين غير الطرف الذى لم ينضم إليه، وهذا تطبيق لمبدأ نسبية أثر المعاهدة، فلا يجوز أن يمتد أثرها بالالتزام أو بالحقوق دون موافقة الطرف الثالث على تحمل الالتزام أو التمتع بالحقوق التي ترتبها الأطراف المتعاقدة.
وفضلاً عن ذلك فإن موقف المحكمة يتجاهل عدة حقائق قانونية؛ أولها أن اختصاص المحكمة الجنائية حتى بالنسبة لأطراف نظامها اختصاص ثانوي تكميلي مكمّل للاختصاص الوطني؛ أي أن الدولة الطرف أو غير الطرف باتفاق خاص هي التي تطلب من المحكمة أن تساعدها في التعقب القضائي ضد أشخاص من جنسيتها يقصر قضاؤها عن محاكمتهم ويرتكبون جرائم من النوع المنصوص عليه في المادة الخامسة من نظام المحكمة؛ أي أن المحكمة لا تعمل بالنسبة لأطرافها فوق نظمها السيادية، وإنما تكمل هذه النظم وبإرادة هذه الدول وليس رغمًا عنها.
وبالفعل فإن القضايا التي انشغلت بها المحكمة شملت أوغندا والكونغو؛ حيث طلبت الدولتان من المحكمة تعقُّب بعض المتمردين على سلطتها وطلبت الدولتان في الحالات الثلاث الوحيدة التي نظرتها المحكمة من 2002 حتى 2008 تدخل المحكمة.
ولذلك يلفت النظر أن مجلس الأمن هو الذي أحال المسألة السودانية إلى المحكمة دون النظر إلى أنه بذلك يتجاوز حقيقة أن السودان ليس طرفًا وأن سلطته في الإحالة مقيدة بما ورد في نظام روما الذي ينطبق على أطرافه وحدهم، ولم يقل أحد إن المجلس يتمتع بسلطة مطلقة في إحالة من يشاء دون قيود قانونية إلى المحكمة.
وثاني هذه الحقائق هي أن المدعي العام الذي يتجاهل الصفة التكميلية لاختصاص المحكمة ويتجاهل عدم عضوية السودان في نظامها الأساسي؛ قد نفَّذ بشكل متهور حكم المادة 27 من نظام المحكمة التي تنص على عدم الاعتداد بحصانة الرؤساء وغيرهم في المسائل الجنائية أمام المحكمة.
وهذا النص يخدم العدالة المطلقة ولكنه نقل عن محاكم نورميرج التي نصبها المنتصرون لمحاكمة المنهزمين؛ لذلك فإن قواعد نورميرج التي استند إليها لا تصلح للتطبيق إلا على حالات مماثلة.
أما في الحياة الدولية فإن الرؤساء وكبار المسئولين يتمتَّعون بالحصانة القضائية التي تقف حائلاً دون اتخاذ أي إجراء قضائي ضدهم ما داموا في مواقعهم الرسمية، وهذا مبدأ أكدته محكمة العدل الدولية في قضية وزير خارجية الكونغو ييروديا (yerodia )، ومعلوم أن حصانة المسئول تحول دون اتهامه أو محاكمته أمام قضاء دولي أو أمام دولة أخرى، وليس صحيحًا أن الحكم قاصر على الحصانة أمام قضاء دول أخرى بسبب المساواة في السيادة بين الدول؛ لأن القضاء الدولي هو الآخر ليس فوق السيادة إلا إذا قبلت الدولة بإرادتها إخضاع نفسها لعدد من القيود في مجال الممارسات السيادية كما هو حال الاتحاد الأوروبي.
والخلاصة أن السودان يقف من ناحية القانون على أرض صلبة، بل يستطيع أن يتهم الدول التي تسلح المتمردين بانتهاك مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وأنها هي التي تسبَّبت في دفاع السودان عن نفسه ومما نتج عنه من مآسٍ بالنسبة لأبنائه في دارفور.
إنها مواجهة فريدة بين مؤامرة سياسية تُدار بآليات سياسية وقضائية ودول عربية مستهدفة من جانب الولايات المتحدة والكيان الصهيوني؛ ولذلك فإن ساحة المواجهة في السودان تكشف مخطط تفتيت الدول العربية، وهي أخطر على مصر بوجه خاص؛ التي يجب عليها أن تساعد السودان على قمع التمرد، وعلى مواجهة هذه العاصفة الهوجاء التي تحرِّكها الأطماع والتحايل على أردية الشرعية الدولية البالية.