تثور منذ فترة وحتى الآن موجاتٌ من الجدل بسبب اللقاءات بين رجال الدين المسلمين ورجال الدين اليهودي.
وقد اتُّهم شيخ الأزهر بأنه التقى بوفدٍ منهم، ومعهما وفدٌ من رجال الدين المسيحي في حوار بالإسكندرية انتهى بتوقيع وثيقة الإسكندرية للحوار، وعندما زار وفد جامعة الأزهر باريس خلال الأسبوع الأخير من يونيو 2008م التقى بأحد الحاخامات اليهود على عشاء رتبه السفير المصري.
وأمام الانتقادات الموجَّهة إلى رئيس جامعة الأزهر دافع عنه وزير الأوقاف وقال إن اللقاء كان مصادفةً ولم يكن مرتبًا، وهذا- طبعًا- غير متصور، ولم يقل أحد ماذا تريد جامعة الأزهر من رجال الدين اليهودي.
ولفت نظري أن وزير الأوقاف دافع عن الالتقاء برجال الدين اليهودي في مؤتمر الحوار في مدريد، ولكنه استهجن لقاءهم في القاهرة دون أن يوضح الفرق، والحق أن هذا الموضوع يحتاج إلى مناقشة هادئة معقولة تضع الموضوع في حجمه ونصابه.
فالسبب الأساسي وراء التنصل من هذه اللقاءات مع رجال الدين اليهودي يرجع أساسًا إلى أن الكيان الصهيوني يمارس سياسة القوة الخرقاء، ويبطش بالشعب الفلسطيني، ويستند إلى الدعم الأمريكي الأعمى في الحصول على كل شيء وعدم استعداده للحوار الجاد.
ومع استمرار سياسة البطش والعربدة يظهر بعض رجال الدين اليهودي في المستعمرات وغيرها أشد تطرفًا وصفاقةً من السياسيين، ويقدمون الفتاوى الدينية التي تجعل الفتك بالعرب من دواعي التقرب إلى الله، وكأن لهم إلهًا خاصًّا بهم فوَّضهم بالقتل والإبادة في عباده الأقل مرتبةً؛ مكافأةً لهم على عبقريتهم وتميزهم التي لم نلمسها إلا في الهدم والتآمر.
ورغم كل ذلك لا يزال الكيان الصهيوني يستدر العطف ويمارس الإرهاب والابتزاز في العالم كله، ويدعي أنه محاط بالأعداء الحاقدين، وأنه يرفع غصن الزيتون فلا يجد إلا إرهابًا عربيًّا غادرًا، وهي يدرك أنه يستولي على أراضي هؤلاء الإرهابيين، وهم إرهابيون عندها لأنهم يقفون في وجه إرهابه ومشروعه الاستعماري الاستيطاني؛ أي يدافعون عن بقائهم ووجودهم وأرضهم بعد أن تخلَّى العالم كله عنهم.
في سياق ذلك كله لم يمتنع العرب عن قبول الكيان الصهيوني ولكن في حدود المبادرة العربية التي أبدى الكيان الصهيوني لها كل ازدراء، وكان شارون قد رد عليها حين صدورها في 28 مارس 2002 في بيروت باجتياح جنين وإبادة سكانها في واحدةٍ من أبشع مجازر العصر الحديث.
ولكن الكيان الصهيوني يناور حول المبادرة، وهو يريد التطبيع دون الوفاء بالتزاماته المقابلة في المبادرة، وقد حاول كثيرًا مع واشنطن، خاصةً التطبيع مع السعودية؛ لما للسعودية من مكانة مرموقة في العالمين العربي والإسلامي؛ بحيث يكون التطبيع مع السعودية كافيًا لاختراق ما تبقَّى مع هذين العالمين وفتح الأبواب المغلقة أو المواربة مثل دول الخليج الأخرى وباكستان وإندونيسيا وغيرها.
فخشية المسلمين والعرب من تسلل الكيان الصهيوني بكل الطرق لإحداث التطبيع من أي نوع وإضافة مكاسب له دون مقابل هو الذي يجعلهم حريصين على ترقُّب جهود التطبيع والتحسب لها، وهو ما يجعل بعض المطبعين والآخرين ينفون عن أنفسهم هذه التهمة التي قد تكلِّف صاحبها حياته، وكلما اشتد البطش الصهيوني ارتفعت درجة التوتر بين المتربصين بالتطبيع والساعين إليه.
وفي سياق حوار أتباع الأديان لا أظن أن وجود حاخامات من خارج الكيان، وخاصةً من اليهود المتدينين الذين يرفضون المشروع الصهيوني، والصهيونية السياسية له علاقة بالتطبيع، أما حاخامات الكيان فإنهم أشد تطرفًا ضد الإسلام والعرب والمسلمين، وليس علمهم الديني خالصًا أو أن لهم دورًا في تحقيق الانسجام بين أتباع الأديان حتى لا يشاركوا في الحملات السياسية التي تنزل بالدين السامي النبيل إلى مستوى الخلافات والصراعات، بل إن في الدين قوة أخلاقية هائلة يمكن أن تساعد على ترشيد سلوك الناس، ولا بأس أن يطلع هؤلاء الحاخامات على الحقائق المتعلقة بالكيان الصهيوني.
ولا شك أن مثل هذه اللقاءات لا يجني منها الكيان الصهيوني شيئًا، بل على العكس؛ تكرِّس الانقسام بين التيار الديني والعلماني في الحركة اليهودية، وتقف ضد كل المتطرفين من جميع الاتجاهات وتبيِّن حقيقة الإسلام الذي يدعو إلى السلم، ولكنه يأبى التفريط في الحقوق ويحض على الإحسان لأهل الكتاب والبر بهم.
أهمية هذه اللقاءات تكمن أيضًا في مواجهة الحملة الصهيونية التي تفسِّر القرآن على هواها وتذيعه على مواقع رسمية صهيونية، فضلاً عن الدراسات القرآنية المحرَّفة التي تجتهد الدوائر الصهيونية في نشرها، وقد حاولنا في كتاب يصدر قريباًَ بعنوان "الفكر السياسي والقانوني في القرآن الكريم" أن نرد على هذه الافتراءات، ونأمل أن تترجم هذه الردود العلمية وتوثَّق حتى لا يجد الباحثون المصدر الصهيوني وحده في أبحاثهم.