1- تأملات في نتائج الاعتقال
![]() |
|
جمال ماضي |
في أغرب وقعة من الاختراعات الحديثة، والمستمرة على عالمنا العربي والإسلامي، وبما تحمله من رسالة إلى كافة زعمائنا الذين أضاعوا كل شيء، حتى أنفسهم، فأصبحوا اليوم مهددين بالقتل، أو التصفية، أو الإعدام، أو الاعتقال، أو الخلع، أو النفي، أو.. أو.. أو...
تأتي مذكرة اعتقال الرئيس البشير، والتي أعلنها (أوكامبو) الأرجنتيني على وزن (رامبو) الأمريكي، وواضح من ذلك الصلة الوثيقة بين قضاة (لاهاي) وإدارة (واشنطن)؛ فقد جاءت كلمات أوكامبو المدعي العام لمحكمة لاهاي، والتي أصدرت لائحة الاتهام بجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية ضد البشير، تحمل في طياتها النكهة الأمريكية، وكأنك تستمع للمتحدث الأمريكي؛ حيث قال: "إن السودان دولة معادية، وقد أصبحت قوات الأمم المتحدة منعزلة.. أنقذوا عشرة آلاف من القوات الدولية تواجه المصاعب في دارفور، ويتعرض أفرادها للقتل".
وقد تلقَّت هذه الرسالة قبل الإعلان الرسمي عنها 107 دول هي الأعضاء في المحكمة، وكذلك الأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، فماذا كانت النتائج؟.. الحكومة السودانية قالت إنها لا تعترف أصلاً بالمحكمة؛ فهي ليست عضوًا فيها، أسوةً بواشنطن التي أحجمت عن توقيع معاهدة روما، فلماذا اليوم تحاكم البشير بمحكمة هي لا تعترف بها؟! هل تخشى المحاكمة على جرائمها في الدول التي تحتلها؟! أم تخفي جرائمها بعد إصدار اللجنة الدائمة للصليب الأحمر وثيقةً سلمتها لبوش وأجهزة مخابراته؛ تقر فيها بأن الانتهاكات في سجون واشنطن السرية وفي جوانتنامو هي (جرائم حرب)؟!
والعجيب في الأمر هو ما جاء على لسان متحدثها- وكأنه يخاطب بُلهاء لا يفهمون-: "سندرس إصدار مذكرة الاعتقال، وندعو الأطراف إلى الهدوء".
وبينما يصف نائب البشير قرار الاعتقال بأنه باطل وكاذب، يحرص بان كي مون- كالعادة- على أمر آخر وكأنه من كوكب آخر، هو أنه يحرص على موظفي الأمم المتحدة في السودان، وعندما نطق مع البشير حينما هاتفه في الأمر، قال: "إن المحكمة مستقلة، والأمم المتحدة تحترم استقلالية العملية القضائية"، من دون أن يتهمه أحد لا سمح الله.
وكعادة جامعة الدول العربية في التصدي وحفظ الكرامة واستعادة الأمجاد، تسرع لتقديم أقصى بطولة عربية من حركة ومقاومة، والتي تمخَّضت عن دعوة لاجتماع وزراء الخارجية العرب، وهي الدعوة التي جاءت في وقتها المناسب جدًّا، للاستمتاع بجو مصر الساحر وموائدها، وفنادقها ولذاتها، وشواطئها الخلابة وشرم شيخها، وغردقتها ومارينتها، "وبركة يا جامع الأحباب والشمل العربي"، ومصائب البشير عن العرب فوائد.
أما الأفارقة فلهم الله؛ فقد نطق لسانهم بالهلع والخوف، وقالوا نخشى على السلام في دارفور!، وأن الاعتقال قد يقوض عملية السلام!، ولا تعليق.
وأخيرًا نطلب الرأي ولو من الصين؛ حيث المصلحة المهددة لها في السودان، والتي أفصحت عن أنها قلقة مما يحدث، ودعت إلى تهدئة الأوضاع، لا أن نؤزمها، وأعربت عن الحقيقة؛ حيث قالت: "إن من يعطل عملية السلام هم المتمردون وليس البشير".
2- لماذا الاعتقال ولماذا الآن ولماذا البشير؟
مذكرة الاعتقال تتفق مع إستراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية وبعض حلفائها في توظيف المؤسسات الدولية لتحقيق أهدافها الاستعمارية؛ من هيمنةٍ على الدول، وابتزازها، أو احتلالها والسيطرة على ثرواتها، خاصةً في ظل الارتفاع المحموم لأسعار البترول في العالم، بعد نضوب أي مصادر جديدة للطاقة؛ حيث تؤكد الدراسات والمؤشرات أن السودان يحتوي على كميات هائلة من البترول، في الوقت الذي يشنُّ فيه العدو الصهيوني عدوانه البشع على الشعب الفلسطيني منذ أكثر من ستين عامًا دون توقف، لاهيًا باتفاقات التهدئة، مواصلاً تجويعه وقتله لغزة، ودون أن يقدم أحد من أشاوس مجرمي الحرب المحترمين إلى أية محاكمة أو مساءلة.
ومع أن الدنيا تدين أية جرائم ضد الإنسانية، أو إبادة جماعية للشعوب، فإننا نتساءل: لماذا لا يعتبر ما يجري في فلسطين والعراق وأفغانستان جرائم حرب ضد الإنسانية؟! ولماذا لا يُحاكَم المجرمون المتسبِّبون فيها؟! أم أن ما يحدث للبشير تغطية على الجرائم والمذابح الرهيبة والإبادة الجماعية؟!
3- أين دولنا؟! وأين أبناء الأمة؟!
في الوقت الذي كان يعلن فيه المدعي العام مذكرة الاعتقال، كان البشير في حفل توقيع قانون الانتخابات الجديد، بالزي الرسمي، وأخذ يرقص مع وزراء آخرين تحت عزف موسيقى من فرقة سودانية، وتصرخ حوله الجماهير السودانية: تسقط أمريكا، تسقط أمريكا.
في الوقت الذي يعلن فيه أوكامبو الجرائم والإبادة كان اتحاد أطباء العرب أسبق في إصدار بيان بعد إرساله لجنة تقصي حقائق في مايو الماضي يقول فيه: "لا توجد جرائم إبادة جماعية، ولا جرائم اغتصاب جماعي، ولا جرائم تطهير عرقي".
فأين دولنا من هذه الحقائق أو أمام هذه الأكاذيب؟!
بدلاً من تصريحات بعض رؤسائها: "من شأن القرار أن يؤدي إلى مزيد من تعقيد الأمور"، أو "لن يؤديَ إلا إلى مزيدٍ من إشعال الحرائق وعدم الاستقرار"، أوقفوا ما يحدث بالفعل، ولا تعقدوا أنتم الأمور، خذوا ولو مرة موقفًا حاسمًا، ولا تشعلوا الحرائق؛ فالفرق شاسعٌ بين الدعوة إلى اجتماعٍ ينفض ودعوةٍ إلى التصدي!، والبون واسعٌ بين رفضنا التبعية وأن نرضى بالعدوان علينا!
وأين أبناء الأمة ومؤسسات الأمة وجماعات الأمة من دعمها لأهلنا بالسودان؟! وأين هم من دعوتهم لل المؤسسات الدولية إلى احترام مواثيقها بدلاً من أن تكون ألعوبةً في يد المشروع الأمريكي الصهيوني؟! وأين هم من مطالبة حكوماتهم بالاستقلالية وعدم الخضوع للنفوذ الأمريكي الصهيوني حتى لا يكونوا أداةً للاحتلال والعدوان؟!
وهذه هي اللحظة الراهنة التي يجب على أبناء السودان أن يتوحدوا ويعملوا بجد على إنهاء النزاعات الداخلية، وتوجيه الجهود نحو حفظ استقلالية السودان، ونشر الرفاهية في الحياة السودانية؛ فمنذ اتفاق ماشاكوس الذي قضى بالاحتكام إلى الشريعة في الشمال وانفصال الجنوب في غضون 6 سنوات، ثم اتفاق نيفاشا في 2003م، والسودان يدعم كل مساعي السلام ورأب الصدع، فلماذا لا تكلَّل بالوحدة الحقيقية، بعيدًا عن الصراعات التي ينفذ منها العدو المتربص بالسودان بدلاً من هذا الإرهاق الذي يتعرض له السودان منذ عام 1955م؟!
4- هل بدأت خطة تمزيق السودان بالفعل؟
بعد تحول مؤسسات الأمم المتحدة إلى دمى بيد أمريكا؛ تُحرِّكها كما تشاء لمصالحها، وبعد افتضاح سياسة المعايير المزدوجة التي تمارسها أمريكا ومعها الغرب، في تجاهل جرائم الحرب والتطهير العرقي الذي يمارسه الكيان الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني، هل آن الأوان لاتخاذ موقف عربي من الإدارة الأمريكية؟! خاصةً أمام مخططات تمزيق السودان، والتي بدأت بمذكرة اعتقال البشير!؛ فقد جاءت هذه الخطوة- للمطلعين على نوايا واشنطن والغرب- بالأمر الطبيعي، وليست بالمفاجأة.
وهدف التقسيم هو تحقيق هدف الكيان الصهيوني من حرمان السودان من أرضه الخصبة وموارد المياه، ومحاصرة قلب العروبة (مصرنا الحبيبة) بالتحكم في مصدر حياتنا (نهر النيل)، ودفعها إلى أن تضطر إلى شراء مياه النيل بعد اختراع قوانين جديدة بتقنين حصص الدول المتشاطئة القديمة والدويلات الجديدة.
فقد نشرت جريدة (الخليج) الإماراتية قبل أربع سنوات سلسلة تحقيقات تحت عنوان "متوالية تقسيم السودان"؛ أظهرت معها خريطة التقسيم المزمع، أي تجزئة أكبر قطر عربي وإفريقي مساحةً وتنوُّعًا جغرافيًّا وعرقيًّا إلى دويلات، دارفور (غرب)، والجنوب، والبجا (شرق)، أما الدويلة الرابعة فستكون عربية في الشمال الأقل ثروةً ومواردَ.
وعلى هذا جاءت نصيحة الخبراء بقولهم: "فعلى مصر التي خسرت على مدى العقود القليلة الماضية معظم نفوذها الذي كان في وقت من الأوقات هو الأقوى في القارة الإفريقية، أن تتعامل مع هذا الوضع باعتباره تهديدًا هو الأخطر على أمنها القومي؛ لأنها إذا تعاملت مع الموقف شأنها شأن الساعي نحو تهدئة الأمور وعدم الدخول في صراعات مع الأقوياء، فساعتها ستكون العواقب وخيمة بحق".
-------
