أ. د. مصطفى هيكل

في البداية.. أعتذر للقارئ عمَّا قد يُحدثه له هذا العنوان من كآبةٍ، وأؤكـد له أنها ستتلاشى بعد قليل؛ فالروح الفكاهية التي بثَّها مقال جادٌّ للكاتبة سلوى الخطيب بجريدة (الدستور) اليومية جعلني أقتبس من مقالها الرائع، والذي أشادت فيه بزعيم المقاومة القائد حسن نصر الله، جعلتني أقتبس من مقالها هذا العنوان عندما شاهدتُ منظر التابوتين اللذين يحملان رفات الجنديين الصهيونيين وهما يُنقلان عبر مطار بيروت في صفقة تبادل الأسرى بين حزب الله وحزب الشيطان من الصهاينة؛ تلك الصفقة المنصورة، والتي كلَّلت انتصار المقاومة الإسلامية في لبنان في حرب يوليو من العام 2006 بمزيدٍ من الانتصار.

 

ووَصْف هذه الصفقة بالصفقة المنصورة ليس وصفًا مبالغًا فيه؛ إذ شهدت بذلك معظم الصحف والوكالات العربية والأجنبية، ودلائل ذلك لا تخفى على ذي بصيرة.

 

جثتان ومعلومات لا تُقدِّم ولا تُؤخر عن طيارٍ صهيوني مفقود مقابل الإفراج عن عميد الأسرى العرب سمير القنطار (28 عامًا من الأسر) مع أربعة أسرى آخرين من أبطال حزب الله ورفات مائتي شهيدٍ من هؤلاء الأبطال اللبنانيين والفلسطينيين، مع تسليم خريطة كاملة لحقول الألغام التي دنس بها هؤلاء الصهاينة أرض لبنان الحبيب.

 

وكيف تم ذلك أيها السادة؟.. من خلال وسيط ألماني، "يعني ما فيش مصافحة ولا قبلات ولا أحضان ولا توزيع ابتسامات مع هذا العدو.. يا سلام على الرجالة لما يوفوا بوعودهم".

 

أُذكِّر القارئ بالشعار الذي رفعه حزب الله في الحرب وهو: الوعد الحق، وهو وعد للأسرى بالتحرير بحيث يكون أولهم سمير القنطار- راجع خطب نصر الله أثناء الحرب- مع ملاحظة أن الوعد لنصر الله لم يشمل اللبنانيين فقط، وإنما كان للبنانيين وفلسطينيين، وقد حقق الله له ذلك.

 

وشتَّان الفارق بين الفرحة على الجانب اللبناني والاحتفالات الشعبية والاستقبال الرسمي الذي وحَّد الصفوف، وكان في مقدمتها رأس الدولة اللبنانية ممثلاً في رئيس الدولة ورئيس الوزراء ورئيس البرلمان وقادة الطوائف والنواب، مقابل الحزن والكآبة التي استقبلت بها توابيت الجنديين الصهيونيين من قِبل أسرهم، والذين كانوا يأملون أن يكون أبناؤهم على قيد الحياة، وبين تلك الكآبة التي بدت على وجوه أعضاء مجلس وزراء الكيان الصهيوني وهم يظهرون أمام الكاميرات، خاصةً تلك الأفعى ديفيد ليفني وزيرة الخارجية، والتي بدت وكأنها تترنح بعد انتهاء اجتماع هذا المجلس ووزير الدفاع الإرهابي إيهود باراك، والذي بدا وكأنه يفر كالفأر المذعور من الصحفيين الذين أحاطوا به.

 

ويكفي أن المراقبين اعتبروا أن هذا اليوم- يوم تبادل الأسرى بالجثث- هو من أسوأ الأيام في تاريخ الكيان الصهيوني، وقد سمَّوه بالفعل يوم الحزن.

 

ومع الفرحة في الجانب اللبناني والحسرة في الجانب الصهيوني تندمل جراح عربية لبنانية وفلسطينية، وتتفتح جراح مصرية حسرةً على التفريط في الجاسوس الصهيوني الشهير عزام عزام، والذي كان يمكن مبادلته بآلاف الأسرى العرب، ولكنه التفاوت في عزائم الرجال والإرادات.

ومع خالص التحية لمحور الاعتدال.. يا جثث.. يا جثث.