يُصاب المرءُ بالدهشةِ مرتين حين يقرأ كلام الأنبا توماس في المحاضرة التي ألقاها بالولايات المتحدة الأمريكية، ونشرت تفاصيلها وكالة أنباء (أمريكا إن أرابيك)، ونقلتها عنها بعض الصحف المصرية يوم الأحد الماضي 20 يوليو.

 

مصدر الدهشة الأولى- الصدمة إن شئت الدقة- هو خطورة الآراء التي عبَّر عنها الرجل، الذي ليس قبطيًّا عاديًّا ولا شابًّا منفعلاً "عمره 51 سنة"، ولكنه قيادة كنسية مرموقة يحتل موقعًا متقدمًا من خلال عضويته للمجمع المقدس، الذي هو أعلى سلطة في الكنيسة المصرية، ثم إنه أسقف لإبراشية القوصية في صعيد مصر، الأمر الذي يعني أن له جمهوره العريض الذي يتلقَّى منه ويتأثر بآرائه.

 

المحاضرة ألقاها هذا الأسبوع الأنبا توماس في معهد هيودسون، الذي يعد أحد مراكز التفكير التابعة للمحافظين الجدد، ومن النقاط التي ركَّز عليها ما يلي:

 

- أن أكبر معضلتين تواجهان المجتمع المسيحي في مصر هما "التعريب" و"الأسلمة"، وأن القبطي يشعر بالإهانةِ إذا قلت له إنك عربي، مضيفًا: "أننا لسنا عربًا ولكننا مصريون، وأنا سعيد لكوني مصريًّا وإن كنتُ أتكلم العربية، ومن الناحية السياسية فإنني أعيش في ظل دولةٍ تم تعريبها وتنتمي إلى جامعة الدول العربية، ولكن ذلك لا يجعلني عربيًّا".

 

- أنَّ كل المصريين كانوا أقباطًا إلى أن احتلَّ العربُ مصر، فاعتنق بعضهم الإسلام، إما بسبب الضغط أو رغبةً في التهرُّب من الضرائب أو طموحًا إلى التكيُّفِ والتعامل مع القادةِ والحكام العرب، وهؤلاء لم يعودوا أقباطًا، ولكنهم أصبحوا شيئًا آخر "لم يقل إنهم صاروا مسلمين"، وهؤلاء اتجهت أبصارهم صوب الجزيرة العربية "مكة والمدينة" بدلاً من مصر.

 

- أن الأقباط المصريين يشعرون بالخيانةِ من إخوانهم في الوطن "؟"، كما أنهم أدركوا أن ثقافتهم ماتت، ووجدوا أن عليهم أن يحتضنوا هذه الثقافة ويحاربوا من أجلها، حتى يحين الوقت الذي يحدث فيه الانفتاح، وتعود الدولة إلى جذورها "القبطية"، وفي المناخ الراهن فإنه لا يمكن تدريس اللغة القبطية التي هي اللغة الأم لمصر في المدارس العامة، في حين تسمح نظم التعليم بتدريس أي لغةٍ أجنبية أخري.

 

- أن ثمةَ تزويرًا في التاريخ المصري، بمقتضاه سُرقت ثقافتنا والفن الخاص بنا، حتى الفن الخشبي، الذي هو عمل حرفي اشتهر به المصريون، سرق من الأقباط وأطلق عليه "الأرابيسك" واعتبر فنًا إسلاميًّا.

 

اشتركتْ في نشر خلاصة محاضرة الأنبا توماس ثلاث صحف يومية هي "الدستور" و"المصري اليوم" و"البديل"، لكنَّ "المصري اليوم" انفردت بإضافةِ تعقيبٍ على لسان القمص بيمن بطرس، نائبه في مطرانية القوصية، قال فيه إن الأنبا توماس كان في زيارة للبابا شنودة الذي يعالج الآن في الولايات المتحدة، وإنه "معروف بمواقفه الوطنية وعلاقاته جيدة جدًّا بالمسلمين"، وإنه بحديثه استهدف "إيضاح الأمور وإظهار حقيقة الشعب المصري"!.

 

إذا لم يصحح الأنبا توماس هذا الكلام أو ينفه، فذلك يؤكد صدوره عنه، وخطورة هذا التأكيد أن الكلام ينسف أسس التعايش بين المسلمين والأقباط في مصر، ويلغي وجود الجماعة الوطنية، ومن ثَمَّ فإنه يُعمِّق الشرخ الموجود بين أبناء البلد الواحد، بل يُفجِّر العلاقةَ على نحو يفتح الباب واسعًا لشرورٍ لا حدودَ لها، وفي هذه الحالة، فإننا إذا تغاضينا عمَّا تضمنه كلامه من أغاليط ومراراتٍ ينبغي أن يتنزه عنها المنصفون والراشدون، فمن حق المواطن العادي أن يفزع من صدوره عن قيادة كنيسة، وأن يتساءل بعد ذلك: باسم مَن يتكلم أسقف القوصية؟، وما رأي المجمع المقدس في الآراء التي أبداها؟ وما رأي البابا شنودة بوجهٍ أخص؟

 

هذه الأسئلة الأخيرة تقودنا إلى المصدر الثاني للدهشة، الذي يتمثل في سكوتِ مَن نعرف من عقلاءِ الأقباط على بثِّ هذه الأفكار الخطرةِ والترويج لها خارج مصر وداخلها، ذلك أننا نسمع من أولئك العقلاء كلامًا مغايرًا يُعبِّر عن الحرص على العيش المشترك والجماعة الوطنية والاعتزاز بالعروبة، التي اعتبرها الأنبا توماس سُبَّةً وإهانةً، لكننا نلاحظ أن أولئك العقلاء سكتوا ولم نسمع لهم صوتًا، يسجل موقفًا صريحًا منها، ونرجو ألا يكون سكوتهم علامةً على الرضا، علمًا بأن الرسالة المفخخة التي بعث بها من خلال محاضرته، لا يجوز الحياد إزاءها أو الخوف من نقضها وإعلان البراءة منها.

---------

* الدستور 22/7/2008