لا تبدو قصة الرئيس البشير هي الموضوع، بل قصة السودان، وهَبْ أن البشير اعتقل، أو حوكم، أو مات، فهل يعني ذلك خلاصًا من أوجاع السودان؟!
مثل هذه النظرة تبدو ساذجةً في أقل تقدير، أو متورطة في التآمر المشبوه إلى الحد الأقصى؛ فرئاسة البشير في ذاتها ليست ضمانةً للسودان، تمامًا كما أن محاكمة البشير لا تعني تحريرًا للسودان، ثم إن محاكمة أو توجيه اللوم إلى البشير وحكمه وحده لا تبدو عادلة؛ فما جرى في دارفور حرب أهلية، وفي سياق صراع على موارد شحيحة بين قبائل عربية وأخرى إفريقية، بين قبائل الرعاة وقبائل الزراعة البدائية، وفي مواسم جفاف، فقامت الحرب على فرص الحياة، وفي ظل ضعف مريع لوجود السلطة المركزية وخطط التنمية، وفي سياق مظالم تاريخية لأهل دارفور أسبق من وجود البشير في السلطة، بل أسبق من استقلال السودان نفسه قبل 52 سنة وأكثر.
ولا تبدو جماعات الجنجويد- من ميليشيات القبائل العربية- وحدها هي المتهمة، ولا هي المتفردة بانتهاكات أو بجرائم قتل جماعي؛ فميليشيات القبائل الإفريقية هي الطرف الآخر في الصراع الذي جرى ويجري، وقد قتلت واغتصبت وارتكبت هي الأخرى جرائم لها أول وبلا آخر، وفي سياق حرب دموية أيًّا ما كانت عدالة دوافعها؛ فجماعات مثل العدالة والمساواة، أو حركة تحرير السودان، أو غيرهما من جماعات المتمردين في دارفور، هؤلاء ليسوا جماعات من الملائكة، بل جماعات من المرتزقة، وجدوا سندًا في دارفور بسبب تراكم المظالم، والحاجة لحماية السلاح في صدام القبائل، ولو حصروا اهتمامهم في خلاص الدارفوريين لكان الأمر مفهومًا، لكن خيوطهم ممدودة إلى ما وراء حدود السودان الشاسع القاري المساحة، ليس فقط إلى حكم قبلي متخلف مثل نظام تشاد المحمي فرنسيًّا، وليس فقط إلى نجدة جماعات غربية لا تريد خيرًا للسودان ولا لدارفور، بل إن بعضَ هذه الجماعات المتمردة مد خيوطه وخطوطه إلى طلب النجدة من الكيان الصهيوني بالذات، وتمامًا كما فعلت حركة جون جارنج وخلفه سلفاكير.
المعنى: أن تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية تبدو مُسَيَّسة تمامًا، وخاضعةً لذات الأهواء التي تسيطر على مجلس الأمن، خاضعةً لذات الأهواء الأمريكية والفرنسية البشعة، وفي وسط ضجيج كاذب مفتعل بالجملة، وتبدو فيه واشنطن كأنها المنقذ من الضلال وخشبة خلاص الإنسانية، أو كأنها السند الباقي لتحرير الشعوب المقهورة، بينما لا أحد يضطهد ويسحق الناس في هذا العالم أكثر من واشنطن، وبينما لا مجرم حرب ولا مرتكب فظائع ضد الإنسانية، ولا قاتل أكثر دمويةً من الإدارة الأمريكية ذاتها، ومن إدارة بوش بالذات، وحديث العراق قريب للناظرين؛ فقد ذهبت أمريكا لغزو بغداد بدعوى تحرير العراق، ثم انتهت القصة الدامية بتحرير العراق من العراقيين ذاتهم، وتنصيب حكومة دُمَى من قتلة مأجورين وجماعات لصوص!
إذن.. فلسنا بصدد قصة ديكتاتور اسمه الجنرال عمر البشير، ولا بصدد بحث عن عدالة أو تحرٍّ للحق والحقيقة، أو تعليق للجرس في رقبة القط، ولا بصدد أمر من المحكمة الجنائية الدولية باصطياد البشير، بل بصدد افتعال ذرائع وتسهيل جريمة، وبصدد اصطياد السودان، وتفكيكه نهائيًّا، وبصدد استخدام محنة دارفور وجعلها موطئًا لأقدام سوداء، وبصدد تمهيد لغزو عسكري واسع للسودان، وبصدد ذبح بلد عربي ومحوه من خرائطنا، ووضعه في خرائط التيه الإفريقي بلا آخر وبغير محطة وصول، وبصدد استطراد في تنفيذ خطة وإستراتيجية شد الأطراف، وهي ذات الخطة التي حملت في بداية الثمانينيات اسم "خطة إسرائيل في الشرق الأوسط"، والتي قضت بتفكيك العراق إلى أربع دول، وبتقسيم السودان إلي خمس دويلات، وباستكمال حصار مصر أكبر بلد عربي وخنقها مائيًّا وإستراتيجيًّا.
وهذا ما يجري بالضبط، ومن وراء قناع المحكمة الجنائية الدولية، وفي نفاق فج مفضوح؛ فأمريكا التي تبتهج الآن لقرارات المحكمة إياها، وتبدي استعدادها لتنفيذ قرار المدعي أوكامبو باعتقال البشير، هذه الأمريكا ذاتها هي التي رفضت التوقيع على اتفاقية إنشاء المحكمة الجنائية الدولية، وهي التي أجبرت ما يقرب من مائة دولة حول العالم على توقيع اتفاقيات ثنائية لشل المحكمة الدولية، وتحصين جنودها حول العالم من المساءلة عن جرائم حرب، وتحصين مسئوليها من إمكانية الإحالة إلى المحكمة ذاتها؛ فأمريكا تحتقر المحكمة الجنائية الدولية، وترفض أن توقِّع على اتفاقاتها، وترفض أن تخضع لقانونها، أو أن يحال جنودها ومسئولوها المجرمون إلى أية محاكمة.
هذه الأمريكا تحتقر المحكمة، وتسعى إلى استخدامها في الوقت نفسه، ولا عجب؛ فهذه "جَلْيَطة وجلافة" أمريكية معتادة جدًّا؛ فأمريكا لا تؤمن بحق أو بعدالة مرعية بنزاهة إنسانية مجردة، ولا تعرف سوى لغة المصالح ومبدأ القوة، ولو كانت هناك عدالة في هذا العالم لما ظل بوش رئيسًا لأقوى دولة في الدنيا، ولكان مصيره السجن المؤبد أو حكم الإعدام.
وقد لا يلوم أحد أمريكا؛ فهي فضيحة وعار العالم، وهي الجاني الأعظم في جرائم الدنيا كلها، لكن المشكلة عندنا ليست في الجاني، بل اللوم على الضحايا المختارين؛ فقد تخلَّى العرب عن السودان، وتركوه ينزف دمه وينزف عروبته، تركوه في دوامة تفكيك لا يُعفى من مسئوليتها حكم البشير ذاته؛ فقد كان البشير حليفًا وتابعًا لحسن الترابي، وخاض حكم الإنقاذ حرب الجنوب تحت شعار الحرب ضد الصليبيين، وانشقَّ الترابي عن البشير، لكن كلاهما ذهب لعقد اتفاق مع حركة الجنوب، وفي تنافس محموم على الذهاب بالسودان إلى المقصلة، ثم واصل الترابي كيده للبشير، ودعم حركات التمرد في دارفور.
والمعروف أن دارفور كلها من المسلمين، وأن مساحتها تساوي مساحة فرنسا، وأن توقعات البترول واليورانيوم فيها تجعلها في صورة الكنز المخبأ، وأن أمريكا- وفرنسا أيضًا- تسعى إلى التهام دارفور والسودان كله، وفي إطار خطة "أفريكوم"، وتسعى إلى حصار النفوذ الصيني المتزايد في السودان وفي إفريقيا، وإلى السيطرة على بترول الخليج.
ويبدو الاستيلاء على السودان وتفكيكه بندًا جوهريًّا في الخطة كلها؛ فالمطلوب فصل السودان عن العالم العربي، والزج بالسودان في صراعاتٍ داميةٍ طويلة الأمد، وتنمية حضور صهيوني مؤثر عند منابع النيل، ووضع مصر بين طرفي كماشة من الشرق وإلى الجنوب، وضع مصر تحت حد السلاح الصهيوني بنزع سلاح سيناء في غالبها كما جرى بمضاعفات كامب ديفيد، وخنق مصر في الجنوب بالسيطرة على موارد ومجاري النيل، والانتقال بعد تفتيت السودان إلى حصار وخنق أي حكم وطني ديمقراطي قد يعقب زوال نظام مبارك في مصر.
إذن.. فالقصة ليست في البشير حاكم السودان الآن، إنها في النذير الذي يعصف بالسودان ذاته وطنًا ومستقبلاً.. القصة ليست في تسليم البشير، بل في تسليم السودان.
---------
* القدس العربي في 21/7/2008م.