آلمني ما صرَّح به الأستاذ الدكتور نظيف رئيس الوزراء في إحدى اللقاءات مع الطلبة، عندما سُئل سيادته عن تصدير الغاز إلى الكيان الصهيوني، تلك القضية التي لاقت اعتراضًا واستهجانًا شديدًا من كافة قطاعات الشعب؛ حيث بها وجيعتان: الأولى: تسليم الغاز لعدو يقاتِلُ به إخوتنا في فلسطين، والثانية: الثمن البخس، في الوقت الذي نرفع فيه أسعار الوقود وسائر السلع فيزداد الغلاء عندنا.

 

وكانت إجابة سيادته غايةً في الغرابة؛ حيث قال: "تصدير الغاز إلى إسرائيل يجعلهم يعتمدون علينا وليس العكس، وهذا مكسب إستراتيجي"، وأضاف سيادته: "إسرائيل كانت تحتل سيناء بكل ثرواتها؛ أي بما فيها من غاز وبترول".

 

وبهذا حلَّ سيادتُه المشكلةَ بفكرٍ جديد، وبأمرٍ في غاية البساطة، وهو خفض مسطرة القياس!!، فيا من انزعجتم من تصدير الغاز من سيناء إلى الصهاينة؛ باعتبار الغاز ملكًا لنا، وأن سيناء عادت لنا، ما عليكم إلا أن تتصوروا أن سيناء لم تعد، أو كأنَّها لم تعد، وأن ما فيها من ثروات، وما تحويه من خيرات خاص باليهود التي كانوا يحتلونها، أو ربما ما زالوا يملكونها، وقد ضحكنا عليهم، وبِعنا لهم ما يملكون، وبالتالي أي ثمن يأتي منهم مهما كان بخسًا فهو أحسن من العدم، وهو مكسبٌ بميزان مسطرة القياس الجديدة.

 

وبخفض مسطرة القياس، والهبوط بسقف الطموحات، نجد أن كلَّ مشاكلِنا قد حُلَّت، حتى طالب الثانوية الذي اجتهد في دراسته، وكانت مسطرةُ القياس عنده أن يحقِّق نجاحًا كبيرًا يؤهله لكليات القمة، ثم جاءت نتيجته عكس ذلك، ما عليه إلا خفض مسطرة القياس إلى مجرد النجاح، فإذا حصل على خمسين في المائة فإنه يوزع الشربات، ويقيم الحفلات؛ لأنه قد حقق الطموحات؛ فبدلاً من الحزن مع الطموح الكبير، فالأسهل منه الفرح مع الطموح المتواضع جدًّا، وليتنا في أمر تصدير الغاز حققنا حتى الخمسين في المائة التي حصل عليها هذا الطالب.

 

ورحم الله الشاعر الكبير محمود سامي البارودي، الذي كان يتكلم عن الهمة العالية، وما تستلزمه من صاحبها من جهدٍ وكفاح، فيقول:

ومن تكن العلياء همةَ نفسه             فكلُّ الذي يلقاه فيها محبب

 

وربما لو حضر المنطق الجديد للقياس لقال:

ومن يكن التفريطُ همةَ نفسه           فكل الذي قد باع لا يُستغرب

-------------

* ahmadbelals@yahoo.com