الصورة غير متاحة

د: مصطفى هيكل

شهدت الساحة السياسية في مصر احتقاناتٍ كثيرةً؛ حكمت العلاقة بين النظام الحاكم في مصر وجماعة الإخوان المسلمين، وكان السبب الرئيسي في تأجُّج تلك الاحتقانات هو إصرار الجماعة على المضيِّ في العملية الإصلاحية بمصر، وإصرارها الدائم على أن الإصلاح السياسي هو قاطرة هذا الإصلاح.

 

أما النظام الحاكم فيرى أن الإصلاح الاقتصادي هو الأساس الذي ينبغي البدء به، وعندما وجد نفسه مضطرًّا لإجراء بعض الإصلاحات السياسية- سواءٌ كان هذا الاضطرار بسبب ضغوط بالداخل أو بالخارج- جاء هذا الإصلاح متهرئًا ومرفوضًا من كل القوى السياسية وحتى من حلفاء الخارج؛ فجاءت التعديلات الدستورية بمثابة ردَّة إلى الوراء، وجاءت الانتخابات التشريعية وانتخابات المحليات كاشفةً بقدر كبير عن أنه لا توجد لدى النظام في مصر إرادةٌ حقيقيةٌ للتغيير أو الإصلاح، بل إن كل ما يتم يهدف إلى تكريس البقاء والتشبُّث اللا محدود بالكرسي، بل والطموح غير المبرَّر والزائد عن الحدِّ لدى الوريث لاستلام سلطة الأب؛ سواءٌ في حياته أو بعد عمر مديد إن شاء الله.

 

وهذا ما أصبح مرفوضًا الآن من جماعة الإخوان بل ومن كل القوى السياسية، خاصةً أن هذا الطموح كان مشفوعًا بتعديلات دستورية مطبوخة ومسلوقة، وقوانين استثنائية يُعدُّ لها بليل؛ بواسطة جهابذة القانون "الترزية" وخبراء سدِّ الحنك في الإعلام والداخلية، وكان هذا سببًا كافيًا لتغيير موقف الإخوان المبدئي من جمال مبارك كشخص؛ بعد أن كان اسمً- في حد ذاته- غيرَ مرفوض كمواطن مصري، ولكن من خارج قصر الرئاسة، وليس من داخل القصر (كما نصحه بذلك مرشد الجماعة).

 

هذه الحالة من التباين بين موقف النظام الحاكم وموقف الإخوان؛ جعلت الأول يرفض الحوار نهائيًّا مع الجماعة ويقف منها موقف التنكيل والبطش بكل الوسائل غير المشروعة، في نفس الوقت الذي يقف فيه وديعًا ومعتدلاً ومحاورًا مع الصهاينة أعداء الوطن!.

 

وإذا كانت هناك من كلمة تقال أو نصيحة لوجه الله تعالى؛ فهي أن يعود النظام إلى رشده، ويلغيَ الأحكام العسكرية الجائرة في حق قيادات الإخوان، وليتذكَّر كلُّ أركان هذا النظام أن الظلم ظلمات يوم القيامة، وأن الله جل وعلا قال: "يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرَّمًا؛ فلا تظالموا".

 

والنصيحة الأخرى: ألا يركن هذا النظام إلى قوته وجبروته وعصاه الغليظة؛ فكل هذا لن يدوم، وإذا حانت ساعة التغيير فلن تقف كل هذه الأدوات أمام رغبة هذا الشعب الجائع والمكلوم، ولا يركن إلى الاستقواء بأمريكا والغرب؛ فقد لا يصبُّ التغيير القادم في أمريكا بالضرورة في مصلحة النظام الحاكم؛ فقد يأتي هذا التغيير بالحزب الجمهوري ممثَّلاً في جون ماكين؛ الأكثر عداءً واستهجانًا للعرب، والأكثر حدةً وحماقةً في التعامل مع بعض القادة في منطقتنا من نظيره السابق جورج بوش، أو قد يأتي بالحزب الديمقراطي ممثلاً في باراك أوباما؛ والذي لا يريد أن تستمر حالة العداء في المنطقة لأمريكا بسبب دعمها الأنظمة المستبدة.

 

وتبقى النصيحة الأخيرة لهذا النظام؛ وهي أن يمدَّ يد الحوار؛ ليس للإخوان فقط بل لكل القوى المعارضة والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني؛ من أجل مصلحة هذا الشعب، ومن أجل وضع حدٍّ لحالة البؤس والشقاء التي وصلت إليها مصر داخليًّا وخارجيًّا، والنظام نفسه أحوج ما يكون في هذه المرحلة بالذات إلى كل هذه القوى كداعمة ومساندة له؛ من أجل الخروج بالوطن من هذه الحالة، وإلا فسيكون الخوار.