أسفرت الانتخابات التكميلية لمجلس الشعب المصري، والتي أُجريت أخيرًا بالإسكندرية وكفر الشيخ- دون إشراف قضائي حقيقي- عن فوز ساحق ماحق لمرشحي الحزب الوطني الديمقراطي؛ تعدَّت ما هو معقولٌ في نظر المسئولين عن الحزب إلى اللا معقول من وجهة نظر غير المنتمين للحزب الوطني؛ حيث حصل مرشحا الحزب بالإسكندرية على 19164 صوتًا من إجمالي 19504 أصوات صحيحة؛ بنسبة 98.3%، بينما بقية المرشحين (39 مرشحًا)، بمن فيهم مرشح الإخوان المسلمين، حصلوا على 1.7%!!.
وبقراءة أخرى: مرشح واحد حصل على 19164 صوتًا، بينما حصل 39 مرشحًا على 340 صوتًا؛ أي أن متوسط ما حصل عليه هؤلاء المرشحون 8 أصوات للبعض و9 أصوات للبعض الآخر (قالت صحيفة البديل: إن خمسة مرشحين حصل كل منهم على صوت واحد فقط)!.
بينما مرشح الحزب الوطني الديمقراطي حصل في هذه الانتخابات وقت أن أُجريت تحت الإشراف القضائي الحقيقي (قاض لكل صندوق) على أقل من نصف ما حصل عليه مرشح الإخوان المسلمين، والذي حصل وقتها على ما يزيد عن خمسة آلاف صوت!.
الغريب أنه قيل إن اللجنة العليا للانتخابات، والتي لم يسمع بها أحد طوال العملية الانتخابية، اعتمدت هذه النتيجة الغريبة والمضحكة، وأضفت عليها خاتمها، وتحمَّلت أمام الله ثم أمام الشعب والتاريخ عارها.
المضحك في الموضوع هو إجابة الفائز في الانتخابات لما سُئل عن هذه النتيجة؛ فقال: إن هذا الفوز جاء عن جدارة واستحقاق؛ نظرًا لإنجازات الحزب الوطني!! ولعل سيادته يرى أن حصول المواطن على رغيف الخبز بعد معارك يومية بالسكاكين وقنابل المولوتوف إنجازًا، واختفاء ألبان الأطفال الرضع إنجازًا، واحتكار الحديد والإسمنت وبقية السلع الإستراتيجية لصالح حيتان ومسئولي الحزب الوطني إنجازًا، وهروب ممدوح إسماعيل صاحب العبَّارة الغارقة وأحد قيادات الحزب الوطني والمعيَّن بمجلس الشورى ومحتكِر العبارات والموانئ المصرية الأوحد- بعد أن أغرق مئات المصريين- إنجازًا، ودخول الأغا المدرَج على قوائم الوصول دون اعتراض إنجازًا، وخروجه من البلاد وهو مدرَجٌ على قوائم المنع من السفر وأيضًا دون اعتراض بعد نهب المليارات من أموال الشعب، وكأن البلد سداح مداح، إنجازًا، وتخصيص آلاف الأفدنة بالمليارات وتسقيعها لصالح رجال أعمال الحزب الوطني إنجازًا، وملايين العاطلين من الشباب والفتيات إنجازًا، وملايين العوانس من فتيات مصر العفيفات إنجازًا، وتسريب الامتحانات وعقد اللجان الخاصة بالمستشفيات بل وفي البيوت لأبناء كبار المسئولين إنجازًا، بل قال عنه الوزير المسئول: إنه يتم منذ عشرين سنة!!.. وهذا التصريح الكارثة بالذات إنجازٌ في حد ذاته، لم يلتفت إليه أحد!.
لهذا كله وغيره الكثير والمثير تدافع الشعب من وجهة نظر اللجنة العليا للانتخابات وأَعْطَى 98.3% من أصواته لمرشح الحزب الوطني الديمقراطي!!.
وقد ذكرت صحيفة (الأهرام) وتحت عنوان: "فضائح الإخوان في الإسكندرية وكفر الشيخ"- وبقلم الصحفي المعجزة- ما نصه: كما كشفت النتيجة عن وعي الشعب لألاعيبهم، وكانت هناك اتصالاتٌ بين مكتب الإرشاد وأعضاء الجماعة "يا خبر أسود"، وتعليمات للثأر لابن الجماعة "مختار البيه" النائب الذي صدر ضده حكمٌ ببطلان الانتخابات وأُبطلت عضويته بالمجلس، وجاء بدلاً منه النائب حازم حمادي؛ الأمر الذي يؤكد عدم امتثالهم للقانون والقواعد المتبعة!! انتهى.. "لو حد فاهم حاجة يبعث لي".
وتغافل الصحفي المعجزة عن أن تقرير محكمة النقض ليس موجَّهًا لمختار البيه، ولكنه موجَّه لمجلس الشعب، ويُبطل العملية الانتخابية برمَّتها، ولم يقضِ بإعلان فوز أحد، وتصرف المجلس كان خطيرًا ومخالفًا للدستور والأعراف السياسية، ثم إن هناك عشرات التقارير التي تُبطِل الانتخابات لأعضاء بالحزب الوطني فلماذا لم تطبَّق؟ أم أن مكاييل الحزب كثيرة؟!
كل هذا وغيره الكثير يؤكد فساد الحكم بالبلاد، وأن هناك فئةً فاسدةً تستولي على إرادة الشعب، وتزوِّر إرادته لمصالحها الخاصة دون مراعاة لضمير أو خوف من الله أو احتراز ليومٍ آتٍ لا ريب فيه بإذن الله تعالى؛ تعاد فيه الحقوق لأصحابها ويأخذ كل ذي حق حقه.
بقيت كلمة لا بد منها، وهي أن الدكتور رجب البنا مرشح الإخوان بكفر الشيخ تم الإفراج عنه من المعتقل بقرارٍ من وزير الداخلية ليمارس حقَّه الدستوري في الانتخابات من المعتقل وليس من السجن، وفقًا لقانون الطوارئ الذي تعهَّدت الحكومة بعدم تطبيقه إلا على الإرهابيين وتجَّار المخدرات، أما الدكتور رجب فقد كان معتقلاً لمشاركته في انتخابات المحليات، والتي تم أيضًا تزويرها ضمن حزمة إنجازات الحزب الوطني الديمقراطي، وقد اعتقلوا المئات من أنصاره في أول جولة دعائية له بعد خروجه من المعتقل؛ أي أن الحكومة ضُبِطَت رسميًّا متلبِّسةً بما تُنكِرُه وبما تعهَّدت بعدم ممارسته واقترافه.
وفي النهاية أقول: أقسم بالله العظيم أن أحافظ مخلصًا على سلامة الوطن وعلى النظام الجمهوري، وأن أحمي مصالح الشعب، وأن أحترم الدستور والقانون.. هذا هو القسم الذي أقسمه رئيس الجمهورية والوزراء وأعضاء مجلس الشعب ورئيس وأعضاء اللجنة العليا للانتخابات وكثير من المسئولين، ويبدو أن هذا يمينٌ غموسٌ لمعظمهم، والعياذ بالله، إلا من رحم الله، أو أن مفهوم السلامة والنظام الجمهوري يختلف في مفاهيم البعض من المتنفذين عن الذي نفهمه، أو أن مصالح الشعب تعني مصالحهم هم فقط، أو أن لهم دستورًا وقوانين خاصة غير التي نعرفها جميعًا!.
إن استمرار نهب أصوات الشعب وتزوير إرادته أمرٌ لا يبشِّر بخير، ويأباه الله ورسوله والمؤمنون، ولهذا لن يطول الأمر كثيرًا إن شاء الله، ولله الأمر من قبل ومن بعد، ويومئذ يفرح المؤمنون.