في الحادي عشر من يوليو الجاري أحيا مسلمو البوسنة الذكرى الثالثة عشرة لمجزرة (سربرنيتشا) التي ارتكبها صرب البوسنة ضد مسلمي هذه المدينة.
وذهب ضحية هذه المجزرة ما لا يقل عن ثمانية آلاف شخص في بضعة أيام، بعد أن استولت القوات الصربية البوسنية على (سربرنيتشا) التي كانت آنذاك منطقةً إسلاميةً تحت حماية الأمم المتحدة. فبعد مضي 13 عامًا على إنشاء محكمة الجزاء الدولية ليوغسلافيا السابقة ومقرها لاهاي وتترأسها كارلا ديل بونتي، لا يزال البحث جاريًا عن المتهمَين الرئيسيين؛ وهما الزعيم السياسي السابق لصرب البوسنة (رادوفان كراديتش) والزعيم العسكري (راتكو ملاديتش).
وفي الرابع عشر من يوليو 2008 وبعد ثلاثة أيام فقط من إحياء هذه الذكرى يأتي إلينا قرار يطلب فيه مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية (لويس مورينو أوكامبو) إصدار مذكرة توقيف بحق الرئيس عمر البشير، بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور.
ما حدث في البوسنة والعراق وأفغانستان والصومال وما يحدث في السودان حاكمين ومحكومين يجعلنا نسأل:
هل حقًّا نحن نعيش عصر "القصعة"؟ هل غرقنا في وحل الغثاء والكثرة؟ هل فعلاً نعيش مناخ القطيع الذي يحرك الإنسان دون دراية أو إرادة؟
هل نعيش وتغيب عنا المقاصد والغايات وأصبحنا لا نملك بوصلة التوجه وقوة الاندفاع في الاتجاه الصحيح أم أن كل ما نفعله هو أننا نتقدم إلى الخلف؟
إن الإجابة على هذه الأسئلة يكمن فيها التشخيص الدقيق لحالة أمةٍ ضاعت هيبتها وتمزقت وحدتها وتفرقت قوتها، فيهود العالم لا يتجاوزون 30 مليونًا، ومع ذلك فهم يتحكمون ويحكمون ويسيطرون ويوجهون يقومون بدور الفاعل فينا، ولنا، ونقبع نحن في ركن الحياة نتوسل من يحمينا ويطعمنا ويسقينا.
لقد وقف بان كي مون، سكرتير الأمم المتحدة معلقًا على اتهامات (أوكامبو) بالقول "إن السلام والعدالة متلازمين، وإن أحدهما لا يُغنى عن الآخر، بل يقوى به". وهو قول صحيح في أساسه، ولكنه يعكس واقع ودور الأمم المتحدة نفسها، فحالات انتهاك حقوق الإنسان وجرائم الحرب موجودة ومعروفة وموثقة وتشاهد صباح مساء (في فلسطين المحتلة وأفغانستان والعراق، مذبحة قانا وجنين، في معسكر جوانتنامو، أو ما حدث في سجن أبو غريب)، إضافةً إلى العقوبات الشاملة والحصار الذي تتعرض له كوريا الشمالية وما سببه لها من مجاعات في السنوات الماضية، ومن قبل حصار كوبا لمدة تزيد على خمسين عامًا، ولم يسمع أحد أن الأمم المتحدة أو المحكمة الجنائية قد قالت مجرد كلمة واحدة لا عن السلام ولا عن العدالة.
المحكمة الجنائية الدولية لا تمتلك العودة إلى جرائم تم ارتكابها قبل يوليو 2002م، وذلك عندما دخل إعلان روما 1998 حيز التنفيذ؛ حيث أقر إنشاء هذه المحكمة من مائة دولة، ومن اللافت للنظر أن الولايات المتحدة الأمريكية ليست من الدول المُوقِّعة على المعاهدة، وكذلك الدول العربية بما فيها السودان، ويستثنى من ذلك الأردن وجيبوتي وجزر القمر.
هذه المحكمة الجنائية الدولية لديها السلطة للنظر في الجرائم التي تم ارتكابها على أراضي احتُلَّتْ من الدول التي وقَّعت على معاهدة إنشائها أو عندما يقوم مجلس الأمن بتحويل قضية ما إليها، وقد سبقت الإشارة إلى أن السودان من بين الدول التي لم توقع على هذه المعاهدة.
ولا يخفى على أحد الدور الأمريكي في الهيمنة على مجلس الأمن فغالبًا ما يحمل هذا المجلس البوصلة الأمريكية في توجيه قراراته فيتم التركيز على قضية بعينها وفي بلد بعينه وبمنظور غير منصف، يعني أن الأمر يتعلق بتسييس ما لا يجب تسييسه، وأمام تطورات كاشفة لخطط بعيدة المدى، تطبق عبر أدوات وآليات مختلفة، قد يكون هدفها الرئيسي تفتيت السودان وإعادة تشكيل منطقة وسط أفريقيا والقرن الإفريقي بما يخدم إستراتيجيات قوى عظمى، في مقدمتها الولايات المتحدة.
ومن أهم القضايا التي تنظرها هذه المحكمة قضية (توماس لوبانجا) قائد إحدى الميليشيات في جمهورية الكونغو الديمقراطية الذي اتهم بارتكاب جرائم حرب تتعلق باستخدام الأطفال في حروب الكونغو الأهلية، وكذلك ملاحقة حركة التمرد الأوغندية (جيش الرب)، والتهمة الموجهة إليه هي اختطاف الأطفال وإجبارهم على قتل آبائهم.
لماذا تقوم المحكمة الدولية بملاحقة المتمردين في أوغندا وتترك النظام الحاكم، بينما في السودان تحاكم النظام الحاكم وتترك المتمردين، الرسالة الأخطر في اتهامات (دي كامبو) أنها خلت من إشارةٍ سلبيةٍ واحدة لما يقوم به المتمردون أنفسهم، سواء في حق أهل دارفور أو في حق موارد الإقليم، أو في مواجهة عدد من مؤسسات الإغاثة الإنسانية التي كانت تسلب مواردها وتهاجم قوافلها من قبل حركات التمرد. مما تكون نتيجته:
أولاً: تحوُّل المتمردين والمغامرين والأفَّاقين والساعين إلى أحضان القوى الكبرى، وعلى رأسها واشنطن، إلى سادة الموقف في بلدانهم رغمًا عن أنوف شعوبهم، وليذهب بعدها استقرار وتنمية إفريقيا إلى الجحيم، وليجوع العرب الذين تحركوا أخيرًا لكي يجعلوا من السودان سلة غلال لهم وللآخرين في وقتٍ يعز فيه القمح الغربي والأمريكي على مَن يريده.
ثانيًا: اعتبار هذا القرار دعوةً للمستضعفين القائمين على أمور العباد والبلاد من الحكام والمفترض مواجهة التمرد باعتباره واجبًا دستوريًّا لا مفر منه قد يرون أن تلك المواجهات قد تحمل لهم اتهامات جنائية دولية ومحاكمات تلويث السمعة والنتيجة المؤكدة فوضى مهلكة.
إن ما نفهمه من خلال عرض الموضوع بهذا الشكل أننا أمام قضية تسييس جهاز قضائي دولي لأغراض لا علاقة لها بأصل القضية، ناهيك عما هو معروف من سياسة الكيل بعشرة مكاييل إذا تعلَّق الأمر ببلدٍ عربيٍّ أو إسلامي.
نحن مع العدالة، ولكن من أين تأتي العدالة؟ هل تأتي العدالة ممن وجهوا تهمة الدمار الشامل للعراق فدمروا العراق أرضًا وشعبًا وأعدموا صدام حسين، ولم يخرج علينا أحد إلى الآن بجرثومة دمار واحدة؟.
هل يأتي العدل ممن أسسوا وأقاموا سجن أبو غريب ومعتقل (جوانتنامو)؟
هل العدالة هي ما يجري في العراق وأفغانستان وفلسطين؟
جميع مؤسسات الأمم المتحدة هي أذرع للولايات المتحدة الأمريكية تستخدمها لتحقيق مصالحها السياسية والاقتصادية الاستعمارية على مستوى العالم.
للأسف جاء قرار المحكمة بعد تقرير (هيومان رايتس ووتش) بعد أيام قليلة من مظاهرات انطلقت من ثلاثين دولةً حول العالم بمناسبة يوم دارفور، بهدف الضغط على المجتمع الدولي لإحلال السلام في دارفور.
انفعلت (هيومان رايتس ووتش) مع هذه المظاهرات. منذ متى والمظاهرات تحرك ساكنًا في (هيومان رايتس ووتش)؟! لماذا لم تحركها مظاهرات يوم القدس ويوم الشهيد الفلسطيني؟ لماذا لم تحركها مظاهرات الغضب في العالم كله لما حدث في العراق؟ لماذا لم تحركها مظاهرات الملايين ضد الرسوم المسيئة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم؟.
إن عريضة المحكمة بشأن الرئيس السوداني عمر البشير تجعلنا نقول وبكل قوةٍ لكل زعمائنا: إن الشعوب هي الرصيد الحقيقي لأي زعيم، حين تقوى علاقة الشعب بالحاكم لن تستطيع أية قوى أن تزحزحه، والدليل على ذلك ما حدث مع الرئيس (شافيز) في فنزويلا.
إننا رغم كل ما نملكه وما نعيشه من تحفظاتٍ حول كل القادة العرب إلا أننا كشعبٍ نعتبر أن كرامتهم من كرامتنا، وعزتهم من عزتنا، وكبرياءهم من كبريائنا، فهل هم معتبرون أن كرامتنا وعزتنا وكبرياءنا من كرامتهم وعزتهم وكبريائهم؟!
إن ما حدث لصدام حسين في العراق وما يُخطط له مع البشير في السودان أو الأسد في سوريا أو ما يحاك لإيران في الخفاء يجعلنا نتوجه بدعوةٍ لكل رؤسائنا من خلال الحديث الذي رواه سيدنا علي- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم، ألا لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده" (رواه أبو داود والنسائي، ورواه ابن ماجة عن ابن عباس).
إن المدقق للنظر يلحظ أننا فعلاً نعيش عصر القصعة، فالمسلمون في الشرق والغرب يغرقون إغراقًا في النوم ويسبحون سبحًا في الكسل والفشل، ويدمنون الغفلة والبلاهة، وينغمسون في الملذات والشهوات، وينشطون في التقاطع والتخاذل والاختلاف والتنازع، لا ينتقلون من سيئ إلا إلى أسوأ، ولا يخلصون من هوةٍ إلا إلى أسفل منها.
إن قام فيهم أحد أقعدوه، وإن مشى حيهم إلى الأمام عقروه، وإن صاح فيهم صيحة الحق ألجموه، وإن تكرم عليهم أبخلوه، وإن تشجع على إصلاح لهم أجبنوه، وإن أخلص لهم في القول أو صدق في العمل أفسدوا نيته وأساءوا الظن به، وهكذا دأبهم وديدنهم إزاء أعدائهم وأصدقائهم هل يمكن أن تقبل دعوة للانفلات من عصر القصعة الذي حدثنا عنه الصادق الذي لا ينطق عن الهوى فقال صلى الله عليه وسلم: "ستتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها فقالوا: أو من قلة نحن يومئذٍ يا رسول الله؟ قال لا ولكنكم غثاء كغثاء السيل".
صدق رسول الله. وهذا والله ما نراه اليوم في حال أمتنا الإسلامية المتفرقة، وبالتأكيد لا بد للسبب أن يكون له مسبب، هل حان الوقت لأن ندقق النظر في قوله- صلى الله عليه وسلم-: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (مسلم، البخاري) وقوله: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" (مسلم) وأن نعمل جاهدين في تحقيق قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: من الآية 10).