قال لي صاحبي وهو يحاورني: ألم أقل لكم قُبيل الانتخابات التكميلية بالإسكندرية وكفر الشيخ: يرتكب الإخوان خطأً فادحًا إذا رضوا بالترشيح في هذه الانتخابات؟!، وها نحن أولاء نرى النتيجة المتوقعة.. رسوبًا فادحًا.

 

- بالتزوير.

- نعم.. والجميع يعلمون أن التزوير هو الآلية المثلى, بل الآلية الوحيدة للوصول إلى المجالس النيابية.

 

قلت: الإخوان يعلمون هذه الحقيقة، والإخوان لم يرسبوا، بل الحكومة المباركية المحتضرة هي التي رسبت، آسف، أعني ازدادت رسوبًا، حتى هبطت إلى أعماقٍ ما لها من قرار.

 

صحيحٌ زاد نواب الحكومة ثلاثة نواب في مجلس الشعب، ولكنهم انضموا إلى أصفار سابقة ليس أمامها ولا خلفها واحد صحيح؛ لأنهم جميعًا مسيَّرون لا مخيَّرون، أو على حد قول هاشم الرفاعي مخاطبًا الزعيم الأكبر:

إنا لنعلم أنهم قد جُمِّعوا              ليصفقوا إن شئتَ أن تتكلما

 

***

وتصرخ الدلالات بعد عمليات التزوير في وجوه الكبار جدًّا.. وأهمها:

1- الدلالة الأولى: إيمان هؤلاء القادة بأن شعبنا ناقص الأهلية، أو عديم الأهلية، ومن ثم يعتبر غير جدير بالديمقراطية؛ لأنه لا يحسن استعمالها، وهو قول ينسب لرئيس الوزراء, وعليه الرجل القانوني الفحل الدكتور/ مفيد شهاب الذي قال صراحةً: "إنني لا أستطيع أن أعيش شهرًا واحدًا بلا قانون طوارئ".

 

2- الدلالة الثانية: أن النظام القائم يؤمن إيمانًا حديديًّا بأن الغاية تبرر الوسيلة؛ فما يراه حلالاً فهو حلال، وما يراه حرامًا فهو حرام، ولا مانع عند رجاله من استخدام أبعد الوسائل عن الحد الأدنى من الخلق والرجولة والإنسانية.

 

والمواطنون جميعًا يعرفون، بل رأوا مظاهر التزوير الفادحة في كل الانتخابات السابقة، وقد ارتبطت بالقتل والاعتقال وتخريب البيوت.

 

ويقطع بذلك الوقعة البشعة الآتية؛ أنقلها من مصادرها بنصها دون تزيد:

"ابتكرت أجهزة الأمن المصرية أسلوبًا جديدًا هو الأول من نوعه على مستوى العالم لتفويت الفرصة على مرشحين ليسوا على هواها للحيلولة دون تقديمهم أوراقهم في انتخابات الشورى التي ستُجرى الشهر القادم.

 

ضباط أمن الدولة ومديرية الأمن بمحافظة البحيرة وضعوا (أقراصًا منوِّمة) في كوب شاي قدموه كواجب ضيافة للمحامي عصام حمبوطة الذي ذهب يوم الخميس 7/5/2007م لتقديم أوراق ترشيح الأستاذ/ طارق حشاد كمرشحٍ لجماعة الإخوان المسلمين عن دائرة دمنهور لمجلس الشورى، وشرب الشاي, وذهب على أثره في غيبوبة, وفقد وعيه لعدة ساعات حتى انتهى وقت الترشيح في هذا اليوم.. ثم اقتادوه خارج المديرية بعد ذلك وهو يترنح من أثر المنوِّم الذي دسته أجهزة الأمن له!!

 

الأستاذ "عصام حمبوطة " توجه إلى طبيبٍ أجرى له العديدَ من التحاليل الطبية التي أكدت تلقيه عقارًا يؤثر على توازنه الجسمي والنفسي لمدة 48 ساعة، ومنحه تقريرًا طبيًا وتحليلات للدم تثبت ذلك.

 

النائب د. أحمد أبو بركة عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين عن دائرة كوم حمادة علَّق على الوقعة التي حدثت بأنها أحد أنماط إرهاب الدولة والبلطجة السياسية التي مورست بشكلٍ مبتكر؛ مارس فيه السادة الضباط دورَ خفافيش الأوكار والبؤر الإجرامية بأن قاموا بإعطاء وكيل المرشح بلا أخلاق ولا مراعاة لإنسانيته عقارًا مؤثرًا على التركيز العصبي والنفسي؛ مما أفقده وعيه لمدة يومين كاملين، وقد أثبتت التحاليل الطبية ذلك.

 

وقال أبو بركة: إن الأستاذ عصام لم يتخيل أبدًا أن تصل الخيانة السياسية إلى هذا الحد، وأن تلجأ الأجهزة الأمنية إلى هذه الأساليب القذرة، واصفًا ما حدث بأنه جريمة ارتُكبت في حق كل مصري، وطالب أبو بركة النائبَ العام بالتحقيق في الوقعة".

 

3- والدلالة الثالثة أنهم يصرون إصرارًا راسخًا بألا يشاركهم أحد غير نشامى الحزب الوطني في التعامل في شئون الوطن، وخصوصًا أعضاء المحظورة؛ فهؤلاء الكبار جدًّا يتعاملون مع مصر كأنها تكية، أو فطيرة عسلية يحرصون على التهامها دون أن يتركوا للآخرين حتى الفتات.

 

4- والدلالة الرابعة أن النظام القائم لا يخاف إلا من "المحظورة" وأعضاء "المحظورة"؛ أي جماعة الإخوان المسلمين؛ لأنه يدرك حقيقتين؛ هما:

أ‌- أن الإخوان لهم حضور قوي في الشارع المصري, ولهم وجود فعلي وسط المثقفين وخصوصًا النقابات.

 

ب‌- زيادة رصيد النظام الحاكم والحزب الوطني من كراهية الشعب، بعد أن تفاقمت المشكلات وساءت الأحوال المعيشية.

 

5- والدلالة الخامسة: قدرة النظام الحاكم على الاستفادة من تجاربه السابقة في التزوير إلى أن أجرى بروفةً أخيرةً لمنع الإخوان من عضوية مجلس الشعب مستقبلاً، ويمكن أن نُطلق على أهم ملمح فيها "التزوير من المنبع"، أي منع أنصار الإخوان من الإدلاء بأصواتهم؛ فلا يسمح بدخول اللجان إلا لمن يحمل بطاقة سرية خاصة من الحزب الوطني، ومن ثم لا يستطيع أحد أن يطعن بالتزوير في عدد البطاقات التي ضمتها الصناديق.

 

والهدف- كما قلت- هو حرمان أي عضو من أعضاء "المحظورة" من عضوية أيٍّ من المجلسين: مجلس الشعب، ومجلس الشورى.

 

ونقول لهؤلاء: إن هذه التصرفات الخرقاء تُعجِّل بنهاية نظام الحكم القائم، وكل جديد منها مهما كان مبتكرًا لا يزيد على كونه "مسامير" تدق في نعش الميت.

 

***

ونكتفي من الدلالات بما ذكرنا, ومن السهل الوصول إلى ما خفي منها، ولكننا في النهاية نقول "للقادة الأسياد الكبار جدًّا": يا سادة.. هلاًّ تأملتهم قول الشاعر القديم:

اليومَ عندك دَلها وحديثها                  غدًا لغيرك كفها والمعصمُ

 

وأهم من ذلك أن نذكركم بسياسية فرعون، وسلوكه العملي؛ فقد ﴿عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْييِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ﴾ (القصص: من الآية 4).

 

وهلاًّ ذكرتم- يا سادة- قول فرعون مباهيًا في كبرياء وغرور ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ (القصص: من الآية 38).

 

وهلاًّ ذكرتم قوله ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ (الزخرف: من الآية 51).

 

وهلاَّ ذكرتم نتيجة هذه الديكتاتورية الفادحة.. لقد جاءت مكثفة في كلمات معدودة تمثل حكم الله في قوله ﴿فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾ (الإسراء: من الآية 103).

 

أم سأجدني- يا سادة- مضطرًا إلى التمثل بقول الشاعر:

لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيًّا           ولكن لا حياة لمَن تنــادي

ونار لو نفخت بها أضاءت          ولكن ضاع نفخك في الرماد

--------
*
komeha@menanet.net