يحار المتتبع للشأن الفلسطيني في تتبع الكم الهائل من التصريحات والبيانات والممارسات والأفعال التي تقوم بها عصابة المقاطعة السوداء في رام الله المحتلة، وحجم التناقض والتضارب الذي يصل حدَّ المرض والهَوَس بين رموزها البالية، ولا يتفوق عليها إلا ممارسات الاحتلال الإجرامية، والتي تكمل أدوارهم فيها بعضهم البعض، بشكل بات علنيًّا بعد أن كان من تحت الطاولة، دون خجل أو مواربة.

 

(1)

البروفيسور عبد الستار قاسم خرج عن المعتاد والمألوف، واستخدم أقسى العبارات وأقذعها، وكان قويًّا عنيفًا غاضبًا في كل حرف كتبه تحت عنوان "سفالة الإسرائيليين فوق المنافسة"، وهو ما يجب الوقوف عنده، فهذا العنف هو نتيجة طبيعية وحتمية لما يحدث في نابلس من تدمير يومي مبرمج فاق كل تصور، ومحاربة للناس في أرزاقهم، ليس فقط بقطع رواتبهم وملاحقتهم من قبل أذناب الاحتلال، لكن أيضًا من خلال إغلاق المؤسسات التي يعيش منها الآلاف، ومصادرة الممتلكات والملاحقات وغيرها من ممارسات الاحتلال، كل ذلك وسط تجاهل وتعتيم إعلامي تام، داخلي وخارجي، وفي غياب أي تعليق رسمي من قبل عصابة المقاطعة، اللهم إلا تكرار أن ما يجري لا يخدم "العملية السلمية"، أو في أفضل الأحوال الاحتجاج لدى الإدارة الأمريكية، لكن كل ذلك لا يمنع من الاستمرار في المفاوضات والتفاوض، حرصًا على راحة وأمن المحتل، ولا بأس من المساعدة في تحقيق مشروعه التدميري من خلال المساهمة في فرض إرادته، كحراسة مول نابلس مثلاً من قبل مرتزقة الطيراوي تنفيذًا لقرار المنع الذي أصدره الاحتلال، فلا عجب أن يخرج قاسم عن المألوف أمام جرائم الاحتلال وأذنابه.

 

(2)

وما دمنا نتحدث عن تبادل الأدوار في ظل التنسيق المتبادل بين أصحاب الرؤية الواحدة، ورغم تباكي البعض على عدم إدخال أسلحة لقوات "الأمن" الفلسطينية في الضفة الغربية، واحتجاج محافظ نابلس ودرسه الذكي جدًّا في الجغرافيا على برنامج بانوراما فلسطينية على قناة "الحوار" يوم الجمعة 11/7/2008، على عدم وجود حدود برية للضفة لتهريب السلاح- وكأن الضفة الغربية معلقة في الهواء- رغم تأكيدهم أن الأسلحة ليست لمواجهة الاحتلال كما سبق وصرّح مستوزرهم على الداخلية، تقوم قوات القمع العباسية الطيراوية باستكمال دور المحتل فما إن ينتهي الاحتلال حتى يبدءوا هم، من اعتقالات تطال الجميع ومنهم زوج النائب في التشريعي سميرة الحلايقة للضغط عليها، وعزل قيادات بلدية انتخبها الشعب كما فعلوا مع رئيس بلدية بيت أمر المنتخب فرحان موسى علقم، أو التبليغ عن من يطلق سراحهم حتى يتصيدهم الاحتلال كما حدث مع محمود عمارنة من كتائب الأقصى المحتجز لدى أجهزة أوسلو القمعية منذ ثمانية أشهر، وبعد كل هذا التنسيق يتباكون على حظهم وضعف إمكاناتهم، لتصلهم الأسلحة القمعية وبشكل رسمي مدفوع الثمن من قبل الاحتلال وعبر المطارات والموانئ الرسمية، والتي كان آخرها تسلم قوات الأمن "الوطني" الفلسطيني، وكدعم من الولايات المتحدة الأمريكية (145) سيارة رباعية الدفع من نوع فورد بعد تدريب المئات وهذه السيارات موجودة حاليًا في محافظة أريحا في معسكر (مصنع الرجال)!.

 

(3)

مع التباكي يأتي التمسك بالمفاوضات كخيار إستراتيجي وحيد لا حياد ولا بديل عنه، ومع تمسكهم تتوالى الصفعات من قبل الاحتلال، من تصريحات مهينة من أعلى المستويات، واستهزاء بدورهم كما فعل بيريز حمامة سلام الاحتلال (..) عندما شكك في شرعية عبّاس وقدرته، أو من خلال تصريحات أولمرت وليفني، إلى الفعل على الأرض: بناء وحدات سكنية جديدة في القدس تضاف لعشرات آلاف الوحدات منذ فتح أنابوليس الأوسلوي العظيم، اقتحامات متكررة للمدن الفلسطينية في الضفة، وقف تحويل الأموال ولجوء فياض للاقتراض من المصارف التي سبق ورفضت إقراض الحكومة العاشرة، اقتحام مستشفى رام الله والعربدة فيه وهو على مرمى حجر من المنطقة السوداء في رام الله وتحت أنوف عبّاس وفياض وأجهزتهم القمعية، لكنهم صامدون كالجبال لا يترددون في تقبيل وعناق ومحاضنة شركاء الصفعات على وجوههم الكالحة، ويا جبل ما يهزك ريح كما كان يقول كبيرهم الراحل.

 

(4)

وللتغطية على الصفعات والإهانات، وللظهور بمظهر الحريص، تذكروا فجأة المقاومة التي كانت بنظرهم تجارة خاسرة وعبثية وسخيفة وكرتونية وضارة وكارثية، وباتوا فجأة الأحرص على الصواريخ التي أصدر كبيرهم أوامره بقتل كل من يطلقها وتابعناه بالصوت والصورة وهو يعلن ذلك متباهيًا مزهوًا، وذهب ناعقهم الغر لأبعد من ذلك حين مارس الإسقاط النفسي ووصف ما فيهم وأسقطه على غيرهم بقوله "طريقة لحدية"، أتذكرون يوم وصفتهم باللحديين فأقاموا الدنيا ولم يقعدوها، كان ذلك بتاريخ 24/1/2005 وتحت عنوان "مقارنات أيهما أكثر انطباقًا"، أي بعد تسلم عبّاس دوره الجديد، أتذكرون يوم قلت "لحديون وأكثر" بتاريخ 2/2/2005، اللحديون اليوم يتهمون غيرهم بـ"اللحدية"، سبحان الله، بل يزايدون على المقاومة، وبقدرة قادر باتت الصواريخ التي لا تحمل رءوسًا متفجرة لتسقط في المناطق الفارغة على بعد أمتار قليلة من حدود قطاع غزة لا عبثية، ربما هي كيماوية كما وصفها "أبو عدي"، الذي تخلت عنه قيادته ووصفه أحمد عبد الرحمن بالمرتبط مع جهات خارجية مشبوهة ليقول في بيان بتاريخ 11/11/2007 وبالحرف "إن قيام بعض الجهات بإصدار بيانات باسم كتائب الأقصى وتحميلها مسئولية إطلاق الصواريخ، لا يمت إلى الحقيقة والواقع بصلة، فكتائب الأقصى في الضفة والقطاع تم دمجها رسميًّا في الأجهزة الأمنية منذ العام الماضي بقرار من الرئيس محمود عباس، وأية بيانات تصدر باسم كتائب الأقصى هي بيانات مزورة ومدسوسة على حركة فتح وتقف وراءها جهات مشبوهة"، ليس وحده بل كل من يمت بصلة لكتائب شهداء الأقصى، التي أعلن هو ورئيسه أنها حلّت منذ عامين ودمجت بالأجهزة الأمنية، وهو ما أكده حكم بلعاوي في بيان رسمي باسم اللجنة المركزية لفتح قبله بأيام، وسبق أن أعلن في 16/11/2006 أن شهداء الأقصى لا تمت لفتح بصلة!، لكن ناعقيهم خرجوا ليمجدوا بطولات "المشبوهين" ويدينوا اعتقال الأبطال "المرتبطين خارجيًّا"، واحترنا هل هم مع المقاومة وهناك مسمى لكتائب شهداء الأقصى؟ والحقيقة أن حسم الأمر سهل وهو أن يعلن عبّاس أن كتائب شهداء الأقصى تابعة لحركة فتح وأنه يؤيد المقاومة، أو ليخرسوا جميعًا!

 

(5)

ومع التمسك بخيار المفاوضات رغم الصفعات، ومع وجود الأعذار اللا متناهية للاجتماع بجزاري شعبنا، ومع الاستكانة والمهانة مع الأعداء والخضوع لهم، يستأسد رموز محمية المقاطعة في وجه أبناء شعبهم، يعلنون الحوار في لحظات، ويتراجعون عنه، يسقطون شرطًا ولو نظريًّا ليضعوا شروطًا، لا تتجاوز دعوتهم حناجرهم، ثم يطالبون غيرهم بالتعاطي معها!، ثم يكتشفون أنهم مهزومون حتى في حواراتهم، فيبدءون من جديد حملاتهم الإعلامية الحاقدة، بل يذهب كوهينهم الأكبر ليمارس هوايته المفضلة "الولدنة السياسية"، كيف لا وهو من كان يقرر الحرد في منزله إن أزعجه الراحل عرفات، أو يلوح بالاستقالة إن لم تنفذ رغباته، أو يرفض لقاء قيادات تخالفه "عقابًا" لها، وهو ما فعله في زيارة سابقة لقطاع غزة إبان الحكومة العاشرة عندما رفض لقاء إسماعيل هنية، وكرره قبل أيام في دمشق برفضه لقاء مشعل، بالله عليكم يا من رزقكم الله سبحانه وتعالى بالبناء ألا يذكركم هذا السبعيني بصبيانكم حين يحردون؟ ثم يقول إنه رئيس شرعي منتخب، لا حول ولا قوة إلا بالله، هل قدر شعبنا أن يتعامل إما بعقلية جمهورية الفاكهاني وغابة البنادق، أو غابات الفساد والإفساد، أو عقليات الولدنة السياسية؟ والغريب أنه يعتقد أنه يعاقب غيره بمنعه من اللقاء ومن طلته البهية، ابقَ يا عباس متمنعًا معاندًا، ولن تجد بديلاً للحوار إلا الحوار، لكن كلما تأخرت أتيت مضطرًا صاغرًا.

 

(6)

منذ انطلاق دعوة الحوار الصوتية العباسية، خرج التوتيريون من جحورهم لممارسة دورهم الوحيد الذي يجيدونه، حكم بلعاوي صرّح في 10/7/2008 وباسم اللجنة المركزية تصريحًا وحدويًّا ملتزمًا بقرار رئيسه وقف الحملات الإعلامية ليقول: "تأبى رموز حماس ورؤوس الفتنة الناعقة فيها على الدوام بالخراب والتخريب والشؤم إلا أن تواصل عبثيتها المدمرة سواء بالأفعال أو التصريحات أو التلميحات، وخاصة ضد الرئيس محمود عباس أبو مازن وضد حركة فتح من جهة أخرى، وذلك بالانطلاق من قاعدة ومنطق مستفحل مرضًا مفاده أن لا صحة ولا مصداقية ولا شرعية إلا لما تقوله أو تفعله أو يتطابق ومصلحتها وحماية مشروع إمارتها الانفصالية في غزة حتى ولو كان ذلك على حساب أرواح وجماجم أبناء الشعب الفلسطيني والمشروع الوطني برمته.

 

أما غر إعلامهم الذي أصبح فجأةً حامي حمى المقاومة التي كانت بنظره تجارة خاسرة، والذي طرد شر طردة من لقاء عام في ألمانيا قبل أسابيع، ليقول قبل أيام ضمن الحملات التوفيقية العباسية: "إن التزام حماس بالتهدئة هو بموجب اتفاق مع إسرائيل لإدامة حكمها في غزة بمقابل إسقاط أي مطالب وطنية تتجاوز حدود القطاع المحتل"، معبرًا عما أسماه "الاشمئزاز العابر للفصائل" من "إطلاق حماس النار على ظهور المقاومين في لحظة إطلاق النار على صدورهم من جانب إسرائيل"، متناسيًا هذا المتحذلق أن التهدئة تمت بموافقة جميع الفصائل المقاومة، التي ليس من ضمنها بالتأكيد من يمثلهم، وهو ما أقره شخصيًّا بتاريخ 7/7/2008 وبالحرف في تصريحات صحفية له قال فيها: "إنه لا مصلحة حركية لفتح في التهدئة!".

 

طبعًا لم يفت باقي الجوقة مهرجان التوتير خاصة نبيل عمرو ممثل عبّاس في مصر، وياسر عبد ربه ممثل عبّاس في لجنته التنفيذية، ومن الصعب هنا حصر ما صرحوا به وقالوه، فشغلهم الشاغل هو توتير الأجواء وبث الفتنة، ومحاولة تقويض أي تقارب بين الأطراف.

 

(7)

منظمة التحرير الفلسطينية التي عيّن عبّاس أمينًا لسرها اسمه ياسر عبد ربه، باتت فزاعتهم التي يلوحون بها في كل محطات تنازلاتهم، باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، ونقول بكل وضوح ودون مواربة "منظمة التحرير الفلسطينية بشكلها الحالي وبشخوصها ومؤسساتها الميتة لا تمثل أحدًا من الشعب الفلسطيني"، ناهيك عن انتهاء صلاحية مؤسساتها وفقدانها النصاب والشرعية ومنذ سنوات، حتى في وجود شهود الزور من الفصائل الأخرى التي تعارض الاتفاقات التي وقعتها المنظمة، لكنها تعترف بها وتشارك في اجتماعاتها وأصبح أعضاء مكاتبها السياسية "ياور" لعباس في حله وترحاله.

 

لنتذكر أن المنظمة اليوم دون ميثاق بعد إلغاء 12 مادة وتعديل 16 من أصل 33، وأنها بدون لجنة تنفيذية شرعية بعد أن غيّب الموت والاستقالات والامتناعات أكثر من ثلث أعضائها، خاصةً بعد رحيل إميل جرجوعي قبل أسابيع، وهو ما يفقدها نصابها وشرعيتها بحسب المادة 14 المعدلة في نظامها الداخلي، وأنه لا يعرف عدد أعضاء المجلس الوطني (400 بحسب الزعنون و800 بحسب نائبه قبعة و750 بحسب الخبير عبد الله الحوراني)، وبأن الصندوق القومي أصبح غير موجود وتحول لبند في ميزانية فياض، وبالتالي فإن شرعيتها وتمثيلها هي فقط في خيالات ومنامات من يسرقونها، ومن يريدونها مفاوضًا رئيسيًّا في حوار وطني، دون أن تمثل حتى شخوصها، وبدون إعادة بناء من الأساس وتأهيل من الجذور ستبقى منظمة تمرير وتآمر وتخاذل.

 

(8)

فقدان الشرعية والتمثيل ليس فقط لمنظمة التحرير الفلسطينية، لكنه أيضًا لرئيسها المزعوم عبّاس، والذي يحاول بكل جهد استكمال انقلابه على خيار الشعب الفلسطيني بعد تعطيل النظام الأساسي وتنصيب حكومة غير شرعية وتحوله لديكتاتور مجهري صغير لا يملك قرار نفسه، يحاول التمديد لنفسه إلى ما لا نهاية، عبر ربط فترته بفترة التشريعي وانتخاباته القادمة، والتي لن تجري في ظل الانقسام الحاصل وتعنت عصابة رام الله أمام بدء الحوار الفلسطيني- الفلسطيني، ويستند إلى ذلك ومعه زبانيته وبحسب "فتوى" قانونية من عبد الكريم أبو صلاح رئيس ديوان الفتوى المعين من قبل عبّاس شخصيًّا وبتاريخ 28/6/2008، وبحسب غر إعلامهم ووسائل التوضيحية على الشاشات لمن هم في مستواه المتواضع جدًّا في الفهم والاستيعاب، والمستندة لثلاثة أساسات باطلة تمامًا هي وبحسب ما وثقه الكاتب عصام شاور:
- القانون الأساسي المعدل لعام 2003 والذي يحدد ولاية التشريعي بأربع سنوات تبدأ بعد انتخابه، دون تحديد ولاية الرئيس حسب رأيهم. لكن أصحاب الفتاوى نسوا أن قانون رقم 4 لعام 2004 والذي أصدره روحي فتوح الرئيس المؤقت للسلطة في 1/12/2004 حدد ولاية رئيس السلطة في المادة 3 بند 1 لتكون "ولاية الرئيس المنتخب 4 سنوات تبدأ من تاريخ إعلان النتائج النهائية".

 

- ضرورة تزامن الانتخابات التشريعية والرئاسية المقبلة بحسب المادة 116 من القانون رقم 1 لعام 2007، وهو الذي لم يصادق عليه المجلس التشريعي ويعتبر باطلاً ولاغيًا.
- الاعتماد على القانون رقم 9 لعام 2005 بشأن الانتخابات واعتبار فترة عبّاس فترة تكميلية، ومع عدم قدرة المفتين على حساب الأيام والتي هي أكثر من سنة على أية حال، إلا أن القرار المذكور والذي يعتبر أساس فتاواهم للتمديد قام محمود عبّاس بنفسه بإلغائه بالقانون رقم 1 لسنة 2007 بشأن الانتخابات، المادة 119 "الإلغاءات" البند 1 منها ينص على "يلغى القانون رقم 9 لسنة 2005 بشأن الانتخابات"، فكيف سيعتمد ديوان الرئيس على ما ألغاه الرئيس بنفسه لإثبات ولايته؟، أليس هذا مدعاة للعجب؟.

 

باختصار شديد سنقول لعبّاس وبغض النظر عن شرعيته اليوم من عدمها وفي شهر كانون الثاني/ يناير المقبل: باي باي.

 

(9)

مجزرة جديدة شهدتها حركة فتح التي يتآمر عليها من يختطفها ويحرفها عن مسارها وتاريخها، خلاب انتخابات الشبيبة الفتحاوية في قطاع غزة، بعد البيانات والبيانات المضادة من قبل ما اصطلح على تسميته تيار دحلان وتيار حلس، وسط "شرشحة" متبادلة واتهامات بالزندقة والعمالة، وهتافات لمقبورين وهاربين، وتنصيب لجنة جديدة أريد لها أن تمر بالقوة، مما استدعى تشكيل لجنة تحقيق داخلية، تذكر باللجان السابقة خلال الانتخابات التمهيدية (البرايمرز) أواخر عام 2005 والتي ما زالت حتى اللحظة تنتظر اجتماعها الأول!

 

رغم السماح بإجراء تلك الانتخابات، والسماح بالتجمع وحرية الرأي، والندوات المفتوحة والمنقولة على الهواء مباشرة، والتي يكيل فيها المشاركون الشتائم لقيادات قطاع غزة، لتشهد كلماتهم وتهجماتهم على أجواء حرية الرأي الممنوحة لهم، لا يتوانى البعض خاصة من الهاربين الذين ضاقت بهم الضفة ومصر ذرعًا، لا يتوانون عن توجيه التهم والادعاءات بالقمع والكبت، بل أصدروا قائمةً بأسماء معتقلين لهم في سجون غزة، كنت حتى اللحظة أسمع أنهم بالآلاف، لأكتشف أن القائمة وبعد "مطها" و"تمغيطها" احتوت على 49 اسمًا، وبالتأكيد فإننا ضد اعتقال شخص واحد، لكن أن يكون هؤلاء مسجونين على خلفيات جنائية ليصبحوا أبطالاً وقيادات فإنها مهزلة المهازل، وبعد أن كانت الأعداد التي يذكرونها بالآلاف اختصرت إلى أقل من 50 جنائيًّا لا دخل لانتمائهم التنظيمي بتوقيفهم وسجنهم، مع تأكيد وزارة الداخلية أنه لا مانع من زيارة وفحص ملفاتهم من أية جهة كانت، فهل يا ترى سيطبق ذات المبدأ على مئات المعتقلين في أقبية القمع في الضفة الغربية؟!

 

(10)

أخيراً.. أخيرًا تذكروا فجأة، كعادتهم، أن هناك شهيدة اسمها دلال المغربي، وأن هناك المئات من الشهداء غيرها ما زالوا أرقامًا في مقابر الاحتلال، تذكروهم بعد أن شملهم حزب الله بصفقته لتبادل الأسرى، تذكروها وتذكروهم بعد أن تناسوهم وفشلوا في فتح ملفاتهم مع أحبابهم شركاء السلام، فلا عرفات ولا وريثه استطاعوا حتى الحديث في موضوعهم، لكنهم مع ذلك يتغنون بملفات الأسرى والذين زاد عددهم في ظل عبّاس وبعد انتخابه في شهر كانون الثاني/ يناير 2005 من 5500 أسير إلى 10 آلاف أسير، هذا قبل الانتخابات التشريعية وفوز حماس التي يحملونها ذنب زيادة أعداد الأسرى، علمًا بأن معظم الأسرى "الجدد" هم من الضفة الغربية التي تخضع- ولو اسمًا- لسلطة عبّاس.

 

تذكروا الشهيدة دلال المغربي ووصيتها أن تدفن في فلسطين، شكلوا لجان احتفالات لاستقبال جثمانها بعد 30 سنةً، والأهم أنهم تقدموا بطلب "رسمي" لقاتلها باراك للسماح بدفنها في الضفة، يا حزركم ماذا كان رده؟ صفعة جديدة على وجوههم التعسة برفضه طلبهم، وهل توقعتم غير ذلك بعد أن تحول كبير كهنتهم إلى سمسار وعرّاب ووكيل الاحتلال ليقوم بدور التعريف لباراك على قيادات المنطقة؟

 

الأغرب أن فشلهم في استرجاع جثامين الشهداء، وجد عندهم ما يبرره ليصرح إبراهيم أبو النجا مفوض عام الإعلام والتعبئة الفكرية بحركة "فتح" خلال احتفال يوم الثلاثاء 8/7/2008 بتخريج دورة في الإعلام بغزة "لم نكن غائبين عن رفات شهدائنا، هدفنا أن نقاتل على أرض فلسطين وأن نستشهد على أرض فلسطين، وأن ندفن في أرض فلسطين لا أن نخرج رفات شبابنا وجثامينهم من أرض فلسطين"، مضيفًا "إن القيادات والعناصر الذين توفوا أو استشهدوا وفرض علينا أن ندفنهم خارج تراب الوطن؛ وعدًا علينا قطعناه على أنفسنا أن نعيد تراثهم وموروثهم ورفاتهم وجثامينهم إلى فلسطين، فلا يحمِّلنا أحد فضلاً في ذلك، لم نسع نحن إلى إخراج رفات القائدة المناضلة الشهيدة "دلال المغربي" ورفاقها من فلسطين إلى خارج فلسطين، فهذا عمل لا يسجل علينا على الإطلاق بل نحن كنا نرفض هذا الأسلوب!!"

 

ومع ذلك يتغنون بالإفراج عن جثمانها ليطالب أبو النجا نفسه جميع أبناء فتح "بالمشاركة في فعاليات الاحتفاء بالإفراج عن جثمان المغربي وزملائها لأنهم جزء من تاريخنا ومن موروثنا ومن تراثنا ونحن نعتز بأبنائنا وبقياداتنا وبكوادرنا.

 

أي تبرير هذا وأي استخفاف بعقول أبناء شعبنا؟، أم أنها النكايات إياها لتبرير الفشل المتكرر لهم ولما يمثلونه من تيار مفلس؟

 

لكن السؤال الذي ينتظر الإجابة، لو أن عملية دلال المغربي ورفاقها تمت اليوم فكيف سيصفها من يتغنون بأمجاد الماضي ويلعنون بطولات الحاضر؟ عبثية أم حقيرة أم سخيفة أم ممولة من الخارج أم مرتبطة بمحاور إقليمية؟

 

وأخيرًا..

يقول المثل الشعبي "شو بدي أتذكر فيك يا سفرجل.. كل عضة بغصة"، هذا هو حال التيار الذي تمثله محمية المقاطعة في المنطقة السوداء من رام الله، وهذا وضعهم ومخازيهم، ولكم تمنيت وأتمنى أن أجد بارقة أمل واحدة تكتب لهم في تاريخ قضيتنا، لكني أقف عاجزًا أمام سيل هزائمهم ومخازيهم، واستمرائهم أفعالهم السوداء، وانزلاقهم أكثر فأكثر، وارتمائهم في أحضان الاحتلال.

---------------

** كاتب فلسطيني مقيم في لندن

DrHamami@Hotmail.com