كيف سيكون الواقع الفلسطيني بعد التاسع من يناير لعام 2009م نهاية الفترة الزمنية لرئاسة أبو مازن للسلطة الفلسطينية؟ حيث بدأ القلق يساور الشعب الفلسطيني وقيادته وفصائله الفلسطينية، وتؤكد كل الحقائق والوقائع صعوبة تجاوز هذا الوضع السيئ والمقلق الذي نقبل عليه، رغم المحاولات والمبادرات المطروحة لمحاولة تجاوز حالة الانشقاق والانقسام الفلسطيني الذي نعيشه اليوم.

 

ورغم النوايا الحسنة إلا أن كل المؤشرات تؤكد عكس ذلك؛ فالتطورات التي عصفت بالساحة الفلسطينية منذ أوسلو، وما أفرزته من وقائع جديدة على الأرض الفلسطينية وفي العلاقات الداخلية الفلسطينية، وتأثيرها على مفاهيم الصراع مع الكيان الصهيوني والتصدي لمشاريعه، وعجز الجانب الفلسطيني من تجاوز خلافاته أو تأجيلها من أجل الحفاظ على وحدته لمواصلة نضاله، والمراهنات المستمرة للتوصل إلى حل مقبول أو معقول للقضية الفلسطينية لم تكن إلا أوهامًا أوصلتنا إلى ما نمر به اليوم.

 

في ظل حالة الشلل التي تمر بها منظمة التحرير الفلسطينية وفشل كل المحاولات الرامية إلى إعادة تفعيلها، وتراجع مكانتها الفلسطينية والعربية والدولية، لصالح إفرازات أوسلو؛ حيث من الناحية العملية طغى دور السلطة الفلسطينية على كافة المرجعيات الفلسطينية، ولم تبقَ المنظمة إلا مجرد ذكريات وحنين، ورغم المحاولات الفلسطينية المطالبة والداعية إلى إعادة الدور لهذه المنظمة وتفعيل دورها ككيان فلسطيني يوحِّد الشعب الفلسطيني؛ إلا أن هذه المحاولات غير موفَّقة حتى اللحظة، ويعود السبب بذلك إلى عاملين أساسيين:

الأول ذاتي، وهو الحالة الفلسطينية والعلاقات الداخلية الفلسطينية الممزقة، وحالة الانقسام التي جاءت نتيجةً لأحداث غزة بالعام الماضي، كذلك لا ننسى إطلاقًا الدور الأساسي لقيادة منظمة التحرير الفلسطينية على مدار مسيرة هذه المنظمة، المراهن على سياسة أثبتت عقمها وفشلها، والتي بالأساس هي نتيجة حتمية للطبيعة الطبقية لهذه القيادة، وسياسة التفرد بقراراتها التي كانت لها انعكاساتٌ سلبيةٌ على كافة مؤسساتها.

 

والسبب الثاني الذي يعود إلى الدور الصهيوني الأمريكي بتصفية هذه المنظمة، وإلغائها من قواميس المواجهة، وتصفيتها لما شكَّلته من كيانية فلسطينية جامعة للشعب الفلسطيني وراية أممية من رايات النضال، وحركة تحرر أخذت مكانتها واحترامها بكافة المحافل الدولية، وحركات التحرر العالمية وشعوب العالم؛ فالكيان الصهيوني بالتأكيد سيمارس كل أساليبه الخبيثة والقذرة من أجل منع إعادة الدور لهذه المنظمة؛ من خلال التهديد تارةً والضغوط تارةً أخرى ضد قيادتها، ويستغل هذا الكيان موازين القوى العالمية التي تميل لصالحه.

 

مع اقتراب موعد انتهاء الفترة الرئاسية للرئيس الفلسطيني أبو مازن، بصفته رئيسًا للسلطة الوطنية الفلسطينية، والجدل الدائر حول تمديد ولايته لمدة سنتين لكسب مزيد من الوقت لتجاوز هذه الأزمة؛ حيث بدأ الجدل بالساحة الفلسطينية حول قانونية التمديد، وهذا ما بدأت تتخوَّف منه كافة القوى الفلسطينية؛ فحماس مع انتخابات جديدة لرئاسة السلطة، وهذا بالتأكيد لن يحصل بدون توافق فلسطيني؛ حيث ستشهد الساحة الفلسطينية أيضًا تصعيدًا بالخلافات الداخلية، حول شرعية استمرار أبو مازن رئيسًا للسلطة الفلسطينية، وهنا لا أُخفي إطلاقًا إمكانية مطالبة حماس بإشغار هذا المركز الرئاسي الشاغر الناتج عن انتهاء الفترة الرئاسية؛ فكل المؤشرات تؤكد حتى اللحظة أن أي دعوة لتجديد الفترة الرئاسية لرئيس السلطة الفلسطينية أو إجراء انتخابات رئاسية، ستكون فاشلةً بدون توافق وإجماع فلسطيني، وحركة حماس سيكون لها دورٌ أساسيٌّ بهذا الاتجاه، ولكن حماس السياسية والفكرية تختلف مع توجه منظمة التحرير الفلسطينية، فضلاً عن أن الخلافات العميقة الموجودة بالساحة الفلسطينية لا تبشِّر بتجاوز هذه الحالة باتجاه المصلحة العليا للشعب الفلسطيني، فلا يمكن أن تجري انتخابات بالساحة الفلسطينية بدون مشاركة حماس، وبدون اتفاق فلسطيني على سلطة واحدة على كامل القطاع والضفة، ولن يسمح الكيان بمشاركة حمساوية بأية انتخابات فلسطينية مستقبلية بدون الموافقة على شروطها، كذلك من الصعب أن تكون هناك انتخاباتٌ فلسطينيةٌ فقط بالضفة الغربية، وهذا ما يشكِّل تهديدًا حقيقيًّا للقضية الفلسطينية ومستقبلها واستمرارها.

 

الكيان الصهيوني يتعامل مع الجانب الفلسطيني بعد لقاء أنابوليس، موهمًا إياه بإمكانية التوصل إلى سلام، ولكن الواقع يؤكد عكس ذلك؛ فهو يتعامل مع الرئيس أبو مازن والوفد الفلسطيني المفاوض دون سقف زمني، وهذا ما يشعر به الوفد الفلسطيني المفاوض ويلمسه المواطن الفلسطيني العادي، وهو فقط يريد أن يكسب مزيدًا من الوقت لخلق وقائع جديدة على الأرض الفلسطينية؛ يصعب العودة بها إلى الوراء، وإذا كانت نوايا الكيان الصهيوني صادقةً للتوصل إلى سلام لماذا لم يجمدوا الاستيطان ويجمدوا البناء بالجدار حتى تنتهي المفاوضات؟
والكيان يراهن بالأساس وأولاً على تثبيت حالة الانقسام الجغرافي بين شطري الوطن ليصبح أمرًا واقعًا، وتشكِّل عاملاً ضاغطًا لإفشال أية محاولة لتجاوز حالة الانقسام السياسي الفلسطيني، والسؤال الذي يبقى مطروحًا هو كيف سيتعامل الكيان مع الرئيس أبو مازن والوفد المفاوض له بعد التاسع من يناير العام القادم؟ فإذا قال شمعون بيريس: "من الصعب التوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين مبرِّرًا أن أبو مازن لا توجد له شرعية كافية بين شعبه"، كذلك لا يخفى على أحد المحاولات الرامية إلى إيجاد مخارج قانونية لإضافة أعضاء جدد إلى اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية؛ لأن النصاب القانوني لاجتماعات اللجنة التنفيذية مهدَّد بأي لحظة؛ فهذه هي المرحلة المقبلة التي سندخلها كفلسطينيين.

 

قادة الكيان الصهيوني ينظرون إلى الجانب الفلسطيني كطرفين منفصلين؛ الأول حركة حماس وسيادتها على قطاع غزة، وحكومة سلام فياض ومستقبلها بفرض سيادتها على الضفة الغربية، وبالتأكيد حتى اللحظة الرئيس الفلسطيني غير قادر على تجاوز هذا الوضع وكحد أدنى استبدالاً أو تعديلاً على حكومة سلام فياض، أو إعادة القطاع إلى سيادة فلسطينية موحدة، فبالتأكيد الكيان سيتدخل بكل التفاصيل مهدِّدًا بممارسة الحصار على الضفة الغربية كما يمارسه على القطاع، أو اتخاذ إجراءات عقابية ضد القيادة الفلسطينية، وهذا ما يضع القضية الفلسطينية بين المطرقة والسندان بظل حالة التراجع العربي، والتهديدات الأمريكية المستمرة للمنطقة؛ لتمرير مشروعها واختلال موازين القوى العالمية لصالح الكيان الصهيوني.

 

ولتجاوز هذه الحالة، لا يوجد أمام الجانب الفلسطيني بكل أطرافه وقواه السياسية إلا اتخاذ الموقف السليم، مغلبًا المصالح الوطنية العليا للشعب الفلسطيني على كل هذه الخلافات، والتأكيد على توافق وطني، ومواجهة التهديدات الصهيونية، وكل ما يمكن أن يمارسه قادة هذا الكيان بحق القيادة والشعب، فأي تأخير باتخاذ الموقف السليم هو تدمير للقضية الفلسطينية؛ فنحن اليوم لسنا بوقت من سيحقق إنجازاتٍ على الطرف الفلسطيني الآخر.

 

ومن هنا تأتي أهمية اتخاذ قرار فلسطيني حكيم وعلى قدر المسئولية، وأن لا تتغلَّب المصالح الذاتية على المصالح الوطنية العليا للشعب الفلسطيني، ويكفي فقط مرسوم سياسي من الرئيس محمود عباس رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية، بتسمية لجنة وطنية فلسطينية تكون حركة حماس جزءًا منها،  للبدء بوضع الخطوات العملية لتوحيد السيادة على الأرض الفلسطينية، وتوحيد الأهداف والمواقف السياسية والوطنية، تأخذ هذه اللجنة على عاتقها مسئولية تعبئة الفراغ في حال اتخاذ الكيان الصهيوني إجراءات عقابية وانتقامية ضد القيادة الفلسطينية؛ نتيجة قرارات وطنية فلسطينية؛ فالقيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة الفلسطينية الأولى تمكنت من قيادة ميدانية للانتفاضة ولمدة 6 سنوات متتالية، منطلقةً من تجربتها النضالية بمواجهة الاحتلال الصهيوني، وما زالت تجربة جماهير شعبنا الفلسطيني ماثلةً للعيان بمواجهة هذا المحتل، فإذا لم تتمكَّن القيادة الفلسطينية من تجاوز هذه الحالة وبأسرع وقت ممكن بالتأكيد ستزداد الأمور تعقيدًا وسنكون أمام انهيار يهدد كافة الحقوق الوطنية والشرعية للشعب الفلسطيني، وسنكون أمام دولة مؤقتة بالضفة غير قادرة على  العيش محاصرة مخنوقة؛ تمهِّد لإقامة اتحاد كونفدرالي مع الأردن على طريق دولة فلسطينية بالأراضي الأردنية مجاورة للكيان الصهيوني.