في 6/7/2008م نشرت وسائل الإعلام ومنها جريدة (الأهرام) أن كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية فخورةٌ بقرار الاجتياح الأمريكي للعراق والإطاحة بالرئيس الراحل صدام حسين، وزعمت في تصريحات صحفية أن الوضع في الشرق الأوسط تحسَّن منذ وصول الرئيس الأمريكي جورج بوش إلى البيت الأبيض.
وللوزيرة أنْ تتيه فخرًا بالاجتياح الأمريكي للعراق، ولرئيسها "بوش" أنْ يزعم ما شاء له الخيال الخصب أن يزعم أنه قد أوجد في العراق نموذجًا للديمقراطية وللحياة الحديثة على النمط الذي يحبه ويهواه، ما سيكون قدوةً للبلاد المحيطة به.
ولكن الواقع الذي يفضح هذه المزاعم جميعًا أن قرار غزو العراق كما أفغانستان كان قرارًا طائشًا، يحتاج إلى روية وحكمة افتقدها قادة هذه الحرب، وكانوا أسرى أفكار غريبة زرعها في عقولهم منظِّرو "الصهيوأمريكية"، وانطلق "بوش" فور وقوع أحداث سبتمبر ليعلن الحرب الصليبية على أفغانستان والعراق وبلاد أخرى في إطار الحرب على الإرهاب.
صحيح أنه قد حاول تخفيف وقع كلمة "صليبية"، إلا أن الواقع الفعلي يصدِّق هذا الإعلان؛ فهي حرب صليبية تستهدف البلاد الإسلامية، بل الإسلام ذاته كمنهج حضاري له رؤيته وعقيدته وقيمه وأخلاقه التي تميِّزه عن غيره من المناهج الحضارية الأخرى ولا تتصادم معها بالضرورة.
ولا شك أن افتخار كونداليزا رايس باجتياح العراق قد أثار نوعًا من ردود الأفعال المتباينة لدى المراقبين الحالة في العراق، وما أحدثه الاحتلال من أمورٍ غريبةٍ منذ دخول الغزاة أرضَ العراق وما تركوه من آثار دمَّرت كل مظاهر الحياة في كافة الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية بحيث أعادت العراق- كما يحلو للمحللين للأوضاع هناك أن يقولوا- إلى المربع الأول، أو إلى درجة الصفر، وهيهات أن يفيق العراق من هذه الضربات المتلاحقة وفي كافة المجالات إلا بعد عشرات السنين.
وسوف أحاول بصورةٍ موجزةٍ وسريعةٍ أن أتناول بعض آثار هذه الغزوة أو الهجمة على العراق، تاركًا للقارئ أن يحدد هو بنفسه إن كان ذلك يدعو إلى الافتخار أم إلى التواري خجلاً مكللاً بالعار والشَنار.
أشار "مؤتمر حماية الطفل العراقي من العنف" إلى مأساة أطفال العراق نتيجة الاحتلال، محمِّلين الاحتلال الأمريكي مسئوليةَ ما يحدث لهم من حيث الوضع الإنساني والصحي والتعليمي، وقد أصدر مركز الأمم المتحدة في مايو 2008م نشرةً جاء فيها أن العنف أدى إلى حصد الآلاف، وحرم الأطفال من مقاعد الدراسة، وأدى إلى خروج النساء والأرامل للعمل في ظل الظروف القاسية التي يمر بها العراق، فيقع الصغار فريسةً للمخدرات والعصابات، والإرهاب والبغاء، ومعاناة الجوع حتى الموت والاضطرابات النفسية، فضلاً عن اضطرابات النوم والتبول اللاإرادي.
معدلات انتحار الجنود الأمريكيين تبلغ معدلات قياسية؛ ففي عام 2004م (67 منتحرًا)، وفي عام 2005م (85) منتحرًا، وفي عام 2006 (102) من المنتحرين.
وبموازاة ذلك ارتفع عدد الجنود الأمريكيين المصابين بمرض اضطرابات ما بعد الصدمة بصورة كبيرة جدًّا ليصل إلى 40 ألف لعام 2007م (إحصاء رسمي).
الأزمات الاقتصادية تهدد أمريكا بسبب نفقات الحرب على العراق
إذ تصاعد القلق في الأوساط الأمريكية نتيجة الزيادة في النفقات العسكرية في العراق، وأزمة الرهن العقاري وارتفاع أسعار الوقود والغذاء، وكان عجز الميزانية الفيدرالية في النصف الأول من عام 2008م ما يقرب من 107 بلايين دولار بزيادةٍ قدرها 27 بليونًا عن نفس الفترة في العام المالي السابق.
وهذه الحرب تكلِّف أمريكا 12 مليار دولار كل شهر، وتكبَّدت واشنطن ثلاثة تريليونات دولار إلى جانب ثلاثة تريليونات أخرى تكبَّدها اقتصاد دول أخرى، (وأحسب أن الجزء الأكبر من هذه التكلفة يقع على دول الخليج)، وقد أوضح (جوزيف شتجليتز) الحاصل على جائزة نوبل للسلام أن الإدارة الأمريكية عمدت إلى تحميل الأجيال القادمة تبعات هذه الحرب من خلال الإنفاق بالاستدانة، مرجِّحًا ارتفاع الدَّين الأمريكي الوطني الداخلي الذي ارتفع من 5.7 تريليونات دولار إلى 7.7 تريليونات في فترة "بوش" وفي حربٍ تعدت تكاليفها تكاليف الحرب العالمية الثانية.
وغني عن البيان أن شركات النفط الأمريكية هي الرابح الوحيد من حرب العراق التي أدت إلى:
- مقتل مليون شخص.
- اضطرار 3 ملايين إلى الهجرة خارج البلاد.
- قتل حوالي 300 عقلٍ مفكرٍ من مختلف التخصصات في الاقتصاد والأدب والتاريخ، إضافةً إلى الهندسة والفيزياء والكيمياء، كما أن 3 آلاف أستاذ قد هُجِّروا، وقد يكون العدد عمومًا أكبر من ذلك بكثير.
وعن الاعتقالات في العراق يذكر الميجور (دوجلاس ستون) قائد منشآت الاعتقال الأمريكية في العراق في أواخر 2007م للصحفيين عن وجود 25 ألف في المعتقلات الأمريكية بالعراق؛ 83% من السنة، و1% من الشيعة، وبين هؤلاء 860 أجنبيًّا؛ أغلبهم من سوريا ومصر وإيران والسعودية، وهذا العدد الإجمالي يزيد بـ10 آلاف معتقل في الفترة نفسها من العام السابق.
ولا ننسى هنا الجرائم البشعة التي ارتكبها الجنود الأمريكيون بحق المعتقلين من أهل العراق في سجن أبو غريب، وليست جرائم معتقل جوانتانامو منا ببعيدة؛ إذ سيذكر التاريخ دومًا أن الرقي الحضاري والتقدم المادي لا يعني بالضرورة رقيًّا في القيم وتقدُّمًا في المبادئ والأخلاق.
ولقد أوجدت قوات الاحتلال أوضاعًا عجيبةً جعلت قيادات كثيرة في العراق، وعلى رأسها الرئيس "طالباني" يقترح بقاء قواعد عسكرية أمريكية لحماية العراق، وبنى طلبه هذا على أساس احتمال أن تسحب أمريكا أكثر من 100 ألف جندي أمريكي بنهاية عام 2008م، إلا أن طالباني شدد على ضرورة الخفض التدريجي؛ وذلك لضرورة التدريب وتوطيد استقرار العراق ومنع الجيران من التدخل في شئون العراق، ولا شك أن فترة الاحتلال هذه قد أوجدت من الحقد والضغائن والثارات ما يجعل أول وقودها أغلب القيادات الجديدة المتربعة على سدة الأوضاع والحكم الآن وغيرهم وغيرهم.
والعراقيون الآن، وبعد مرور أكثر من خمس سنوات على الغزو وما أعقبه من احتلال لا نهاية له، لا يرون في الأفق بارقة أمل تنير لهم الطريق؛ فهم تشرذموا، وما عاد بالإمكان جمعهم في ظل غياب الرؤية السياسية الصادقة، سواءٌ من قِبل الحكام الجدد أو من قبل الولايات المتحدة، وتصر الحكومة العراقية على أنها نجحت في استئصال "العنف الطائفي"، وأن العراق تجاوز المرحلة التي على وشك الوقوع في أتون حرب أهلية لا تُبقي ولا تذر، إلا أن هذا الرأي لا يجد قبولاً لدى العراقيين؛ فهو كما يقول "إحسان علي" الأستاذ في جامعة بغداد "إنهم يريدون أن يقنعوا العالم بأنهم حققوا شيئًا، وهم لم يحققوا شيئًا، بل هم مَن كان سببًا في إذكاء العنف الطائفي.
وهل من دواعي افتخار الوزيرة ما جاء في اتفاقية التعاون الأمني الأمريكي في العراق التي تقنِّن الاحتلال الأمريكي للعراق إلى الأبد، ومن أهم بنودها:
- إقامة 50 قاعدة أمريكية في العراق بشكل دائم.
- السيطرة الأمريكية على الأجواء العراقية.
- الحماية القانونية للقوات الأمريكية والمقاولين الأمريكيين.
- حق السيطرة الدائمة على قواعدهم.
- شن عمليات في إطار (الحرب على الإرهاب) واعتقال العراقيين واستهدافهم دون الخضوع للقانون العراقي.
هذا، ويرفض الأمريكيون فكرة إجراء استفتاء في شأن الاتفاقية؛ خشية أن يصوِّت العراقيون ضدها.
وهل من دواعي الافتخار أن تُدمَّر كل البنية التحتية ويُنهَب عائد البترول، ويصبح أهل العراق في عداد أفقر الأمم وقد كانوا من الأغنياء؟!
وهل من دواعي الافتخار أن تصبح- كما ذكرنا- شركات البترول هي الرابح الوحيد من حرب العراق وكذلك شركات مقاولي الدفاع، وعلى رأسها شركة "هاليبرتون" التي يرأسها "تشيني" نائب الرئيس الأمريكي؟!
وقد سُئل الدكتور محسن عبد الحميد رئيس الحزب الإسلامي السابق عن تقييمه سنوات الاحتلال الخمس، فكان رده: "تجارب مريرة ودموية آذتنا وآذت كل بيت، وأخذت من المجتمع العراقي مليون قتيل، ودمَّرت البنية التحتية للعراق، وهو دولة قوية حضارية، دولة ذات ثروة عظيمة".
وأخيرًا..
أخي القارئ الكريم.. هل تعتقد الآن أن للوزيرة "رايس" حقَّ الافتخار بقرار الاجتياح الأمريكي للعراق؟ أم أنها يجب أن تتوارى خجلاً وعارًا وشَنارًا على هذه الجريمة النكراء؟!!