يبدو العرب اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى كالأيتام على موائد اللئام تتم دعوتهم لحضور المنتديات والمؤتمرات واللقاءات دون أن يكون لهم رأي أو يسمع أحد صوتهم، أو يشاركون في القرارات كما قال الشاعر:

ويُقضى الأمر حين تغيب تيم       ولا يُسـتأذنون وهم حضور

فها هم القادة والزعماء يهرولون- باستثناء القذافي- إلى باريس لحضور قمة باريس بشأن (الاتحاد من أجل المتوسط) وكل يغني على ليلاه، وكل حزب بما لديهم فرحون؛ فلم يلتقوا على رأي واحد، ولم يتفقوا على موقف محدد، وفشل لقاء طرابلس الذي دعا إلي القذافي منذ أسابيع لجمع شمل القادة العرب؛ حيث قاطعه البعض، وفشل أيضًا في الوصول إلى موقف موحد؛ حيث يذهب الجميع تقريبًا ويقاطع القذافي وحده، مغردًا خارج السرب كعادته.

 

وفي حين يريد الأمين العام لجامعة الدولة العربية بث الأمل في نفوسنا بتصريحه في المؤتمر الصحفي مع وزير الخارجية الأيرلندي بالقاهرة:-

"هناك تحفظات عربية وأوروبية على المبادرة وتساؤلات وملاحظات وعلامات استفهام، والكل سيحضر النقاش للتناقش حول كيفية إنشاء هذا المشروع، والشكل النهائي لم يتحدد بعدُ، والدول العربية ذاهبة إلى اجتماع باريس برؤية واحدة أكثر مما تراها الأعين الآن؛ لأنه حدثت تعديلات قُدمت باسم كل العرب المشاركين في الاجتماع. (الحياة 10/7).

 

ولكن لم ير أحد أو يسمع مراقب عن هذه التعديلات العربية بينما تابع الجميع المناقشات الأوروبية التي أدخلت تعديلات جوهرية على مبادرة الرئيس الفرنسي ساركوزي وصلت إلى تعديل الاسم مع الجوهر حتى لا تصطدم الفكرة المتوسطية بالاتحاد الأوروبي القائم والمتجدد والمتمدد في الفضاء الأوروبي الذي يسعى لاستيعاب البلقان بعد استيعاب معظم أوروبا الشرقية، أما العرب فسيكتفون بلقاءٍ تشاوري مساء القمة لوزراء الخارجية العرب في باريس لتمزيق المواقف قد يحضره الوزير السوري وقد لا يحضره.

 

"تفرَّق العرب أيدي سبأ"، وأصبحوا من جديدٍ قبائل متنازعة، تسعى كل قبيلةٍ لمصلحتها، وترعى مواطن الكلأ والعشب الذي تُقدمه لها الدول الكبرى، خاصةً في ظل مقاطعة دول عربية كبرى لقمة دمشق العربية التي كرَّست الانقسام العربي بين محورين: محور للاعتدل ترعاه أمريكا وفرنسا ويعمل في إطار المخطط الأمريكي الصهيوني، ومحور الممانعة الذي يخشى على مصالحه ولا يرى نفسه في إطار التسويات الكبرى التي تتم اليوم ولم يتبق فيه إلا سوريا ودول تعيش مشاكلها الخاصة تتأرجح بين المحورين.

 

وفقد العرب البوصلة في مرحلة حاسمة من التاريخ، فدخلنا مرحلة التيه والضياع.

سوريا تذهب إلى باريس بإلحاح فرنسي وترتيب أوروبي لكسر العزلة الأمريكية عليها وبهدف إبعادها عن إيران وتشجيعها على المضي قدمًا في المفاوضات غير المباشرة مع العدو الصهيوني وتحويلها إلى مفاوضات مباشرة ولممارسة المزيد من الضغوط عليها حتى تلجم المقاومة ضد العدو الصهيوني في فلسطين ولبنان.

 

الرئيس الأسد يذهب بحسابات مختلفة؛ فهو يريد استعادة الدور السوري في لبنان والذي قد يزداد بعد الانتخابات اللبنانية المقبلة، ويريد كسر الطوق الحديدي الذي فرضه الأمريكيون على بلاده بعد اغتيال الحريري، وهو يبدي مرونةً قد تصل إلى مصافحة أولمرت في باريس التي ستجلب عليه سخط العرب المقاومين.

 

بقية العرب يذهبون لأنه لا حيلة لهم ولا قرار ولا يقدرون على مجرد قول "لا" أو الامتناع عن الذهاب أو يراهنون على إفشال المشروع كما فشلت عملية برشلونة التي انطلقت منذ عام 1995م، واعتبر الأوروبيون المبادرة الجديدة التي أطلقها ساركوزي هي تجديد لها وامتداد طبيعي لمشاركة فشلت من قبل.

 

الأوروبيون- وفي مقدمتهم فرنسا- لهم أهداف واضحة ويسوقون الوهم للعرب في سبيل دفعهم لتبني الأجندة الأوروبية.

 

هم يريدون وقف موجات الهجرة البشرية المتتالية ووقف قوارب الموت التي تحمل الآلاف من العرب والأفارقة ليغرقوا على شواطئ المتوسط في مشهد يلخص مأساة العالم اليوم بين قطب غني فاحش الثراء وعالم فقير لا يجد الغذاء.

 

هذا المشهد يؤرق كل إنسانٍ له ضمير حي ويحمل نذر المستقبل القريب أو البعيد الذي يهدد أوروبا في الحالتين: وصول المهاجرين إلى بلادٍ لم تعد تنجب المزيد من الأطفال ومعدل نموها السكاني يكاد يصل إلى الصفر مما يغير التركيبة السكانية أو فشل هؤلاء وغرقهم على السواحل مما يؤجج عوامل السخط والكراهية، وهذه هي بواعث الإرهاب والعنف الذي يعشش داخل أوروبا نفسها في أحياء المهاجرين ويمثل قنابل موقوتة ستنفجر ولو بعد حين.

 

فرنسا التي تقف ضد انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي تريد هذا المنتدى الجديد بديلاً عن أحلام تركيا وغيرها باللحاق بالقطار الأوروبي الذي يجب أن يبقى اتحادًا للشعوب المسيحية فقط ولا مانع من إلحاق بلاد صغيرة وضعيفة كألبانيا وكوسوفو، ويمكن أن تذوب في الهوية المسيحية وتعيش على المعونات الأوروبية وليس لها ثقل سكاني أو اقتصادي.

 

الأوروبيون يؤرقهم مشاكل الهجرة والإرهاب والبيئة والنقاء الأوروبي والرفاهية الأوروبية، ولا تهمهم مشاكل الدول الأخرى، إنها العنصرية الأوربية المرتبطة بالحضارة الغربية العلمانية ذات الجذور اليهودية المسيحية.

 

يريد الأوروبيون أيضًا تطبيعًا متبادلاً بين العرب والعدو الصهيوني دون الوصول إلى الحقوق الفلسطينية أو سلام حتى على الشروط الدولية، مما دعا وزير خارجية مصر إلى التصريح بأن "مصر لن تقبل بأن يكون (اتحاد المتوسط) أداة لتطبيع العرب مع إسرائيل" (الحياة 10/7).

 

والسؤال: إذا كانت مصر هي أكبر الدول العربية التي تُطبِّع مع إسرائيل وتُقيم علاقات معها.. دبلوماسية وتجارية وأمنية.. فهل تملك مصر منع التطبيع مع بقية دول العالم العربي؟.

 

العرب باتوا كالأيتام على موائد اللئام؛ فالعراق ساحة للحوار الأمريكي الإيراني، والاتفاقية الأمنية التي تكرس الاحتلال الأمريكي يتم البحث حولها في غياب عربي تام وتسارع دول الخليج لفتح سفاراتها دون وجود أفق لمستقبل العراق.

 

والسودان يتعرض لمؤامرةٍ خطيرةٍ قد تصل إلى محاكمةٍ جنائيةٍ لرموزه وقادته، والصومال ساحة حرب بين طموح أوروبي للهيمنة على القرن الإفريقي وتمرد إريتري لتغذية خلافات تاريخية مع إثيوبيا، ويدفع الشعب الصومالي الثمن من دمائه وحريته واستقلاله.

 

أصبح العرب بدون قيادة بعد أن تخلت مصر محل القيادة الطبيعية عن دورها، ووصل المأزق الأمريكي الصهيوني إلى ذروته في فلسطين والعراق وأفغانستان.

 

وهكذا في لحظة فارقة في تاريخنا ندخل تيه الضياع من جديد ولا تملك الشعوب إلا أن تتمسك بالأمل في فجر جديد يعصمها الإيمان بالله تعالى والثقة في قدرة الأمة على امتلاك إرادتها وتوجيه البوصلة نحو الاتجاه الصحيح للوصول إلى بر الأمان.

 

عزاء واجب للأخوين عبود الزمر وطارق الزمر

رحلت السبت الماضي عن دنيانا الفانية الأم الصابرة المجاهدة والدة الأخ العزيز عبود الزمر وخالة طارق الزمر، وقد كان الأمل أن يكونا أحرارًا طلقاء بعد انقضاء فترة الحكم بسنوات، ولكن شاءت إرادة الله أن ترحل وتلقى الله وهما غائبان لا نستطيع أن نشدَّ على يديهما ونُعزِّيهما في وفاتها.

 

فهذه الكلمات عسى أن يقرآها فتكون بديلاً عن اللقاء المنتظر من زمن بعيد.

إنا لله وإنا إليه راجعون، وعظَّم الله أجرك وأحسن عزاءك، وخالص العزاء لآل الزمر جميعًا.