يتردد منذ عقدين على الأقل مصطلح الحوار بين الأديان، رغم أن الدين واحد مع تعدد الرسالات، كما يتردد مصطلح التقريب بين المذاهب، ويُقصد بها مذاهب أهل السنة والشيعة داخل الإسلام.

 

وقد تشكلت بالفعل لجان في الأزهر وخارجه للبحث فيما يختلف فيه المسلمون أتباع المذاهب المختلفة، وقد نجحت الدعوة الثانية- أي التقريب- في التوصل إلى نتيجة، وهي أن أركان الإسلام الخمسة لا خلافَ عليها بين السنة والجماعة من ناحية والشيعة من ناحيةٍ أخرى، ولم يكن ذلك اختراعًا جديدًا، ولكنه تأكيد لحقائق.

 

ولكن المشكلة تكمن دائمًا في الاستخدام السياسي للخلاف المذهبي أو الديني، أو بعبارةٍ أدق بين أتباع المذاهب مدفوعين بدوافع سياسية، ولم يَفُتْ المتربصين بالعالم الإسلامي من داخله وخارجه إشعالُ الفتن والحرائق انطلاقًا من تلك النقطة؛ فالفوارق بين الشيعة والسنة فوارق فقهية أساسًا لا يشعر بها أتباع المذهبين إلا في بيئةٍ سياسية، مثل البيئة الطائفية اللبنانية، ونقاط الاحتكاك بين بعض الدول العربية وإيران في الخليج، وتركيز فقهاء الشيعة على مبدأ ولاية الفقيه ليس فقط داخل البلد الواحد، وإنما عند عموم الشيعة، بحيث يصبح الفقيه الحاكم في إيران هو إمام الشيعة في العالم، وهو صاحب الولاء والطاعة، بحيث تُعلَّق صوره في المنازل؛ مما يؤدي إلى التقاطع بين التبعية المذهبية والولاء السياسي عبر الدول.

 

وقد ساعدت عوامل كثيرة على ذلك؛ منها: عجز بعض الدول التي يتبع بعض أبنائها المذهب الشيعي في تأكيد الولاء للوطن والدولة، فانحدر الولاء إلى المرجعيات الدينية الشيعية في نفس الدولة، وإلى المرجعيات الشيعية الأكبر خارج الدولة، ومنها أن الصراع السياسي بين إيران وبعض دول الخليج استوجب أن تطلب إيران النصرةَ من أتباع المذهب في الدول المجاورة، وكلما استطال الصراع العراقي الإيراني حدث هذا الاستقطاب الحاد بين إيران والجماعات الشيعية في الخليج.

 

وثالث هذه الأسباب هو الصراع الإيراني الأمريكي وربطه بالصراع مع "إسرائيل"؛ مما أدى إلى خلط الأوراق حتى روَّج البعضُ أن عداء الشيعة لـ"إسرائيل" هو جزء أصيل في المذهب، وأن تحالف شاه إيران مع "إسرائيل" هو أهم أسباب ثورة الخميني لتصحيح عقيدة الشيعة، وهذا- في ظني- تسييس مبالغ فيه.

 

وقد ساهمت جهات جديدة خارجية؛ منها جامعة الأمم المتحدة في طوكيو في تأجيج الصراع بين الشيعة والسنة، ومع ذلك تساهم الدول الإسلامية في ميزانيتها، وقد كلفتني هذه الجامعة بإعداد دراسة عن موقف علماء السنة من استخدام القوة في العلاقات الدولية، وفهمت أن البحث جزء من مشروع لمكافحة الإرهاب بأسلوب علمي، ولما شرحت لهم أنه لا فرقَ بين الشيعة والسنة في هذا الباب، وإنما يتعين البحث في موقف الفقه الإسلامي في مجموعه من هذا الموضوع التزموا الصمت بعد أن أرسلت لهم البحث كاملاً في أكثر من 16 صفحة موثَّقة باللغة الإنجليزية، ويبدو أنهم أحسنوا الظن بي في البداية ثم فوجئوا بحقيقة موقفي؛ فقد يكون هناك فعلاً اختلاف في الرؤية بين السنة والشيعة في مسألة استخدام القوة، ولكن هذا الاختلاف لا يهمهم بالقدر الذي يخصِّصون بحثين منفصلين لكلٍّ منهما.

 

والحق أننا بحاجةٍ إلى أوسع قاعدة للتعريف بالمذاهب الإسلامية جميعًا ورفع مستوى الوعي وكسر قواعد اللاهوت التي يبرر بها المنتفعون حشد الأنصار.

 

لقد اقترنت الاختلافات بين الشيعة والسنة في الأصل باختلافات في المعتقد السياسي أكثر من كونها خلافًا بين الفقهاء في المذهبين، بل إن مصطلح السنة لم يكن واردًا عند ظهور فرق الشيعة؛ لأن الشيعة يعترفون هم أيضًا بسنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، ولا أظن أن القول إن الشيعة والسنة يلتقيان عند أكثر من 90% في القضايا الفقهية بكافٍ لحل الإشكالية، وإنما يتعين وضع برامج معلنة وتفصيلية لتأكيد أن الاختلاف داخل الدين الواحد لا يبرر أية فظاظة ما دام للجميع إله واحد وقرآن واحد ونبي واحد وقبلة واحدة يتوجهون إليها في كل الصلوات.

 

ورغم أن التقارب الفقهي قليل الأهمية، إلا أن الفقهاء يلعبون دورًا مهمًّا، خاصةً في الجانب الشيعي؛ لأنهم قيادات سياسية، كلما كانت مرتبة العالم الديني هي التي تحدد المكانة السياسية للفقيه، على خلاف أهل السنة؛ حيث يفضل أن يبتعد الفقهاء عن السياسة ومؤازرة السلطان بالباطل وإن كانوا ملزمين بمناصحته وعدم مصاحبته؛ حتى لا تضفي المصاحبة شرعيةً على أفعال غير مشروعة.

 

ولهذا السبب فإن الفقه الشيعي عامر بقواعد الثورة على الحاكم والتمرد على سلطانه، بينما الفقه السني يبالغ في تعظيم أولي الأمر وصبغ ذلك الفكر السياسي الإسلامي السني بهذا الطابع المهادن الذي يصل أحيانًا إلى حد تسخير المنصب الديني والدين كله في خدمة السلطان الجائر، واستحضار الآيات والأحاديث واقتطاعها من سياقها الصحيح لهذا الغرض.

 

والواقع أن هذه القضية يجب أن تلقى كل الاهتمام في هذه المرحلة التي يتم فيها استهداف المسلمين والعرب وإشعال الحرائق بينهم، وأحسب أن بعض الإجراءات، فضلاً عن تطوير الوعي، يمكن أن يكون علاجًا لهذه الفتنة، وأول هذه الإجراءات ضرورة العمل داخل الدول ذات الأقليات أو الأكثريات الشيعية على تأكيد مبدأ المواطنة في دولة حديثة يظل الدين فيها في مكانه الأخلاقي وليس السياسي؛ مما يتطلب الكثير لتأكيد ثقافة المواطنة قولاً وعملاً.

 

أما الإجراء الثاني فهو أن يساعد الإعلام المستنير على عمليات بناء الأمم على أساس الولاء للوطن الجغرافي الذي يُشعر الجميع بأن له فيه ما لغيره على قدم المساواة، وهذه نقطة خطيرة بعد أن باعد الفساد والاستحواذ لفئةٍ قليلةٍ المقدرات دون الأغلبية الساحقة حتى من نفس المذهب ونفس الوطن.

 

أما الإجراء الثالث والمهم فهو الحوار العربي الإيراني الذي يمكن أن يكون صمام الأمان عندما يؤدي الحوار إلى الاعتراف بالمصالح المشروعة لكلا الطرفين؛ فمن المعلوم أن هناك أزمة ثقة عميقة بين إيران والعالم العربي لأسبابٍ ترجع إلى الطرفين، كما ترجع بشكل أكبر إلى الصراع بين إيران والولايات المتحدة و"إسرائيل"؛ بحيث أصبحت إيران هي المساند الوحيد للمقاومة العربية في وقتٍ لم تعد المقاومة هي العقيدة الرسمية عند الحكومات العربية، فأصبح الموقف الإيراني محرجًا للحكومات العربية مع شعوبها.

 

صحيح أن الموقف الإيراني يدافع عن الكرامة العربية والحقوق المغتصبة حتى دون أن تقصد إيران ذلك؛ ولذلك يتعين على الحكومات العربية أن تحل إشكالية موقفها من المقاومة التي فرضتها ظروف الغصب "الإسرائيلي" والأمريكي، وهي مقدمة أساسية للحوار مع إيران، ونأمل ألا ينقلب الموقف فتسوي إيران موقفها مع الولايات المتحدة بما لا يؤدي إلى التخلي عن المقاومة، فتقف إيران حين أذنٍ في صفٍّ موازٍ للحكومات العربية، ولكن في إطارٍ واحد، وهو التوافق بشكلٍ أو بآخر مع الولايات المتحدة و"إسرائيل".