العمل الأهلي والمجتمعي في كل بلدٍ مهمٌّ وضروري؛ فهو في الدول المتقدمة التي لديها مؤسسات وحكومات وطنية ومنتخبة له دَور فعال مؤثر، فما بالنا بالدول النامية وأهمية هذا العمل بالنسبة إليها؟!.

 

المصرفي البنغالي والخبير الاقتصادي محمد يونس، والذي فاز بجائزة نوبل عام 2007م، قدَّم نموذجًا محترمًا للعمل التطوعي الأهلي لأبناء وطنه بأن أنشأ مصرفًا يمنح قروضًا ميسرة لأفراد المجتمع البنغالي الفقير، خصوصًا النساء؛ من أجل مساعدتهم في إنشاء مصالح ومشروعات صغيرة تنّمي مجتمعاتهم وترفع من مستواهم وتُخرجهم من الفقر الذي يعيشوه.

 

تطوَّرت فكرة البنك في بضع سنين حتى أصبح اليوم يضم 1176 فرعًا؛ يعمل فيها جميعًا 11777 موظفًا لخدمة حوالي مليونين ونصف المليون من العملاء المقترضين، من مجموع 41187 قريةً؛ نسبة النساء الفقيرات منهم 95%.

 

وقد بلغ إجمالي القروض التي منحها منذ إنشائه 3.7 بلايين دولار؛ سُدِّد منها 3.4 بلايين دولار، أي أن نسبة التحصيل بلغت 98%؛ استثمرت هذه القروض في نشاطات اقتصادية وخدمات اجتماعية متنوعة؛ منها على سبيل المثال القروض الممنوحة لتعليم أبناء الفقراء.

 

في بلادنا الحبيبة مصر؛ حيث ضياع الشفافية وتقلُّص دَور السلطة التنفيذية، وتقييد دَور السلطة التشريعية، ومع التصدع الذي أصاب مناحيَ كثيرة نتيجة الفساد والاستبداد.. تبرز أهمية هذا العمل التطوعي الخدمي؛ فالأزمة الاقتصادية تطحن الشعب، والحكومة الإلكترونية (المهنِّجة)، تتجه إلى الترقيع وليس إلى الحلول الجذرية للمشاكل التي تواجهها، وكل ما نجحت فيه هو استنزاف هذا الشعب إلى آخر قطرة دم، بدلاً من فتح موارد وآفاق جديدة لإنشاء مجتمعات ومشروعات إنتاجية جديدة.

 

في بلادنا أصبح العمل الأهلي فرض عين، وما نراه وما تقوم به بعض الجمعيات من دَورٍ رائعٍ في كفالة مئات الآلاف من الأيتام هو دليلٌ دامغٌ ومهم لفاعلية هذا التدخل، وهو ما شجَّعني اليوم على أن أقدم اقتراحًا أحلم وأتمنى أن يجد صدى عند الكثير من رجال الأعمال المصريين الوطنيين الشرفاء وأصحاب شركات المقاولات الكبرى في بلادنا، الذين يعملون في مجال الاستثمار العقاري.

 

أقول لهم وأقترح عليهم:

نريد تحرُّكًا بحس وطني وحبًّا في هذا البلد وهذا الشعب.. تحركًا خيريًّا.. تحركًا تطوعيًّا.. تحركًا لله.. تحركًا لمصر؛ من أجل شباب وبنات هذا الوطن.

 

فالبطالة والعنوسة تضرب بلا رحمة ولا هوادة أبناءنا وبناتنا، ووصلت إلى معدلات مخيفة ومرعبة.

 

أسعار مواد البناء نتيجة السياسات الحكومية الفاشلة التي تصل إلى حد التواطؤ مع بعض المحتكرين، أصبحت نارًا، وبالتالي أصبح توفُّر شقة الزوجية لهؤلاء المساكين ضربًا من ضروب الخيال.

 

وعليه أقترح عليكم عملاً جادًّا ومهمًّا وكبيرًا في إنشاء مساكن للشباب في أماكن مناسبة على أطراف المدن؛ تكون على شكل (إستوديوهات) أو (غرف فندقية) بحيث يتكون هذا النموذج من غرفة، ملحقٍ بها مطبخ ودورة مياه في حدود 30 مترًا مربعًا، ويبدأ فيها العروسان حياتهم الزوجية فيها بسعر يكون في متناول الجميع في حدود 10000 آلاف جنيه، وبحق انتفاع لعشرين عامًا، ويكون الإيجار الشهري في حدود 50 جنيهًا شهريًّا، على أن تكون هناك ضوابط لمثل هذه العملية:

1- يتولى الإشراف على عملية اختيار الساكنين أصحاب المشروع أنفسهم، بعيدًا عن البيروقراطية الحكومية ومشاكلها والمحسوبية والفساد الموجود بها.

2- لا يتم مد الإيجار للأبناء.

3- في حالة تحسن حالة المستأجر ورغبته في التوسع وإخلاء السكن يتم ترك المسكن مع تعويضه من مستأجر آخر بنسبة معقولة مما دفعه.

4- يتم أخذ تعهد على المستأجر بعدم غلق العين المؤجرة عند حصوله على سكنٍ آخر، بل يقوم بتسليمها، وليستفد منها عروسان آخران عن طريق مراقبة استهلاك الكهرباء والمياه داخل العين المؤجرة؛ فالسكن لمَن يسكنه.

5- يتم التسليم والحجز مع تقديم قسيمة الزواج الحديث الدالة على ذلك، والأولوية للفتيات اللاتي تعدت أعمارهم 27 عامًا والشباب أكثر من 30 عامًا.

6- كما أسلفنا يجب رفع يد الجهات الحكومية إلا من تقديم التسهيلات والتراخيص الممنوحة لهذا المشروع.

 

تعالوا نتصور معًا ماذا يمكن أن يحدث عند اتجاه بعض رجال الأعمال لمثل هذه المشاريع.. المبنى الواحد يُشبه الشكل الفندقي، الدور به 40 (أستوديو) أو غرفة فندقية، المبنى 6 أدوار، أي 240 أسرة (عريس وعروسة)، لو تعهد كل رجل أعمال بإنشاء 20 مبنًى فمعنى ذلك أن هناك 4800 أسرة، أي 9600 شاب وفتاة نرحمهم من نار العزوبية ومأساة العنوسة.

 

نريد فقط 1000 رجل أعمال أو مقاول يريدون أن يستثمروا في حب مصر وشعب مصر.. بهم ستُحلّ هذه المشكلة في سنوات قليلة، ويمكن تطوير الفكرة بإنشاء هذه المشاريع في الأماكن الجديدة التي نرغب في توطين الناس بها حمايةً للأمن القومي مثلاً، ويتزامن ذلك مع إنشاء 1000 مصنع المزعومة في برنامج الرئيس.

 

هذا يحدث في الدول التي تحترم وتُقدِّر مواطنيها؛ فهو شغل حكومات وأنظمة لتوفير المشرب والمسكن والمأكل للشعب، ولكن دعونا نراهن على بني جلدتنا ووطننا في أن تكون زكاة أعمالهم وأموالهم في هذه المشاريع الخدمية الرائعة؛ فكل ما نطلبه ممن يقومون بإنشاء القرى السياحية الضخمة والشقق المليونية أن يكون ضمن مشاريعهم مبانٍ من تلك النماذج لتزويج شباب وبنات الوطن.. وما أروعه، وما أفضله، وما أحسنه من مشروعٍ يعف شابًّا وفتاةً ويساهم في إنشاء أسر جديدة في زمنٍ عزَّ فيه توفير أبسط معطيات ومقدرات الحياة!.

 

ما أعظم الاستثمار في خدمة الوطن!.

 

يا سادة.. هناك نفوس تموت كمدًا وكبتًا وحرمانًا من الحلم بالأمومة وإنشاء بيت وأسرة.
 من فضلك ابحث معنا عن رجل أعمال بيحب مصر.

--------

* مدير مركز ضحايا لحقوق الإنسان- haythamabokhalil@hotmail.com