د. حامد أنور

وها هي أسعار النفط تعاود ارتفاعها من جديد، ولم تفلح توسلات بروني في مؤتمر جدة وأدبه الجم في أن يطفئ من لهيبها، ويبدو أن إرث الدبلوماسية البريطانية أصابه العطب.
لقد تجاوز سعر البرميل ولأول مرة في التاريخ مائة وأربعين دولارًا، وعناقيد المليارات تتدفق على دول الخليج، ولكن يبقى السؤال: هل هي أموال حقيقية أو مجرد عملات ورقية يفرح بها أولئك الناس الطيبون بينما تتآكل قيمتها من لحظة إلى أخرى؟ إنهم يستبدلون براميل البترول ببراميل من الأوراق؛ ففي ظل شح الموارد وارتفاع التضخم تفقد العملات الورقية الكثير من قيمتها، خاصةً أنهم يقومون باستثمارها في العقار والمباني، وليس في مصانع ذات إنتاجية عالية أو استصلاح أراضٍ تزيد إنتاجيتها من المحاصيل الزراعية، في ظل هذه الأزمة الغذائية العالمية، أي أن استثماراتهم ليست ذات جدوى أو مردود اقتصادي.. إنهم حقًّا أناس طيبون للغاية، ولكن هل تلجأ أمريكا إلى خداع دول الخليج، من خلال أمر بسيط تقوم أمريكا بطبع المزيد والمزيد من الدولارات وتقوم باستنزاف البترول الخليجي بقدر الإمكان وتُحدث فقاعة كبرى فتصل الأسعار إلى مائة وخمسين دولارًا, لا يهم, إلى مائتي دولار, لا يهم، ثم ما تلبث الفقاعة أن تنفجر؟!
فبعد تكدس الثروات النفطية في مخازنها وتراكم البترول في أراضيها تقوم بتغيير عملتها الدولار وتحدد قيمة عملتها الجديدة؛ بما يتناسب ويتواءم مع ما تراكم وتكدَّس لديها من ذهب أسود وثروات بترولية، ولن تُعدَم أمريكا مبررًا، ستخرج لنا حينها مجموعةً من المبررات؛ مثل التحديات الدولية، والتغيرات المعاصرة، والحداثة، وما بعد الحداثة، وما جنب الحداثة، ولا بد من البحث عن عملة جديدة تتفق ومعطيات الواقع الاقتصادي العالمي الجديد، وحينئذٍ ينهار الاقتصاد الخليجي القائم على سلعة واحدة، فهل تفعلها أمريكا لأن بلاد الشرق تفيض نفطًا ودفئًا؟!
لقد قدر الله سبحانه وتعالى لهذه المنطقة؛ منطقة البداوة والتصحر، أن تكون هي مداد العالم الروحي والمادي؛ فمنها خرجت رسالة الإسلام لتنشر النور في الأرض، ومنها يستخرج النفط شريان الحضارة الغربية المعاصرة؛ فالنفط هو المسئول عن تسارع وتيرة التقدم العالمي بعد الحرب العالمية الثانية؛ لأن الطاقة هي عصب الصناعة، كما أن الماء عصب الزراعة، وفي ظل صعوبة استخراج الفحم وخطورة الطاقة النووية ونفاياتها وعدم توافر الطاقة الشمسية طوال الوقت مثلها مثل طاقة الرياح التي يحاول براون الآن خداع العرب بالاستثمار فيها والاستيلاء على أموالهم من خلال مشروع المائة المليار دولار.. يبقى النفط هو الفارس الأوحد على الساحة والركن الركين للتقدم التقني الغربي؛ فهل يستطيع العرب أن يستخدموا أسلحتهم أو أن الخيبة التي التصقت بهم تأبى أن تفارقهم؟
ولكن في ظل هذا التوتر الاقتصادي الذي يضرب العالم كيف لدولة مثل مصر باعت كل ممتلكاتها ولم يعد لها سوى وريقات محدودة تتمثل في قناة السويس والسياحة والبترول لتلعب بها على الساحة الدولية؛ كيف لها أن تواجه هذا الطوفان المدمر الذي أورث الشعب الفقر المدقع رغم تعدد موارده؟
إن مصر تطل على بحرين ويشق النيل أرضها، وتحتوي على ثلث آثار العالم، وتصدر البترول والغاز الطبيعي، ومع ذلك- ويا للعجب!!- تتسوَّل قوتها، إنها إنجازات الحزب الوطني الذي اطمأن إليه الشعب, والحلول كثيرة، ولكن يبقى الأمر متعلقًا بالرغبة الصادقة والنوايا الحقيقية، هل المسئولون جادون أو أنهم يطلقون تصريحات جوفاء في الهواء للاستهلاك الإعلامي، بينما الرغبة الصادقة لا تعرف إلى نفوسهم سبيلاً؟ هل يُجيدون اللعب أو هم على كل الموائد دائمًا الخاسرون؟ الحل لن يكون أبدًا في بيع بنك أو شركة، فالمفروض كما يقال أعطني صنارة ولا تعطني سمكة، والحكومة تقوم بكل أسف ببيع كل الصنانير الاقتصادية التي يمكن من خلالها اصطياد الرفاهية للشعب.
ولكننا لن نبخل عليهم بالنصيحة، سائرين على خطى يوسف الصديق عليه السلام، ومن أجل هذا الشعب ينبغي للجميع أن يعلم أن العالم كله لديه القدرة على حصار أي دولة إلا مصر أرض الكنانة هي الوحيدة القادرة على حصار العالم من خلال قناة السويس وموقعها الجغرافي؛ فلا بد من استغلالها جيدًا، فهيئة قناة السويس قامت بزيادة الرسوم فيها، والتي تحصِّلها بالدولار، بنسبة 7%، وهذا من الغباء الشديد؛ ففي ظل انهيار الدولار الأمريكي وانخفاض قيمته الحقيقية إلى النصف يجب رفع الزيادة بما لا يقل عن 50% ويتم تحصيلها بالجنيه المصري حتى تتصاعد قيمته أمام العملات الأخرى ويتزايد الطلب عليه في الأسواق العالمية، وترتفع أيضًا قيمته الشرائية.. هنالك سوف يُخرج لكم عدوكم ورقة- هذا إن كان عدوكم- وكل ما سيفعله تسريب خبر في وسائل الإعلام عن التفكير- فقط مجرد التفكير- في حفر قناة بين البحرين الأبيض والمتوسط عبر البحر الميت، فلا تنخدعوا لأنه رغم صعوبة تنفيذ الأمر فنيًّا لانخفاض منطقة البحر الميت عن مستوى البحرين؛ مما يؤدي إلى إغراقها وصعوبة مرور السفن نزولاً وصعودًا من البحر المتوسط إلى البحر الميت، ثم إلى البحر الأحمر، إلا أن العدو وإن استطاع أن يتغلب على هذه الصعوبات الضخمة إلا أنه سيرفض هذا الأمر لخطورة ذلك على الأمن القومي له فكيف يقسم أرضه نصفين بقناة مائية وعائق جغرافي؟ إنه يقدم أكبر هدية للمجاهدين الفلسطينيين.
فينبغي لنا ألا ننخدع بما يُسرَّب إلى وسائل الإعلام، مثلما فعل من يرى نفسه المحلل السياسي الأوحد في هيكل السياسة العربية، حين حدثنا عن رغبة الكيان الغاصب في توطين الفلسطينيين في سيناء، وهو لن يفعل، ولو رغب لفعل منذ زمن، فالأفضل له أن يظل الفلسطينيون محاصرين في قطاع غزة الضيِّق، على أن ينتقل إلى مساحة أوسع ذات طبيعة جغرافية معقدة، كما أن "المتهورين" منهم قد يستهدفون الملاحة في قناة السويس؛ مما يؤثر في السلام العالمي، وقد يضربون بصواريخهم البسيطة منفذ الكيان الغاصب الوحيد على البحر الأحمر؛ فتأتي بنتائج مذهلة ويحتمون بجبال سيناء الوعرة أفضل من بيوتهم المكشوفة في قطاع غزة؛ لذلك هو لن يرضى عن هذا الأمر.
لا بد أن نفكِّر فيما يتم تسريبه وإعمال العقل فيما يقال؛ لا أن نردده كالببغاوات، ينبغي ألا نترك آلة الإعلام الغربي هي التي تقودنا والتي تحرِّكها سياسة فاشية، لقد جعلوا الطوارئ والتعديلات الدستورية في مصر شأنًا داخليًّا، أما أزمة زيمبابوي فيدعون العالم؛ كل خلق الله، للتدخل!.
-------