نقابة المحامين طوال تاريخها ومنذ نشأتها، فوق أنها تُمثل رقمًا صعبًا في المعادلة السياسية المصرية، فقد شكَّلت- وبحق- صداعًا مزمنًا في رأس كافة الأنظمة الحاكمة والمتعاقبة على حكم مصر بمواقفها الوطنية في العديد من القضايا ذات البُعد الوطني والقومي، وبالذات قضايا الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان وقضايا الأمة العربية والإسلامية؛ مما دفع تلك الأنظمة في العديد من المواقف إلى حلِّ مجلس نقابة المحامين مرات عديدة، بل واعتقال أعضاء المجلس وسجنهم مرات أخرى مثلما حدث عقب معارضتهم معاهدة كامب ديفيد، وأيضًا عقب استنكار المجلس تعذيب زميلهم الأستاذ عبد الحارس مدني حتى الموت على يد ضباط أمن الدولة عام 1994م.

 

وقد تعاقب على عضوية مجلس نقابة المحامين الوفديون تارةً واليساريون تارةً أخرى، ثم خليط من هؤلاء وأولئك، وتحوَّلت النقابة في كثيرٍ من الأحيان إلى ساحةِ صراعٍ مريرٍ بين تلك الطوائف وقتالٍ استخدمت فيها الأسلحة النارية واستُقدم العشرات من البلطجية لضرب المحامين المعارضين، بل وصل الأمر بإحدى تلك المجالس والتي كان النقيب الحالي أحد قادته إلى شطب أعلام المحاماة من جداول النقابة، أمثال الدكتور محمد عصفور، والدكتور حلمي مراد، وأحمد ناصر، وغيرهم قبل أن يعيدهم القضاء بحكمٍ تاريخي وبناء أسوار حديدية عالية لمنع المحامين المعارضين لسياسات تلك المجالس- والذين منعوا من دخول نقابتهم- من القفز فوق أسوارها حتى يتمكنوا من إنهاء أعمالهم.

 

وقد كان اللافت للنظر حينئذٍ تورُّط أجهزة الأمن في ترك تلك الأحداث المؤسفة دون أي تدخل، وأطلق اللواء زكي بدر وزير الداخلية آنذاك قولته المشهورة لأحد ضباطه: "سيبوهم ولاد الـ... ياكلوا في بعض".

 

وقد حرص المحامون الإخوان على أن ينأوا بأنفسهم عن المشاركة في تلك الأحداث، والتي أكدت أن المحامين في حاجةٍ إلى قيادةٍ جديدةٍ تُعلي من شأن المصلحة العامة فوق المصالح الشخصية، وتعيد إلى النقابة سابق مجدها، وخاصةً أن مجلس النقابة آنذاك وفي أواخر الثمانينيات أنفق ما يزيد عن ثلاثة ملايين جنيه لحساب البلطجية الذين كان يُحتَمى بهم من غضبة المحامين!!.

 

ثم كانت انتخابات عام 1992م، وكان طبيعيًّا أن يختار المحامون مجلسًا يثقون به، وكانت مفاجأة من العيار الثقيل؛ فقد اختار المحامون مجلسًا بأغلبيةٍ كاسحةٍ من الإخوان المسلمين وحلفائهم (23 عضوًا من 24) بعد أن أزاحوا مجلسًا يُعَدّ- وبحق- سُبَّةً في تاريخ النقابة، والذي تحوَّل بعد سقوطه المدوي إلى مِعْول هدم لإنجازات المجلس الجديد، وخاصةً بعد أن طرح العديد من الإنجازات غير المسبوقة، مثل مشروع علاج المحامين وأسرهم، وزيادة المعاشات مرتين لأول مرة في تاريخ النقابة، وتسيير أسطول من الأتوبيسات لنقل المحامين من المحاكم وإليها، وإنشاء عشرات النوادي الاجتماعية في كافة المحافظات لرعاية المحامين وأسرهم، وغيرها من المشروعات وفي زمن قياسي.

 

وأُعلنت الحرب على المجلس الوليد التي شملت وسائل الإعلام الحكومية، وكالعادة تدخَّل مجلس الشعب بتشريعٍ مشبوه هو القانون 100 لسنة 1993م، وكانت تلك بداية الأزمات التي شملت النقابات كافة؛ حيث وُضع العديد من القيود على انعقاد الجمعية العمومية للانتخاب باشتراط حضور 50%؛ مما أدى إلى تجميد شامل للنقابات منذ عام 1993 وحتى الآن.

 

ومن المفارقات العجيبة أنَّ عددًا من أعضاء مجلس النقابة الذين فشلوا في الحصول على ثقة المحامين آنذاك قاموا برفع دعوى قضائية لفرض الحراسة القضائية على النقابة، وكان مهندس تلك الدعوى هو أيضًا النقيب الحالي!!، وفُرضت الحراسة على النقابة سبع سنواتٍ، وظن المتآمرون أن المحامين غير قادرين على انتزاع نقابتهم مرةً أخرى حتى رفعت بحكم قضائي تاريخي ضربت فيه الأستاذة فاطمة ربيع المحامية، والتي تبنتها أروع مثال للمحامية الشريفة القديرة.

 

ورغم كل المعوقات والقيود المفروضة في القانون 100 لسنة 93 فقد اجتاز الإخوان وحلفاؤهم تلك العقبات، وجاءوا في انتخابات 2001 بأغلبية كاسحة (22 عضو مجلس من 24)، حتى كانت انتخابات 2005م، واكتسح الإخوان أيضًا وحلفاؤهم، ولكن هذه المرة عبث بها المزورون في مرحلة إعلان النتيجة ليتم استبدال- وبدم بارد- ثمانيةً من قائمة الإخوان بثمانيةٍ من قائمة النقيب، وهو ما أكده تقرير هيئة المفوضين بمحكمة القضاء الإداري، وتلك مقدمة لازمة لنوضح أن الأزمة في نقابة المحامين مشتعلة حتى قبل أن يظهر الإخوان على ساحة العمل النقابي بشكلٍ لافتٍ في أوائل الثمانينيات، وأن الأيدي التي تلوَّثت بفرض الحراسة في الماضي هي هي التي تمتد الآن لتضع حراسةً على نقابة المحامين، ولكن هذه المرة بتشريعٍ وليس بحكم قضائي من خلال نصٍّ مخالف للدستور، وهي سقطة كان ينبغي أن ينأى عنها من يحمل صفة ممثل المحامين.

 

ومن العجيب أن يتم التنسيق في طرح هذا القانون المشبوه، وعلى أعلى مستوى، بين نقيب المحامين الذي استطاع أن يلعب بإجادة داخل أروقة النقابة على خلفية الصراع السياسي المحتدم بين الإخوان ونظام الحكم ليكوِّن حلفًا غير مقدس، وبين اللاعبين في لجنة السياسات وأمانة المهنيين بالحزب الوطني، ولولا وقفة الشرفاء من المحامين في تلك الأزمة لبيعت نقابة المحامين بلا رجعة في وقتٍ أرادت فيه الحكومة إرسالها إلى دائرة الظل في ظل الأوضاع السياسية الراهنة.

 

وقد أظهرت أزمة تعديل قانون المحاماة عدة حقائق لا تخفى على أولي الألباب؛ أولها: أن الذين فرضوا الحراسة القضائية على نقابة المحامين في الماضي يدفعهم الحنين مرةً أخرى إلى ممارسة نفس الدور ولو كان من خلال تشريع، على الرغم من أن الشرف كل الشرف أن يأتي منتخبًا لا معينًا.

 

ثانيها: أن القانون لاقى معارضةً شديدةً من غير الإخوان؛ فحزب الوفد رفضه، وأصدر بيانًا، وشيوخ المهنة، وعلى رأسهم العلامة الدكتور سليم العوا، رفضوه وعددوا في بيان تاريخي مثالبه، ورفضه اليساريون وكثير من الناصريين الشرفاء، وعلى رأسهم الأستاذ عبد الحليم قنديل، والأستاذ عصام الإسلامبولي المحامي.

 

ثالثها: أن الجدل الكبير حول القانون أظهر العوار الكبير الذي اشتملت عليه مواده، وأكد الحاجة إلى ضرورة طرح قانونٍ يتوافق عليه الجميع؛ لا تكون للمصالح الشخصية دخل فيه.

 

رابعها: ينبغي أن يتجنب مقدم القانون الوقوع في تقديم نص موسوم بعدم الدستورية، خاصةً إذا كان ممثلاً للمحامين.

 

خامسًا: أن مستقبل النقابة يحتاج إلى نضال كل المحامين، ولن يستطيع فصيل سياسي أو شخصٌ الاستئثارَ بها دون باقي المحامين، وهناك درس أرجو أن يكون قد وعاه مقدمو القانون؛ أن المراهنة على النظام خاسرة، وأن الحسابات قد تتغير في ثانية.

 

سادسًا: أن السيد النقيب أشغل نفسه وأشغلنا بصراعٍ داخلي طوال سبع سنوات خرج منه والمحامون يتساءلون: "ما هو المشروع أو الإنجاز الذي يمكن أن نشير إليه طوال تلك السنين؟!"، ونقول هذا هو إنجازه، أو هذا مشروعه... أرجو إن وجد أحد إنجازًا واحدًا فليذكره لي، وأقسم أني سأشكره عليه.

 

سابعًا: لا ينبغي التساؤل عمن انتصر ومَن انهزم في تلك الأزمة؛ فالمؤكد أن المنتصر هو إرادة المحامين.