نجحت الجهود المصرية التي قادها بكفاءة عالية الوزير عمر سليمان مدير المخابرات في إخراج التهدئة بين العدو الصهيوني، وبين الفصائل الفلسطينية المقاومة في قطاع غزة وفق الرؤية المصرية، والتي ستتم على مراحل.

 

وبالفعل بدأت المرحلة الأولى مع صباح الخميس الماضي وسط ترقب وتفاؤل حذر وتساؤلات من كافة المراقبين: هل تصمد هذه التهدئة طويلاً؟

 

وهل يمكن أن تتلوها بقية المراحل التي تعمل المخابرات المصرية على إنجازها؟

 

وما هو تأثير تلك التهدئة على بقية الملفات، خاصةً ملف المفاوضات بين العدو الصهيوني، والسلطة الفلسطينية بقيادة مجموعة محمود عباس؟

 

تساؤلات كثيرة وملحة ولا إجابات يقينية عند أحد في الأفق المنظور خاصةً مع استحضار التجارب السابقة مع العدو الصهيوني، وانهيار كافة جهود التهدئة أو الاتفاقات على صخرة التوسع الصهيوني والاستيطان المستمر ونبذ العهود والمواثيق الذي عرفناه عن العدو الصهيوني.

 

الجديد هذه المرة في اتفاق التهدئة هو حاجة كل الأطراف إليه، بما فيها العدو الصهيوني.

 

مصر الراعية للاتفاق أصبحت في قلب الحدث الفلسطيني بعد الانقسام الحاصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، ومع تزايد الحصار الإجرامي على مليون ونصف المليون إنسان على الحدود المصرية، ومع فشل الجهود الأمريكية والصهيونية والعربية كسر إرادة المقاومة الفلسطينية في غزة والضفة، ومع تزايد الخوف المصري من تكرار اجتياح الحشود البشرية الهائلة للحدود المصرية نتيجة الحصار والجوع والمرض ولبواعث إنسانية بحتة ليس فيها أي أبعاد سياسية خاصةً مع التصريح الشهير للرئيس مبارك إن مصر لن تسمح بتجويع غزة، فقط للأبعاد الإنسانية ولكن استجابة لحاجات الأمن القومي المصري الذي ما زال يختزن في إدراكه أن الخطر الحقيقي يأتيه من العدو الصهيوني، وأن ترك القضية الفلسطينية دون حل عادل سيؤدي لا محالة إلى تهديدات خطيرة لمجمل الأمن القومي العربي وخاصةً الأمن القومي المصري.

 

مصر الرسمية التي تبحث عن دور يستعيد لها مكانتها في العالم العربي بعد التآكل الشديد والتدهور المريع الذي أصاب المكانة والقدرة المصرية مع تصاعد أدوار لدول أخرى ليس لها قدرات ولا إمكانات مصر، ومصر الشعبية التي تؤيد الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وترفض التطبيع مع العدو الصهيوني، وتساند المقاومة الفلسطينية الشجاعة، مصر كلها ترمي بثقلها خلف هذه التهدئة، وتريد أن تكمل بقية المراحل عسى أن يضع الفلسطينيون أنفسهم على طريق جديد لانتزاع حقوقهم المسلوبة.

 

بقية المراحل المطلوبة الآن، والتي يمكن أن تلعب فيها مصر دورًا رئيسيًّا هي:

أولاً: إنجاز اتفاق لتبادل الأسرى بين حماس، والعدو الصهيوني يسترد فيه الجندي الأسير جلعاد شاليط حريته مقابل الإفراج عن مئات الأسرى الفلسطينيين، وهو أحد شروط استقرار التهدئة الحالية، ورفع الحصار الكامل عن قطاع غزة، وفتح معبر رفح بصورة منتظمة.

 

ثانيًا: تحقيق مصالحة وطنية فلسطينية بين الفصائل كافة، ووضع برنامج وطني يتفق عليه الجميع في مواجهة الصلف الصهيوني الذي تؤيده الإدارات الأمريكية المتعاقبة خاصةً مع إدراك الجميع أن الوعد الرئاسي الأمريكي قد يتبخر وأنه لا مجال لأي إنجاز خلال الشهور القليلة الباقية من عمر إدارة الرئيس بوش الذي أعطى العدو الصهيوني أكثر مما أعطاه أي رئيس أمريكي سابق.

 

وهذه المصالحة صعبة وتحتاج إلى تنقية الفصيل الرئيسي فتح من الطابور الخطير الذي زرعه العدو في قيادته، والذي يلتف حول أبو مازن ويستفيد من المراوغة الحالية التي لا تحقق شيئًا إلا بمجرد الجعجعة في الفضائيات، والإيهام بأن هناك مفاوضات، هذا الفريق الذي يرى المقاومة انتحارًا والصمود عبثًا والممانعة ترفًا، وما زال يراهن على العدو الصهيوني والراعي الأمريكي.

 

العدو الصهيوني يحتاج التهدئة أكثر من غيره لأنه في أحرج اللحظات السياسية داخليًّا، هناك غموض حول مصير الحكومة ورئيسها بعد قضايا الفساد والحزب الحاكم "كاديما" تهدده النزاعات، والتنافس بين أقطابه، وبقية الأحزاب كالعمل والليكود ليست قادرة على إنجاز صفقة سياسية.

 

وعلى الجانب العسكري أدرك الجميع أن اجتياح غزة ليس بالمهمة السهلة وإذا نجح الاجتياح فسيأتي السؤال: ماذا نفعل؟ هل نبقى في غزة كقوة احتلال مباشر تتعرض للمقاومة والقتل اليومي؟ أم نخرج منها بعد تصفية جيوب المقاومة؟ وما هو ثمن الاجتياح وثمن تصفية المقاومة؟ أقل التقديرات ترجح سقوط حوالي خمسمائة قتيل في الاجتياح، وهو ثمن لا يقدر أي مسئول عسكري على التضحية به في مقابل ضحايا الصواريخ القسامية التي لم تزد حتى الآن على بضعة أفراد.

 

والسؤال الأصعب هو لمن يتم تسليم غزة إذا نجحت خطة الاجتياح؟

هل تعود سيطرة فتح من جديد؟ وما الذي يضمن عدم سيطرة حماس من جديد، وهي الآن أشد مراسًا وأقوى من ذي قبل بعد عام من انفرادها بإدارة أوضاع القطاع، وبعد حصولها على معظم سلاح السلطة الفلسطينية، وعلى الأسلحة التي زودت بها أمريكا والدول العربية عصابات دايتون التي حاولت الانقلاب على حكومة إسماعيل هنية حكومة الوحدة الوطنية؟

 

وما الذي يضمن في ظل وجود عسكري صهيوني كثيف عدم اختطاف المزيد من الجنود لينضموا إلى جلعاد شاليط سبب الأزمة الحالية فتزداد الأزمة سوءًا؟.

 

أما حماس وبقية الفصائل في غزة فقد حققت عبر التهدئة بعض مطالبها وشروطها، وها هي بعد عام من إخماد الفتنة والحسم ضد المتمردين لم تنكسر شوكتها، ولم يتمرد عليها الشعب الفلسطيني، بل ازداد التفافًا حولها، وعندما تتدفق المواد الغذائية والأدوية والوقود ويتم فك الحصار تدريجيًّا سيزداد حجم التأييد الشعبي لحماس وقياداتها ولبقية فصائل المقاومة.

 

وأصبحت حماس رقمًا صعبًا في المعادلة الفلسطينية يستحيل تجاوزه خاصةً بعد إدارتها الحكيمة للقطاع خلال هذا العام، وإبقاء خطوط الاتصال مع الدول العربية وخاصةً مصر مفتوحة للحوار وإبداء المرونة الكاملة للتفاهم من أجل إنهاء الحصار الظالم، وأيضًا مد اليد باستمرار لاستعادة اللُحمة الوطنية من جديد مع حركة فتح والسلطة الفلسطينية بقيادة أبو مازن رغم كل المرارات والمؤامرات، لذلك اعتبر حاييم رامون نائب رئيس وزراء العدو أن حماس هي الطرف المستفيد من اتفاق التهدئة، وأن شهور التهدئة ستقوي وضع حماس مثلما حدث من قبل مع حزب الله بعد اتفاق أبريل الشهير.

 

لا شك أن فريق السلطة الذي بارك التهدئة في محاولة لكسب بعض التأييد الشعبي الفلسطيني، والذي لم يكن طرفًا مباشرًا فيها لم يخسر أكثر من ذي قبل، فخسارته المحققة كانت في رهانه المستمر على المفاوضات العبثية مع العدو الصهيوني، ورهانه الخاسر على وعود الرئيس بوش، أما الآن فإنه أيضًا في حاجة إلى التهدئة ليستعيد توازنه من جديد وليبدأ في التفكير للعودة إلى استعادة حكومة الوحدة الوطنية والاستعداد لمواجهة جديدة مع العدو الصهيوني قد يسبقها هدنة طويلة كما كانت تنادي حماس، فإذا لم يكن الظرف التاريخي مواتيًا لإنجاز اتفاق يحقق الحد الأدنى من المطالب الفلسطينية، وهي دولة مستقلة بحدود عام 1967 وعاصمتها القدس وإنهاء المستوطنات والإقرار بحق العودة للاجئين، وإذا لم يكن بمقدور الفلسطينيين إلحاق هزيمة بالعدو الصهيوني على إعادة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، أو هزيمته الكاملة، وإنهاء المشروع الصهيوني من جذوره فلا أقل من التمسك بالحقوق الفلسطينية، وعدم التنازل عن الثوابت الوطنية، وإقرار هدنة طويلة الأمد يبقى فيها الوضع على ما هو عليه إلى حين تغير الظروف الإقليمية والدولية بما يحقق طموح وآمال الشعب الفلسطيني.