بصرف النظر عن الجوانب القانونية المتعلقة بإنشاء بعثات دبلوماسية في العراق المحتل, ويهمنا أن نناقش الأهمية العملية لوجود بعثات على مستوى السفارة في بغداد، وقد أعلنت بعض الدول العربية، كالبحرين والإمارات العربية المتحدة والأردن والسعودية أنها تعتزم إنشاء بعثات دبلوماسية على مستوى السفارة.

 

هذا الإعلان يُثير عددًا من النقاط التي يتعين مناقشتها بشكلٍ موضوعي وغايتها أن تخدم مصلحة العراق وشعب العراق؛ ولذلك فإنه يجب استحضار عدد من العوامل التي تساعد في تقييم أهمية أو خطورة هذا التطور.

 

العامل الأول: أن الرؤية الأمريكية للعراق تقوم على أساسٍ إستراتيجي، وأنها تنظر إلى الحكم في العراق على أنه جزءٌ من التعايش بين الإستراتيجية الأمريكية والواقع في العراق.

 

بعبارةٍ أخرى فإن الخطة الأمريكية في العراق تهدف إلى استمرار الوجود العسكري والسياسي إلى أمدٍ غير منظورٍ أو إلى أن ينتهيَ النفط العراقي الذي تشير التقديرات إلى أنه سوف ينضب بعد ألف عام, فضلاً عما يتمتع به العراق من مزايا إستراتيجية تجعل الولايات المتحدة في علاقةٍ مستمرةٍ مع دول المنطقة، وخصوصًا إيران؛ ولذلك فات على كثيرين قانون الكونجرس الذي صدر عام 2005م، والذي تضمَّن أن اللغة الفارسية هي إحدى اللغات الرئيسية في التعليم والمخابرات والدوائر الثقافية.

 

يتصل بهذه النقطة أن السياسة الأمريكية المعلنة تشجِّع الدول العربية على إرسال سفراء إلى العراق في إطار إسباغ الطابع الشرعي والعادي على الوجود الأمريكي.

 

العامل الثاني: ويرتبط بالعامل الأول، ويتلخَّص في أن واشنطن قد أكدت منذ بداية غزو العراق أن مجلس الأمن يوافق على هذا الغزو، وفسَّرت القرار 1483 الصادر في سبتمبر 2003م في هذا السياق, ثم صدرت قراراتٌ تاليةٌ من مجلس الأمن رسَّخت الاعتقاد بأن الوجود الأمريكي مشروع، وأن واشنطن سلَّمت السيادة إلى حكومة عراقية منتخبة انتخابًا ديمقراطيًّا؛ وذلك بموجب القرار 1546.

 

والطريف أن الصحف العربية والكتاب العرب يكررون دون وعي هذه الأساطير، كما يقولون إن واشنطن قد لا تطلب تمديد المهلة المخصصة لقواتها بعد هذا العام، أي أن هؤلاء الكتاب لا يتحدثون عن قرار أمريكي بالانسحاب، وإنما عن مهلة قانونية منحها مجلس الأمن، وأن واشنطن قد نجحت تمامًا في تدمير العراق وتريد أن تبقى حتى لا يعود إلى وحدته السابقة.

 

العامل الثالث: هو أن واشنطن تصوِّر الموقف في العراق على أنه صراع بين الخير والشر, وأن الخير هو ما تقوم به القوات الأمريكية، بينما تؤكد أن الشر هو ما تقوم به إيران والقاعدة وجماعات العنف المسلح.

 

والحقيقة هي أن الموقف في العراق يتوزع بين قوى أمريكية وإيرانية ودولية تجعل الساحة العراقية محرقةً للعراقيين، وحوَّلت الشعب العراقي إلى وقودٍ لهذه الملهاة.

 

لقد أنكرت واشنطن أن الصراع في العراق في الأساس هو صراع بين احتلال ومقاومة, ولكن واشنطن تحاول أن تغيِّر أبجديات الموقف في العراق؛ وذلك عن طريق إنشاء حكومات تعيش تحت حمايتها وتأتمر بأمرها, كما أنها شجَّعت قوى الإرهاب في العالم على الدخول في الساحة العراقية حتى تطمس المقاومة؛ حتى يبدوَ أن كل تفجير أو إطلاق للنار من غير القوات الأمريكية التي تستهدف المدنيين بأسلحة محظورة حتى داخل المساجد، هم إرهابيون يجب أن تتوحَّد الجبهة الأمريكية مع الحكومة العراقية وقواتها العسكرية والبوليسية لوقف هذا العنف دون تميز.

 

العامل الرابع: أن إيران دخلت الساحة العراقية بسبب السياسات الأمريكية؛ ولذلك فإن الموقف الأمريكي الحالي يحاول أن يستنهض العالم العربي ضد إيران، بمساندة الغزو الأمريكي، وطبيعي أن تتآمر حكومة المالكي مع الولايات المتحدة لتأييد الوجود الأمريكي في العراق وتخويف العراق والدول العربية من الانسحاب الأمريكي؛ حتى لا تسدَّ إيران الفراغ الناجم عن هذا الانسحاب، وهكذا تمكَّنت واشنطن من أن تصوِّر الصراع في العراق على أنه صراع بين واشنطن المسانِدة للمصالح العراقية وإيران التي تتربص بالعراق.

 

هذا التصوير أغرى أو أَوْهَم عددًا من كبار الكتاب في العالم العربي أن المشكلة ليست واشنطن، ولكنها إيران بمخططاتها وأطماعها في العراق, بل وأكد بعضهم الطابعَ الطائفي للصراع، ويرى بعضهم أن إيران هي الخطر وأن "إسرائيل" هي الصديق!!.

 

العامل الخامس: ترى المقاومة العراقية- التي لا تعترف بها الدول العربية بطبيعة الحال؛ باعتبارها تقاوم الولايات المتحدة- أن تطبيع العلاقات بين الحكومة العراقية والدول العربية بما في ذلك إنشاء بعثات دبلوماسيه كاملة في بغداد يؤدي إلى تكريس الاحتلال، ورغم أن الأكراد وبعض الأجنحة الحكومية من الشيعة لا ترى الوجود العسكري الأمريكي احتلالاً, وأن من الطبيعي أن تبادر الدول العربية إلى إنشاء علاقات دبلوماسية مع العراق, إلا أننا نخالف هذا المنطق، وإذا كان الداعون إلى إنشاء هذه العلاقات يبررون دعوتهم بالرغبة في تأكيد الوجود العربي ضد الوجود الإيراني فهذا في الواقع تبرير أمريكي.

 

خلاصة القول: أننا لا نوافق على تطبيع العلاقات الدبلوماسية بين الدول العربية والعراق للاعتبارات الثلاثة الآتية:

الأول: هو أن العراق لا يزال دولةً محتلةً، ولا يزال نظامها غير ممثِّلٍ للمصالح العليا للعراق الواحد، ولكنه تكريس للمخطط الأمريكي.

 

والثاني: أنه لم يحدث في التاريخ أن أُقيمت علاقات دبلوماسية مع الأقاليم المحتلة, ويعلم الداعون إلى هذه العلاقات مسرحية إسباغ الطابع القانوني على العراق، ويتوهمون أن تغيير صفة قوات الاحتلال إلى قوات متعددة الجنسيات يكفي للقول بأن العراق قد تخلَّص من الاحتلال, بل إن واشنطن تؤكد أن احتلالها للعراق احتلالٌ حميدٌ؛ لأنه يحقق مصلحة الشعب العراقي في الأمن والديمقراطية والازدهار، وأنه نموذج جديد للاحتلال في العصر الحديث!!.