أصبحت زيادة السكان على المستوى الرسمي مشكلةً أساسيةً، تُخَصَّص لها الإعلانات والمجهودات، وتُعقدُ لها الندوات والمؤتمرات، وأصبحت هي الشمَّاعة التي يُعلِّقُ عليها المسئولون فشلَهم في كثيرٍ من المجالات، ونتوهَّم دائمًا أنَّ مشاكلنا لن تُحَلَّ إلا بتحديد النسل.
ومن فرْط التركيز على هذه الحملة القومية، يَكادُ من يُنجب طفلاً ثالثًا، أنْ يَشعُرَ بالخجل، أو يتوارى من الناس؛ أيُمسكه على هونٍ أم يَدُسُّه في التراب، ويَخشي أن يوصَمَ هذا المولودُ في أوراقه الرسمية بـ"ليت أمَّه لم تلده"، أو "غير مرغوبٍ فيه"، أو "تسلَّل إلى البلاد بطرقٍ غير مشروعة"، هذا فضلاً عن أن يمتنعَ أهله عن فرحة استقبال المولود؛ باعتبارِه نعمةً وهِبَةً من الله تعالى، يحتفلون بها بالعقيقة، ويستقبلون التهنئة المسنونة "بورك لك في الموهوب، وشَكرت الواهب، ورُزِقتَ بِرَّه".
وقد تأملت في القرآن الكريم ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسراء: من الآية 70)، وفي الحديث النبوي أن الرجل الذي قال للنبي عليه الصلاة والسلام: إنَّ لي عشرةً من الأولاد، لم أُقَبِّلْ منهم أحدًا، فلم يُعنِّفْه النبي على زيادة النسل، ولم يُبَكِّتْه، وإنما أرشده إلى بعض وسائل التربية؛ أنه إذا لم يُقَبِّلْهم ويلاطفْهم فكأنَّ الرحمة قد نُزِعَت من قلبه، وفي الحديث صراحةً: "تزوجوا الولود، تناسَلوا فإني مُباهٍ بكم الأمم يوم القيامة"، وفي الحديث أيضًا "من كان له ثلاث بنات، فعَالَهُنّ وكَفلهنَّ، دخل الجنة، قلنا: واثنتين؟ قال واثنتين، قلنا: وواحدة؟ قال: وواحدة"، فلحقت الواحدة والاثنتان الفضل الذي تقرر أصلاً للثلاثة.
وهذا عمر الفاروق يجلس في ساعةِ تسامر مع أصحابه، ويقول لهم تمنَّوا، فيتمنى كلٌّ منهم من الأمنيات الصالحة ما يشاء، ثم يجيء الدور على عمر، فيقول أتمنى أن يكون ملء هذه الدار رجالاً مثل أبي عبيدة بن الجراح.
ثم تخيلت بلدنا، وبها نصفُ سكانها، ولكن ما زال بها الظلم والاستبداد، وتزوير الانتخابات، ليأتي في مركز القرار من يقدِّم مصلحته الخاصة على المصلحة العامة، فتتفشَّى الرشوة والفساد ويتميَّع الانتماء، وتسوء برامج الإعلام، ويُهمَل التعليم والتربية للنشء؛ فتجد النسبة الكبيرة من الشباب والأطفال يتسرب إليهم اليأس واللامبالاة، وأقبلوا على التدخين، وما هو أخطر من التدخين، ويُسِّرت لهم أماكن ومشاهد اللهو والاختلاط الفاسد، الذي يثير الغرائز ويُفضي إلى الزواج العرفي والعلاقات المشبوهة بأنواعها، فتضيع الطاقات هدرًا، وتنتشر البطالة حتى يُصيبَنا الكمدُ عندما نجد الباعة الصينيين يتجوَّلون في شوارعنا ومنازلنا..إن المشاكل في هذه الحالة بلا شك ستزداد ولن يُخفِّفَ منها أن العدد قد قل للنصف.
ثم تخيَّلت مصرَ وقد تضاعف عددُها، ولكن انتفى التزوير من انتخاباتها، واستتبَّ العدل في أروقتها، واستقرت الشورى بين راعيها ورعيتها؛ فكان القرار ممثلاً لإرادة شعبها، وكان المسئولون يقدمون مصلحتها العامة، ربما على مصالحهم الشخصية أحيانًا، وربما ذكَّرونا بنفحات العدل أيام عمر في عام الرمادة، والذي ما رمى بالسبب على زيادة السكان، وإنما آمن بالله تعالى الذي "قدَّر فيها أقواتها"، فحثَّ الناسَ على التضرع والدعاء، وأقام فيهم صلاة الاستسقاء، وآلى على نفسه ألا يذوق سمنًا ولا لبنًا ولا لحمًا، حتى يزول الجدب.
بهذه الروح تشيع في الناس روح الانتماء، وينصلح الإعلام والتعليم، وتدبُّ في النشء روح الاقتداء، وتجد الأفكار المخلصة والإبداعات عند الشباب طريقها للتنفيذ، ويتوقف نزيف خيرات البلد؛ فلا يُبَدَّد لقريبٍ سفيه، ولا لِعدُوٍّ كريه.
إن تحقيقَ العدل لا تحديد النسل هو طريق الرخاء، فضلاً عن أنه طريق فيه طاعة لله الذي عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو.
إن الزيادة السكانية موارد وليست أعباء، إذا أُحسن استثمارُها، أولاً باحترامها، وبتهيئة جوِّ الكرامة والحرية لها، وبعدم سرقة مواردها، وتزييف إرادتها، وبالسهر على تربية النشء الصاعد فيها على القيم النبيلة، وتهيئة الجوِّ المحيط المساعد على ذلك.. ساعتها سنجد معادن من الناس نتمنَّى لو كان عندنا أضعاف أعدادهم.
-----------