يمثِّل يوم 5 يونيو 1967م ذكرى أليمةً وحدثًا جللاً يهز كيان كل فردٍ في الأمة هزًّا عنيفًا، ويضع على رءوس الجميع أكاليل من العار والخجل لن يزولَ أثره وتذهبَ قسوةُ تذكُّرِه إلا بأن ينهض المسلمون من سُباتهم الذي طال نومهم العميق الذي قد يفوق نومَ أصحاب الكهف.
ويمثِّل هذا اليوم عندنا نحن الإخوان المسلمين ذكريات أكثر ألمًا، ويعمق فينا جروحًا غائرة تكاد تستعصي على البُرْء والشفاء؛ ذلك بأن يوم النكسة هذا قد جرت وقائعه ونحن في السجون؛ بعضنا في سجن قنا، وكان فيه بقية إخواننا الكبار القدامى منذ عام 1954م، وبعضنا الآخر، وهم يمثِّلون قضية 1965، وهم الذين حوكموا محاكمات عسكرية أمام الفريق الدجوي وعلي جمال الدين وغيرهما، وحصلوا على أحكامٍ تراوحت بين الإعدام وثلاث سنوات، مرورًا بالأشغال الشاقّة المؤبدة والمؤقتة، ووصل عددهم قرابة 400 مسجون من الإخوان.
قبيل أحداث انهيار أو نكسة يونيو كنا في السجن الحربي، وكانوا يجرون علينا ألوانًا من الضغوط النفسية والبدنية، وأشكالاً من الإرهاق البدني والفكري، متمثِّلاً في حرب التجويع وطوابير الجري طوال النهار في الحر الشديد، ثم عمليات غسيل المخ التي خطَّطها صلاح نصر في كتابه "الحرب النفسية"، ونفَّذها وأشرف عليها "عقيل مظهر"، واشترك في التنفيذ حمزة البسيوني وشمس بدران وصفوت الروبي، وشارك من العلماء الشيخ عبد الرحمن بيصار، والشيخ محمد بن فتح الله بدران، والشيخ السبكي، والأستاذ عبد المغني سعيد، والأستاذ يحيى درويش.
واستمر هذا التعذيب بشقَّيه البدني والفكري مدة طويلة، لم يتوقف إلا مع أول قذيفة في نكسة يونيو، ووقتها توقف كل شيء، وبدأنا مرحلةً جديدةً من محنة السجن لها لون آخر ونمط آخر قد يختلف في الشكل وإن لم يختلف في المضمون.
ولا أنسى- والشيء بالشيء يُذكر- أنني اختطفت ونُزعت من وسط إخواني والمعيشة معهم منذ أول فبراير 67، وعُزلت في زنزانة انفراديًّا نتيجة موقفٍ متصلِّبٍ مني أثناء تحقيقات، وظللتُ أعيش وحدي انفراديًّا في الدور الأرضي بالسجن الحربي حتى أعانني الله تعالى على حفظ نصف القرآن الكريم في هذه الخلوة القسرية، ولم أخرج من خلوتي إلا مع بداية طلقات يوم النكسة؛ حيث أخرجوني لأنضم إلى إخواني وأخلى زنزانتي تمهيدًا أو تحسبًا لأن يُسكِّنوا فيها أسرى من اليهود، وهيهات؛ فلم يؤسر منهم أحد.
وسَرَت بين صفوف الإخوان في السجن الحربي أنه بمجرد أن تضع الحربُ أوزارَها ويتحقق النصر لمصر سوف تكون تصفيةٌ جسديةٌ لكل الإخوان في السجن، ولم يُؤثِّر هذا التهديد فينا والحمد لله، وكانت صلتنا بالله تعالى تعلو كلَّ تهديد، وتفوق كل وعيد، وكنا نردد دائمًا قول سحرة فرعون ﴿وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ (الأعراف: 126) و﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (البروج: 8).
ويحكي الأستاذ جابر رزق- رحمه الله- في كتابه القيم "مذابح الإخوان في سجون ناصر" ص 226 أن الشيخ محمد بن فتح الله بدران قُبيل النكسة أعلن أنه سيُجري امتحانًا للإخوان، وبناءً على نتيجة الامتحان يُقسَّمون إلى ثلاث فئات: فئة (أ): وتمثِّل الذين استوعبوا فكر الشيخ بدران بتفوق، وفئة (ب): وهم الأقل منهم مستوى، وفئة (ج): وتمثِّل الذين لم ينجحوا في الامتحان.
تخيَّلوا حال مسجونين في أعتى سجون مصر تسري بينهم هذه الأقاويل والتهديدات المقصودة غالبًا.. ماذا يكون حالهم؟!!.
لقد تجرَّدوا من كل حول وقوة، وتشبَّثوا بحول الله وقوته وطَوْله، وتواصَوا فيما بينهم بالحق وتواصوا بالصبر، وعزموا عزمةً أكيدةً على أن ينتصروا للحق ولا يستجيبوا للفتنة التي أرادها عدوهم وظالمهم، وكان الله بهم رحيمًا ﴿إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ (الحج: 38).
ومن الأمور التي يجب أن نذكرها في هذا المقام أننا قد استقبلنا أخبار النكسة والهزيمة التي تمت منذ اللحظة الأولى بالحزن الشديد والخوف على مصر.. مصر العظيمة بتاريخها الإسلامي العظيم وتراثها وجهادها وريادتها البلادَ العربيةَ والإسلاميةَ، وقيادتها لحركة الإخوان المسلمين الأم والرائدة، ثم مصر كأكبر معقل من معاقل الإسلام وحصونه؛ لكل ذلك رأينا أكثر الإخوان منخرطين في بكاءٍ ونحيبٍ كمن فقد أغلى شيء في حياته، وهذا يذكرنا بموقف بعض إخواننا القدامى وهم في سجن المحاريق بالواحات، عندما تم العدوان الثلاثي (إنجلترا وفرنسا واليهود) عام 1956م، طلبوا من القيادة السياسية وهم في السجن أن يتم تشكيل كتيبة مقاتلة منهم بقيادة واحد فيهم، وهم بين احتمالين: إما أن يستشهدوا في المعركة، وهذا ما تهفو إليه نفوسهم، وإما أن يتحقق لهم النصر والفوز، وفي هذه الحالة سوف يعودون إلى سجونهم راضيةً نفوسُهم، منشرحةً صدورُهم؛ حيث أدَّوا ما عليهم من واجب تجاه أمتهم وربهم.
ولكن لماذا كانت هذه النكسة الصادمة؟!!
لله عز وجل سنن لا تتخلف في أمور النصر كما في أمور الهزيمة، وللنصر وسائلُه كما للهزيمة أسبابها، ويتمثَّل ذلك في قوله- سبحانه- في سورة الأنفال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47)﴾ (الأنفال).
ولم يكن الإعداد لحرب يونيو 67 بالصورة المثلى، سواءٌ من حيث الإعداد القتالي والتدريب والتجهيز أو من حيث التعبئة النفسية والمعنوية والروح القتالية الوثَّابة.
ونذكر أن إدارة التوجيه المعنوي بالجيش قد زوَّدت الجنود وهم في طريقهم إلى ميدان المعركة بصور مشاهير الفن والغناء، مثل أم كلثوم، وعبد الحليم حافظ، وشادية، ونجوى فؤاد.. إلخ؛ باعتبار أن ذلك يمثل زادًا معنويًّا يدفعهم إلى القتال والصمود في ميدان القتال، وكانت الدعاية الكاذبة تصوِّر للناس أن أم كلثوم سوف تصدح بأغانيها بعد أيامٍ قليلة في تل أبيب!!.
وشتان بين هذه الروح التي تبثُّ الميوعة والرخاوة في نفوس المقاتلين وبين تلك الروح التي سرت في المقاتلين في حرب رمضان/ أكتوبر عام 1973؛ حيث إن هتاف (الله أكبر) قد غيَّر موازين القوى، وارتفعت به الروح وسمت على كل عوامل الضعف والانكسار.
إن القانون الرباني يربط النصر في المعارك بنصرة الله عز وجل في واقع النفس والمجتمع والأمة جميعها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7).
وما كان أغلب القادة الميدانيين في غداة النكسة في حالةٍ ترضي الله عز وجل، ولم يتخذوا أسباب النصر، ولم يكونوا باليقظة وسمو الروح اللذين يؤهلانهم لتنزُّل رحمات الله وفضله.
وكيف يتحقق نصرٌ والشعب المصري مكبَّل بالأغلال، مكتوم الأنفاس؛ لا يتكلم ولا يسمع ولا يرى، يخاف من خياله؟!، ودائمًا تسمع أن الحيطان له آذان.. التجسس شائع والخوف يهز أوصال الجميع، والتقارير يتبارى في كتابتها الكل؛ الآباء والأبناء، الطلبة والمدرسون، العامة والخاصة.. الكل قد فسدت نفوسهم وعَطِنَت أرواحهم إلا من رحم الله.
نحن أمةٌ أعزها الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله.. أليست هذه حقيقة ؟! ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ (فاطر: من الآية 10).
لذلك فإن ولاءات الأمة إذا توزَّعت ولم تنطلق من معينها ومصدرها الحقيقي فإن كل الأعمال إلى بوار، وستصبح هباءً منثورًا.
الكيان الصهيوني يقاتل بعقيدة تلمودية توراتية يسترجع ويستعيد أفكارًا منحوتة في صخور الزمن الغابر، ويحاول أن ينفخ الروح في جسد فقد كل مقومات الحياة، ويجمع على هذه العقيدة الظالمة الكاذبة شُذَّاذ الآفاق من 90 جنسية ويحيي اللغة العبرية التي انقرضت منذ زمنٍ بعيد.
ونحن في بلادنا ابتلانا الله بمَن يسوق الأمة إلى ضلالات، ويرفع شعارات في المعركة بعيدةً كل البعد عن مصدر القوة والمنعة.. عن الإسلام؛ فهذه راية القومية، أو العلمانية، أو لا دينية، وعدونا يحب لنا ذلك، بل ويخطط له ويدفع إليه، وهو يريدها معركةً بين قومية وصهيونية، لا بين إسلام ويهودية.. هو يجيز لنفسه أن يربيَ أمته على اليهودية، ولا يحب أن نجتمع نحن على الإسلام؛ لأنه يعلم تمامًا ويقينًا أن تمسكنا بالإسلام فيه القضاء المُبرم على كيانه الهش الهزيل، ولكن لا مفرَّ من ذلك في نهاية المطاف ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ (الشعراء: من الآية 227).