المعلوم أن اتفاق الدوحة قد لقي ارتياحًا في لبنان والعالم كله ما عدا الكيان الصهيوني والولايات المتحدة؛ لأنه إذا كان الاتفاق يحقق التوافق اللبناني واستقرار لبنان، فهذا هو بالضبط ما يُزعج "إسرائيل"؛ لأن سعيها إلى تدمير حزب الله وتفريغ الساحة اللبنانية منه هو الهدف الأساسي لها، وأنه ما لم يكن "لإسرائيل" يد فيما حدث من ارتباك في الساحة اللبنانية فإن ما حدث قد أسعد "إسرائيل"، لا أعتقد أن أي قارئ ومتابع للساحة اللبنانية يمكن أن يفوته أن "إسرائيل" ترى أن الحرب الأهلية هي الكفيلة بالقضاء على حزب الله، وهذا هو السبب الذي دفعها إلى التركيز على الساحة اللبنانية الداخلية بالقرار 1701.

 

وإذا كان اتفاق الدوحة قد أسعد الجميع إلا قليلاً، فإن سبب توصل الأطراف إلى هذا الاتفاق هو بجلاء خوف كل الأطراف من تداعيات الحرب الأهلية، ولكن الخشية من حسابات الأطراف المفترضة هو الذي جعل الاتفاق في البداية غير مؤكد.

 

والحق أن حزب الله قد لعب دورًا كبيرًا في التوصل إلى هذا الاتفاق ليس لأنه يريد- كما قال البعض- أن يكفر عن استخدامه السلاح في الداخل رغم تأكيده تجنُّب ذلك، ولكن لأنه ليس من حساباته ترجمة القوة على الأرض إلى مكاسب سياسية، وإلا لفعل ذلك في كل المرات التي حقق فيها نصرًا على "إسرائيل" في تسعينيات القرن الماضي وإزالة احتلال الجنوب في سابقةٍ لم تشهدها "إسرائيل" في جميع ساحات المواجهة العربية.

 

وأظن أن "إسرائيل" والولايات المتحدة سوف تلعبان دورًا أساسيًّا في تفريغ اتفاق الدوحة من مضمونه حتى يصبح حبرًا على ورق.. صحيح أنه سيكون في لبنان حكومة يمثل فيها الجميع بالنسب المتفق عليها، وبرلمان يعمل بكامل طاقته كل في موقعه ووفق فصيله، وجيش تتثاقل مسئولياته، ولكن التدخل الأمريكي و"الإسرائيلي" وتطوع بعض الإعلام العربي لن يتوقف.

 

وسوف يتخذ هذا التدخل صورًا متعددةً لا يمكن حصرها، منها: الغارات "الإسرائيلية" والمناوشات المحدودة، والضغط على أعصاب العلاقات اللبنانية السورية؛ استنادًا إلى خطاب ميشال سليمان خلال حفل تسلم الرئاسة، ثم دفع الطرف الآخر إلى طرح قضية سلاح حزب الله، ويدرك الحزب جيدًا حدود هذه المناورة؛ ذلك أن أي تأثير على سلاح حزب الله سوف يترجم إلى قدرات عسكرية "إسرائيلية".

 

ومن صور الاحتكاك بالداخل اللبناني ضغط أمريكا و"إسرائيل" على دول العالم حتى يتم عزل وزراء حزب الله وعدم لقائهم تمامًا كما حدث مع الرئيس السابق إميل لحود، وقبلت الأكثرية النيابية بهذا التناقض بين تمسكها بما يُسمَّى سيادة لبنان، وكأنَّ سيادة لبنان مثل سيادة القانون في العالم العربي.

 

إنَّ أوروبا وأمريكا تعتبر حزب الله منظمةً إرهابيةً مثل حماس ولم تعترض السلطة الفلسطينية، بل هي نفسها التي اتهمت حماس بذلك بعد أن أكدت عقيدتها المناهضة للمقاومة والمؤيدة للمفاوضات على لا شيء، وهنا نصل في لبنان إلى القضية الكبرى.

 

إذا كانت المقاومة مقدسة وسلاحها مقدسًا؛ فكيف يجمع اللبنانيون على ذلك ما دام المقاوم يتمتع بوزن أكبر سياسيًّا على الساحة اللبنانية؟! لا أريد أن أصل إلى حدِّ تخلي "14 آذار" عن فكرة المقاومة أو التفاهم مع "إسرائيل"، ولكن الثابت أن "14 آذار" لا يريد أن تكون أولوية الحياة في لبنان للمقاومة.. يترتب على ذلك أنه إذا لم تكن الدولة مقاومة وأنها تقبل بالعدوان عليها دون رد عسكري وتفضل اللجوء إلى الساحات الدولية لإحراج "إسرائيل"، فهذا ما لا يرضاه حزب الله، فهل يمكن التوفيق بين السياستين؟ ومن الناحية التطبيقية هل تؤدي أعمال العدوان "الإسرائيلية" على لبنان أو رفضها الجلاء عن مزارع شبعا إلى أنَّ تصدي حزب الله لها يتطلَّب قرارًا جماعيًّا في مجلس الوزراء؟ وهل يناسب ذلك السرية الواجبة في عمليات المقاومة؟ وهل ينسجم ذلك مع شك حزب الله العميق في تحالف بعض أوساط الموالاة "لإسرائيل"؟

 

لقد ارتفعت أصوات في بعض البلاد العربية أعلى من أصوات لبنانية تُلقي اللوم على حزب الله وتتهمه بأنه كان يغامر عام 2006م، وأنه هو الذي استفزَّ "إسرائيل" فكان الثمن دمار لبنان فما ذنب بقية اللبنانيين إذا كان الحزب هو الذي بدأ واستمرَّ في هذه "المغامرة"؟! فما الذي يضمن عدم تكرار هذه المغامرات في المستقبل؟ أعتقد أن تلك هي معضلة المعضلات، فهي لا تترك الحزب يتصرف كمقاومةٍ حيث تشاء.

 

إن اتفاق الدوحة هدنة سمحت بالكثير، لكنها لا تغير تركيبة القوة في لبنان ولا تغير برامج أمريكا و"إسرائيل"، وأخيرًا إذا كان الجهد السوري في لبنان قد لقي اهتمامَ فرنسا، فلماذا لم يلق اهتمام دول عربية أيضًا إذا كان تصلُّب سوريا في لبنان قد دفعها إلى رهن علاقاتها بدمشق ما لم تتحرك في لبنان، والآن وقد تحركت فهل لا يزال هناك سبب آخر لكي تبتسم هذه الدول في وجه دمشق؟

الإجابة: نعم.. لم تكن لبنان هي المشكلة، بل مَن يسعى إلى إحراق لبنان حتى يحترق معه حزب الله.. هذه هي الهوَّة السحيقة بين اتفاق الدوحة وواقع لبنان.. بين لحظة استحضار الخطر ولحظة العيش مرةً أخرى فيما لم يتولد في ظله الخطر.