على إثر نتائج الانتخابات الأخيرة في الساحة الكويتية؛ تعالت أصوات هنا وهناك تدعو لمراجعة مسار "حدس" في الاعتدال، وهذه الأصوات جاءت أحيانًا من داخل "حدس"، وعبر عدد من الشخصيات الفاعلة فيها، ودعت بالعلن إلى مراجعة خطاب "حدس" تجاه السلطة والحكومة تحديدًا.

 

وبرَّر البعض هذه النظرة إلى مواقف الحكومة التي عادةً ما تأسرها نبرة التأزيم وتستجيب لخطاب التصعيد، وفي المقابل تجد هذه الشريحة صدى لأسلوبها في الشارع العام؛ بدليل عودة شريحة ممن اعتبرها المراقبون من حملة لواء التأزيم والتصعيد وبمقاعد متقدمة في أغلب الدوائر الانتخابية؛ مما استوجب توقفًا يستحق عنده النظر إلى جدوى خطاب التهدئة والدعوة للتعقل واتخاذ الاعتدال منهجيةً فاعلةً في مواجهة حالة الاحتقان والتجاذب السياسي التي نبَّه سمو الأمير في افتتاح دور الانعقاد الأخير إلى ضررها وسوء عواقبها.

 

وعبر لقاءات موسَّعة سمعت دعوة مراجعة "حدس" لخطابها السياسي من بعض كوادر "حدس"؛ مما هالني تأثر البعض بنتائج الانتخابات إلى هذا الحد، بل وجدتُّ من تشرَّب هذه الرؤى بعد أن تلمَّسوا حدَّة العدائية التي مارسها بعض المنافسين والخصوم، وزاد على هذا وذاك التقرير الصادر من المعهد الأمريكي "كارنيجي" للدراسات والبحوث؛ الذي أشار إلى وجود مخاوف حقيقية لتراجع خطاب الاعتدال على الساحة الخليجية على إثر نتائج "حدس"، وصعود بعض القوى التي يعتبرها المعهد أكثر تشددًا من الناحية الفكرية والواقعية السياسية، بل جازف التقرير واعتبر من مؤشرات النتائج تراجع آفاق الإصلاح السياسي في دول الخليج وزيادة الإحباط لدى النخبة الناشطة في مشاريع الإصلاح الديمقراطي.

 

إن تصاعد وتيرة هذه المخاوف والدعوات التي أجد إرباكًا واضحًا فيها يجعلنا أمام حاجة ملحَّة لتأكيد خيارنا الإستراتيجي وتوجُّهنا الذي بات أحد أبرز سمات خطابنا، وهو "الاعتدال"، وعبرت عنه "حدس" بمبادرات فيها الكثير من النضج وآليات تعكس المسئولية الوطنية العالية، وبات هذا الخطاب أحد ملامح تميز "حدس"؛ الأمر الذي يستلزم مزيدًا من الثبات عليه، وحشد التأييد اللازم له، وعدم الجنوح للفوضى التي تعصف بالساحة السياسية وأنتجت تشنُّجًا يستنزف من طاقاتنا الوطنية ومقدراتنا الإستراتيجية الشيء الكثير.

 

في زيارة رسمية قام بها أعضاء مكتب "حدس" السياسي لسمو الأمير بحضور سمو ولي العهد في شتاء العام 2006م لتأكيد التواصل والتحاور حول مستجدات الساحة، حينها أبدى سموّ الشيخ نواف الأحمد ولي العهد إعجابًا باعتدال وتوازن خطاب "حدس"، وأثنى أمام سمو الأمير على أدائها وحكمتها، وقد وجدت هذه الكلمات ترحابًا من سموِّ الأمير وتقديرًا انعكس على العلاقة في توجيهاته ونصائحه.

 

إن هذه الصورة الناصعة التي تستشعرها القيادة الشرعية للحكم في الكويت لم تكن وليدة اللحظة ولا هي ثمرة حدث هنا أو موقف هناك؛ إنما كان مسارًا خَطَّته "حدس" لنفسها ولم تعتبره تكتيكًا طارئًا تستدرُّ منه عطف السلطة أو تستجدي به أصوات الناخبين بقدر ما كان منهجيةً حاكمةً لأدائها وأدبياتها وتعاطيها مع المتغيرات والأحداث.

 

عندما كان رئيس مجلس الأمة الحالي والسابق جاسم الخرافي في أواسط التسعينيات من القرن الماضي يعبِّر بخطاب الاعتدال والتنمية كان صوته لدى البعض نشازًا، واعتبره البعض الآخر تغريدًا خارج السرب، إلا أن تراكم رصيده واتخاذه هذا الخطاب مسارًا لا تكتيكًا أثمر مع الأيام حضورًا بلغ ذروته مع افتتاح دور الانعقاد الحالي؛ عندما شاهدنا كيف يعتلي منصة رئاسة المجلس، وقد جمع إليه أكثر من ثلثي أصوات أعضاء البرلمان والحكومة؛ في سابقةٍ تاريخيةٍ يتكرر معها اعتلاؤه منصة الرئاسة أربع مرات متتالية وبأصوات بلغ إجمالها 51 صوتًا.

 

هنا يتأكد أن الاعتدال والتوازن يمكن أن يثمر ولو بعد حين، لكن المناورة والمراوحة حوله ستفضي إلى حائط صد؛ يَتيه السائر بعدها، فلا هو انسجم مع رؤاه وقناعاته، ولا هو حقق أماني الشارع وتجاوز ضغط الناخب.. يقول صلى الله عليه وسلم "من أراد رضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن أراد رضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس" (رواه مسلم).

-------

s-adwani@hotmail.com