في ذروة الانتخابات المحلية التي لم تتم، قرأتُ مقالاً رائعًا للمدون المحلاوي ممدوح المنير، يوم أن كان حرًّا طليقًا، بعنوان: (اعتقال أوباما وسحل هيلاري كلينتون)!!؛ باعتبار ما قد يكونُ لو حمل المتنافسان الجنسية المصرية!.
كان الأخ أوباما من وجهةِ نظرهِ سيتعرض للاعتقال بتهمة استخدام شعارات دينية تتسبَّب في إثارة الفتنة الطائفية، بينما سيتم "سَحْل" الأخت هيلاري أمام اللجنة الانتخابية من قِبل عددٍ من البلطجية المندسِّين، بالطبع مع رعاية أمنية كاملة.
تذكرتُ هذا المقال بتفاصيلهِ وأنا أحارب النوم لأستمع إلى خطابَي أوباما وهيلاري كاملَين بعد أن وصل أوباما إلى الرقم السحري الذي يؤهِّله إلى خوض الانتخابات الأمريكية مرشحًا عن الديمقراطيين.
كانت هيلاري تضحك بملء شدقيها، رغم خسارتها، وهي تشكر ناخبيها على التصويت لها والوقوف بجانبها، وتبارك لأوباما على فوزه، وتتحدث عن لياقته وقدرته على استكمال السباق، وتؤكد أن العمَّال في المصانع والممرضات في المستشفيات بذلوا جهدًا كبيرًا في بناء أمريكا، وأنهم يستحقون أن تقف أمريكا اليوم بجوارهم، كما شددّت على أن أمريكا لا يمكن أن تبقى أربعِ سنوات أخرى على نهج بوش، بينما شكر أوباما هيلاري، وأكد أنها صنعت التاريخ كسيدة، وأنها حاربت حتى اللحظات الأخيرةِ.
لا أُخفي حقيقةً أنني لا أحب النظام الأمريكي، ويمكنني أن أمسك بتلابيبِ القلمِ لساعاتٍ وأنا أسبُ الإدارة الأمريكية وانحيازها الفاضح وإجرامها بحق إخواننا في فلسطين والعراق!، لكنني لن أبلغ في ذلك مستوى كُتَّاب النظم العربية الذين هم عملاءِ أمريكا!، لكن ليس ذلك بيت القصيد.
لقد سمعتُ الكثيرين على مدار الأيام الماضيةِ يتحدثون عن الانتخاباتِ الأمريكية بشكلٍ ربما يكون موحِّدًا.. قال أحدهم إن أوباما- عفوًا- "يشبه الكلب"!!، وقال آخر لقد تقرَّب أوباما إلى اللوبي اليهودي (يقصد كلمته أمام إيباك) فقررت هيلاري الانسحاب فورًا من الانتخابات؛ لأنه هكذا ضِمن فوزه.. هكذا بكل بساطة!!.
خطاب أوباما ألقاه من مينسوتا.. من منا يعرف مينسوتا؟، قد يقول البعض إنها معقلٌ للجمهوريين، نعم.. ليس هناك خلافٌ على ذلك، لكن ليس هذا ما أقصده.
(مينسوتا) ذكرها الرئيس هنري ترومان ذات مرة حينما وجّه سؤالاً: "كم صوتًا عربيًّا في مينسوتا؟"، ما كان يقصده ترومان أن هناك أصواتًا يهوديةً والانتخاباتُ تحتاج إلى أصواتٍ وتأييد؛ لذا لا أتصور أن أوباما كان يمكن أن يعلن ولاءه التام لبني جَدته المسلمةِ القابعةِ في أحراش كندا رغم أنه وجَّهَ إليها شكرًا في خِطابه.
قد يُخطِّئني البعض وأنا أعلن أنني قارنت بين المترشِحين الثلاث، فوجدتُ أن أوباما أفضلهم، يكفي أنه يفكرُ بعقله، ولا تتزاحم الأفكارُ على رأسه، عاش بين المسلمين دهرًا يتحدثُ إليهم ويرتادُ مدارسهم.
في تلك النقطة أيضًا نحنُ نختزل المشهد.. هناك بعد أكثرُ أهميةً: 16 شهرًا كاملةً عاشها المتنافسان في أجواءِ انتخابيةٍ محمومة.. أوباما أسود وهيلاري امرأة!، لم يُمنعا من تسليم أوراق ترشُحهما.
لم يضع أوباما على رأسه "شالاً" ويجلس في حديقةٍ وسط الشارع إلى أذان الفجر والمطر ينهمر عليه زخات، لم يجدوا "طابورًا" طويلاً ثابتًا على مدارِ عشرة أيام بنفس الوجوه والأشكال، لم يهرب محافظ واشنطن من مبنى المحافظة حتى لا يقابلهم، لم يلجأ المرشحون إلى المحكمة فتنصفهما، فتوضع الأحكام في الأدراج كأنها ورق حقير بلا أهمية، لم يعترض المتنافسان فتُطوق الشرطة أنصارهما وتضربهُما وتسحِلهما كما لم تَضِرب أو تسحل من قبل، لم يُشوَّه تاريخهما ويوصفا بالتطرف والزندقة، لم يعَايَر أحدهما بلون بشرته وتهاجم الأخرى من نقاط ضعفها كامرأة، لم نسمع أن بوش تدخل لتمرير الشخص الأضعف ليضمن فوزًا لماكين، لم يتحدث على الإطلاق.
لم يُشبه كاتبٌ الانتخابات بأنها محرقة والاعتقالات والاِجتياحات تجري على قدمٍ وساق، تخلَّى أوباما عن كنيسته لأن قسها وجَّه إهانات إلى منافسته، لم ترتدِ وسائل الإعلام ثوب القذارة وتطيل لسان الحقد وتعزف نشيد الوطن والانتماء لأن بوش لم يعد يساوي شيئًا، أوشكت ولايته على الانتهاء، وهناك خليفةٌ قادم لا تربطه به صلة، لا يمكن أن يكون ملهمًا موهوبًا إلى الأبد؛ لأن أمريكا ولاَّدة، وكذا أوروبا والسنغال!.. نحن وحدنا فقط؛ نسبح قهرًا في عبقرية الملك، ورؤى الرئيس، وأحلام الوريث!.. كلهم الملوك وآباء الملوك، وغيرُهم السفيه، والطريد، والمشرد والمعتوه، لم تتحول المنافسة بين هيلاري وأوباما إلى حرب أزلية، لا يمكن أن تحال إلى القضاء العسكري وتُسحل وتُهان إذا فاز غريمُها، ستبقى باحترامها معززة مكرمة؛ لذا كانت تضحك للحظة الأخيرةِ؛ لأنها لم تخسر شيئًا؛ فالفوز هناك تكليفٌ لا تشريف، وقفت تمدح جمهورها رغم خسارتها؛ لأنها ستعود إليهم مرةً أخرى في جولةٍ أخرى؛ فهم سندها وعمادها.. لن تضربهم بالحذاء وتفرض عليهم الطوارئ وتخرج لسانها إليهم.
في الولايات المتحدة الشعبُ هو السيد، وفي منطقتنا شعوب سوقة وعبيد، حتى الشرطة التي تمنعُ وتمنحُ وتقهر وتُزوِّر لا تختلف عن الشعوب في نظر سيدها.. هي أداةُ وليست إِلهًا!.
كيف نطالب أمريكا بالانحياز لقضايانا ونحن لا ننحاز إليها؟!.. لا يجب عن طريقِ التزامِ نموذج اختزالي في التفكير والتصور أن نُعمِّم الفكر التآمري الخارجي على الدوام؛ فلا نرى في الخارج إلا شرًّا ونفسرُ كل الممارسات وكأنها موجهةُ إلينا بالسلب!.
اليهود يملكون تاريخًا وحاضرًا إجراميًّا، لكن لا يجب أن ننسب إليهم قوةً لا يستحقونها.. لو كانوا يملكون قدرةً ترجيحية أسطورية لوصلت هيلاري إلى سدة الحكم، ومن قبلها آل جور.. ألم يكن نائبه يهوديًّا خالصًا؟!.
لا أعتقد أن نكبة العرب تعود إلى عام 48 تحديدًا حينما فقدنا 87% من مساحة فلسطين، لكنها ترتبط بالضباط الأحرار الذين سَقونا القهر وأورثونا العجز في السجون والليمانات؛ حينما كانوا يتلاعبون بالرءوس، ويثقبون الجماجم، ويؤصلون لنظرية القمة والقاع!!.