الصورة غير متاحة

جمال ماضي

 

بعد واحد وأربعين عامًا على نكسة 67، هل وعت الأمة تاريخها حتى تبدأ بدايةً جديدةً؟، وأقول "الأمة"؛ لأن الهزيمة لم تكن لشعبٍ أو جيشٍ أو نظامٍ بقدر ما كانت هزيمةَ أمة.

 

وتعالَ معي نترك ما يتحدث عنه المتحدثون والكتاب اليوم عن نكسة 67؛ لنلقيَ ضوءًا حول المعاني الغائبة، والكسوف المتعمد, والأسرار المخفية, والتي لا يجني ثمارَها ونتائجَها إلا "إسرائيل"!.

 

سلاح متهتك, تسليح معدوم, تدريبُ متلاشٍ, غيابٌ عن كل ما تعرفه الجيوش من الإرادة والتدريب والسيطرة والإعداد والتهيئة, وقبل ذلك وبعد ذلك: انزواء الإيمان.

 

الجندي المصري سواءٌ أكان مسلمًا أم مسيحيًّا, هو نفسه الذي انتصر في 73 على نفس العدو, ولقد أجمع الخبراء على أن المصري المدافع كان الضحية التي رآها العالم أجمع فيما بثته "إسرائيل" منذ أيام عمَّا حدث من مجازر في سيناء للأسرى المصريين!.

 

وفي وسط صراعات دولية وإقليمية, وفي بحرٍ آسنٍ من الصراعات المنصبية في كافة المستويات, واختفاء ما يمت بصلة إلى العسكرية في قواتنا المسلحة آنذاك, كانت الحرب التي لم يعرف حتى الآن قادتُها ما سبُبها، فلم تكن هناك إجابةٌ واضحةٌ على هذا التساؤل: لماذا دخلنا حرب 67؟!.

 

وفي لقائي مع العميد (متقاعد): محمد حسين مرعي, الذي كان وسط المعركة؛ حتى إن خبر وفاته نُشر مع القتلى!, أكد أن اليوم الأول (5 يونيو) شهد سقوطًا لطائرات "إسرائيلية" (ثلاث طائرات) رآهم بعينه في وحدته العسكرية, ثم انقلب الميزان في اليوم الثاني للحرب؛ حيث كانت الطائرات المغيرة جديدةً ولم تُستَعمل بعد!, مستنتجًا أن أمريكا هي التي تدخَّلت بنفسها, ولم تجد الحربُ من جهةٍ أخرى مَن يكون حريًّا بالوقوف أمامها, إلا قادة مخمورين, وزعماء تائهين, وجنود مغيَّبين عن كل شيء, حتى الاحتياطي الذي تم استدعاؤه كان يُحشد إليهم بجلابيبهم دون المرور على تهيئة, وكانوا يبكون لإحساسهم بأنهم يساقون إلى الموت!!.

 

لقد كان ما يشدني ويشد أبناء جيلي الذين لا تعلق بأذهانهم عن حرب 67- حيث كان عمري إحدى عشرة عامًا- إلا البنايات أمام أبواب العمارات, والغارات الوهمية, وكنا ننزل إلى أسفل العمارات أو المخابئ ولا ندري ما يحدث!!، ونستمع إلى العدد الهائل من الطائرات التي أسقطناها عن طريق الإذاعة المصرية!, ثم الانسحاب المفاجئ، والذي أعلن عنه بعد 36 ساعةً فقط من بداية المعركة!!.

 

ويرد العميد (متقاعد) مرعي مصحِّحًا: إن الانسحاب لم يكن بعد 36 ساعة؛ لقد كان الانسحاب فوريًّا وطبيعيًّا, وكان في فوضى قبل القرار المُعلَن!.

 

إذن.. الهزيمة كانت محسومة؛ فالإيمان مرفوع عن القلوب, لا أحد يدري أن هناك شيئًا اسمه صلاة في دينه!, أو حتى دعاء يُمكنه أن يرفعه إلى السماء!.

 

ودار في خاطري: ألم تكن هناك دوافع وطنية؟! ألم تكن هناك دوافع إسلامية؟! "مش ممكن"، لا بد أن تكون هناك بطولات.. هكذا قلت لنفسي!.

 

وأترك للعميد مرعي الإجابة عما تردَّد في خاطري حتى نطق به لساني, فيقول: كانت هناك بطولات, مع أنني لم أكن أُصلي آنذاك, ألا أنني قد شهدت بطولةً فائقةً لرائد مصري في تهيئة جنوده, وصموده وإسقاطه طائرةً "إسرائيلية", وعلمت بعد ذلك أنه كان ينتمي إلى الإخوان المسلمين, وهذا سر بطولته, وفور رجوعه- رغم الهزيمة- تم إيداعه السجن؛ لأنه أفصح عن الحقيقة التي رُفعت عن طريق الرقابة للقيادات العليا!!.

 

فقلت: "حتى في الهزائم"!، ويتكرر في ذهني نفس مشهد 48, بعد رجوع الإخوان الأبطال؛ لا ليشاد بهم، بل ليكافئوا بالمعتقلات!!.

 

ويحدثنا العميد مرعي عن بطولةٍ أخرى لقائد يسمي فيليب، وكان مسيحيًّا, وكيف كان رجلاً في الميدان, مؤكدًا أن الجندي المصري- مسلمًا كان أم مسيحيًّا- كان عنوانًا للبطولة, ولكن سلَّمته العوامل السابقة إلى نهايةٍ مؤلمة, فكان مظلومًا وضحيةً!.

 

وها هي الذكرى الأربعون تطل علينا بعد أربعين عامًا, فهل نجعلها مثل دموع النائحة, وصراخ الثكلى, وبكاء المستضعفين؟! أم نجعلها بدايةً جديدةً وكفى؟!.

 

ومن الدرس نبدأ الصفحة الجديدة عن عودة الإيمان, واللجوء إلى الله, واستمداد العون منه, مع الأخذ بكافة الأسباب المادية؛ فقواتنا هي الأمل حينما تتجمع الجيوش المسلحة على هدف واحد, وهو دحر المحتل في أوطاننا في فلسطين والعراق وأفغانستان, والتصدي لكل مؤامرات الأعداء من إثناء القوات المعنية الصامدة عن هذا الهدف العظيم, واللهو بها في صراع السلطة العفن الذي يدمرها ويفتت كيانها, أو الزج بها في معارك وهمية تصرفها عن هدفها الأساسي ومقصودها الأصلي.