أيها الأشراف الشامخون... سلامًا، ومعذرةً.. سلامًا من كلِّ مصري عزيز النفس، أبيِّ الوجدانْ، بل سلامًا من كلِّ مسلمٍ في الأرض يقول ربي الله، وله- لا لغيره- تنحني القامات، وتعنو الجباه.

 

***

ومعذرةً مني أنا، فاقبلوا معذرتي.

لقد سألني أحد الإخوة الأبرار خارج القضبان: "أين قصيدتك في الأربعين بعد جَوْر الأحكام؟"، أقسمتُ له بالله الذي تُستدفع به المحنة، وتُستجلب به المِنة أنني حاولت.. وحاولت، وامتلأ صدري وقلبي بوجدانٍ يمور، فأسرعُ إلى القلم.. تتوقف أصابعي، ويتجمد القلم، وتهرب مني بحور الشعر جميعًا؛ فلا طويل يجيب، ولا سريع يلبي، ولا كامل يستجيب، ولا هزج يقول: إني معك.

 

أو كأنَّ البحور كانت كعمال المحلة أو أهل دمياط، أو كأنَّ البحورَ كرهت قلمي ككراهية شعبنا للحزب الوطني وحكومته، أو كأنَّ التفعيلات أصرَّت على الانتحار احتجاجًا على الظلم والظالمين، و"الهبَّاشين" و"الهبَّارين"، ولم يعد أمامي إلا بقايا مخزون قديم من الشعر، أما العمدة الأساسي فهو النثر؛ أبثه شكواي، وأدفن في مآقيه آمالي ومُناي.

 

***

ولكن هل أنتم أربعون ولا زيادة؟!.. أنا أقسم- ولا أبالغ- إذا قلتُ إنكم أربعون ألفًا أو أربعون مليونًا.

 

ألم تسمعوا الشاعر القديم يقول عن الفرد من أمثالكم:

كان من نفسِهِ الكبيرة في جَيـْ              شٍ وإن خِيل أنه إنسانُ

يا أيها الأشراف الشامخون.. ألم تسمعوا أبا تمام وهو يقول عن ثلاثة إخوة من بني حميد الطوسي استشهدوا في معركةٍ واحدة:

لَعَمْرُكُ ما كانوا ثلاثة إخوةٍ                 ولكنهم كانوا ثلاثَ قبائلِ

فأنتم لستم أربعين فردًا، ولكنكم- يا أيها الأشراف الشامخون- أربعون جيشًا، أو أربعون قبيلة.

 

وأذكر في هذا السياق أن كتائب الإخوان في بداية الخمسينيات كانوا يخوضون المعارك الدامية ضد المحتلين الإنجليز في القناة، ويجاهدون في الله حقَّ جهاده، ومع ذلك كان مرشدنا الحبيب الإمام حسن الهضيبي إذا سُئل: أين كتائب الإخوان؟، يقول: ليس للإخوان كتائب، ولكنهم جميعًا جنود.. الواحد منهم بكتيبة.

 

كان- رحمه الله- لا يحب المباهاة، ولا التفاخر، مع أن الإخوان أراقوا دمهم في القناة، وكان منهم شهداء شهد لهم العالم جميعًا.

 

***

أيها الأشراف الشامخون.. أنتم أعلى قامةً من ساجِنيكم؛ فمن حقي أن أقول لكل شامخ فيكم:

فما وهنتَ بسجنٍ ساوموك به                وما استجبتَ لهم كيْ تقبَلَ الدُّونا

فعشتَ فيه مهيبًا شامخًا أبدًا                   وكنتَ سجَّانَهم إذ كنتَ مسجونًا

يخشوْنَ طيفك في الأحلام يفزعُهم            حتى غدا ليلُهم بالسُّهد مشحونًا

هم أحرصُ الناس من جبن ومن ضَعةٍ      على حياة، و لو ذاقوا بها الهُونا

 

وستعيشون أرفع مقامًا من ظالميكم، فاصبروا؛ فالصبر ضياء ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 139).

 

وما أرى ظالميكم إلا الساقطين الأدنين، وما أنتم دائمًا إلا الأعلوْن.. نعم أنتم الأعلون، وحيثيتكم هي ميثاق الله ﴿كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (المجادلة: 21)، ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ (المجادلة: من الآية 22)، وهذا الميثاق الرباني- يا أشراف- هو الحصانة الأولى التي تتحصنون بها وأنتم وراء القضبان السوداء.

 

أما الحصانة الثانية- يا شامخون- فهي امتلاء قلوبكم وجوانحكم بصوت النبوة الخاتمة، وما أرى كلَّ واحد منكم إلا مردِّدًا بلسان الحال ولسان المقال قول الشاعر:

في ضميري دائمًا صوتُ النبي

آمرًا جاهدْ وكابدْ واتعبِ

صائحًا غالبْ وطالبْ وادأبِ

صارخًا: كُنْ أبدًا حرًّا أبيْ

كُنْ سواءً ما اختفى وما علنْ

كُنْ قويًّا بالضميرِ والبدنْ

كُنْ عزيزًا بالعشيرة والوطن

كُنْ عظيمًا في الشعوب وفي الزمنْ

 

فأنتم قد تحلَّيتم بحب الجهاد والمكابدة، والتعب في الله، والإصرار على إحقاق الحق بنفسٍ حرةٍ وقلبٍ أبيّ، مستشعرين القوة وحب الوطن، واستعلاء الإيمان والإباء والعزة ﴿وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون: من الآية 8).

 

***

وأنتم بحمد الله- أيها الأشراف الشامخون- تعيشون في طمأنينةٍ غامرة؛ لأن المسلمَ لا يعرف اليأس، ولا يتسرَّب إلى نفسه القنوط، وما أصدقَ الصوفي القائل: "يقيني بالله يقيني".

 

إن العالم كله يشهد لكم، والعالم كله يشهد عليهم؛ أي على ظالميكم.. الطغاة.. البغاة، ومن عجبٍ أن يُسْأل الطاغية الكبير عن "الإخوان المسلمين"، فيقول: "مفيش حاجة اسمها إخوان".. "ماعندناش شيء اسمه إخوان".

 

وضحكت- واللهِ- بل العالمُ كله يضحك من ذلك الذي ينكر الشمس في رائعة النهار، وهنا تذكَّرت الفرزدق حين رأى علي (زين العابدين) بن الحسين بن علي بن أبي طالب في مكة المكرمة والوفود تتسابق إليه وبين يديه، ولم تلتفت للأمير الأموي هشام بن عبد الملك الذي استنكر ذلك وسأل: من هذا؟!! (على سبيل التحقير).

 

فأجابه الفرزدق قائلاً:

هذا الذي تعرف البطحاءُ وطأته            والبيتُ يعرفه والحِلُّ والحرمُ

 

إلى أن قال:

وليس قولك: من هذا بضائره           العُرْبُ تعرف من أنكرتَ والعَجَمُ


ولا تعجبوا- أيها الأشراف الشامخون- من نظام الحكم الحالي الذي جنَّد حملةَ القماقم، أعضاء هيئة المستنقع من "كبار" الصحفيين الآكلين على كل الموائد ليوالوا إفرازاتهم ضد الجماعة.. كاذبين.. مزورين.. "هبَّاشين".. "هبَّارين".

 

وهذا يذكِّرني بحكايةٍ طريفةٍ خلاصتها أن أحد الصيادين كان يمتلك كلبًا عزيزًا على نفسه، وكان له بيت من عدة أدوار في الغابة، وكان إذا خرج يغلق الباب على كلبه، فيصعد الكلب إلى سطح البيت ينبح ما شاء له النباح، ولكنه كان يجد متعته الكبرى في أن يسبَّ الأسد إذا رآه سائرًا أمام البيت، فلمَّا رأى الأسد أن الكلب قد استمرأ شتمه وسبه قال له: "اسمع أيها الكلب.. والله ما شتمتني، ولكن شتمني المكان الذي تقف فيه".

 

ودلالة القصة أوضح من أن نشرحها؛ فهؤلاء الصحفيون المستنقعيون إنما يفرزون شتائمهم وافتراءاتهم ضد الإخوان وهم يحتمون بمناصبهم التي تدر عليهم كل شهر مئات الألوف من دم الشعب.

 

ومن عجبٍ أن نجد الطغاة البغاة يعلنون بكبرياء كذَّابة منفوشة أنهم نجحوا في ضرب الإخوان ضربات قاصمة؛ لا قيامةَ لهم بعدها، ونسي هؤلاء الطغاة البغاة أن الإخوان المسلمين تيار ينتشر في كل أنحاء الدنيا؛ فهو ضد الهزيمة، وضد الانتهاء.

 

وادعاء الطغاة البغاة بأنهم ضربوا الإخوان وانتصروا عليهم انتصارًا حاسمًا.. يُذكرني بالقصة الآتية:

كان الفيل الطيب يعيش في بيته بالغابة الواسعة؛ لا يؤذي أحدًا, ولا يتعالى على أحد، بل كان يحترم كل حيوانات الغابة ويعطف على صغارها.

 

وكانت عادته اليومية أن يُغادر بيته في الصباح الباكر، ويمضي في طريقه لتحصيل رزقه، وليتريض في شِعَاب الغابة، وكان يوزع تحياته على كلِّ مَن يلقاه من حيوانات الغابة قبل أن يعود إلى بيته آخر النهار؛ لذلك كان موضع حب الجميع.

 

ولكن ثعلبًا حقودًا عزَّ عليه أن يحوز الفيل هذه المكانة في قلوبِ سكان الغابة، فأعلن أمام إخوانه الثعالب أنه سيضرب الفيل ضربةً قاصمةً لا قيامةَ له بعدها، ولم يستمع لنصح عقلاء قومه.

 

وفي صباح اليوم التالي وأمام بقية الثعالب، انطلق الثعلب الحقود المغرور نحو الفيل، وأخذ يخمش خرطومه، محاولاً أن يغرس فيه أسنانه دون فائدة، فاضطر الفيل الطيب إلى أن يلف عليه طرف خرطومه ويقذفه إلى أعلى ويستقبله بنابه الذي مزَّق مؤخرته، فأخذ الثعلب يزحف إلى أصحابه وهو ينزف دمًا وفضلاتٍ قذرة، وأصحابه يسخرون منه.

 

فقال- والألم يكاد يمزقه-: لماذا تسخرون مني؟!.. لقد انتصرتُ على الفيل انتصارًا حاسمًا.
- انتصرتَ عليه وهو الذي مزَّق عُجَيْزَتَك؟!.

 

 - نعم.. فقد نجحتُ في تلويثِ نابه وخرطومه بإفرازاتِ أحشائي، ألا يُعدُّ هذا نصرًا مبينًا لي، وهزيمةً نكراء للفيل؟!.

 

***

أيها الأشراف الشامخون.. وأخيرًا أقول: إذا كان الطاغية قد أخذته العزة بالإثم، وكان- وما زال- منطقه ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ (الزخرف: من الآية 51)، فإن منطقكم الخالد الذي لا يموت هو ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾ (طه: من الآية 72).

---------

*

Komeha@menanet.net