كعادتي كلَّ مساء، وبينما كنتُ جالسًا أمام التلفاز أشاهد إحدى القنوات الإخبارية؛ أتابع ما يحدث حولنا بصفةٍ عامة، وأخبار الوطن العربي بصفةٍ خاصة وما يجري في فلسطين أرض الإسراء والمعراج على وجهٍ أخص.
نفس المشاهد.. نفس الصور أراها أمامي تتكرر.. انتهاكات الصهاينة المغتصبين للفلسطينيين، دم الشهداء، اللاجئون، بكاء الأطفال والنساء، أنين الثكالى، صمت رجل مسن أو سيدة عجوز تخاطب بصمتها العالم كله: "وا معتصماه، وا إسلاماه، وا إخواناه"، حصار غزة، معبر رفح، المستوطنات، الوساطة المصرية، الوعود الصهيوأمريكية الكاذبة، المصافحات والقُبَل والضحكات، الخيانة والعمالة، سيارات الإسعاف تنقل المصابين بعد غارةٍ "إسرائيلية" جديدة، المقاومة الإسلامية الشامخة العزيزة، صواريخ القسام التي أرهقت العدو المتغطرس، ونفس الصمت وذات التخاذل العربي يكون هو نهاية الأخبار!.
مواقف عربية هشة وضعيفة، ليس لها أي تأثير لا تتخطى حاجز الاستنكار والشجب والتنديد.. لقاءات بين رؤساء ووزراء خارجية، ومؤتمرات قمة عربية تنتهي فعاليتها قبل انعقادها ولا نخرج منها بجديد، تتغير الأسماء والشخصيات، ويتغير الرؤساء (ياسر عرفات، محمود عباس)، والأعداء (نتنياهو، شارون، أولمرت)، تختلف الأماكن والتوصيات، ولكن المشهد واحد، والقضية واحدة، والألم يتكرر يوميًّا، والحسرة تملأ القلب على ما آل إليه حال الأمة الإسلامية من الخنوع والذل والاستسلام والهون والجبن والرخص والذلة بين شعوب العالم أجمع.
من شدة تعبي وألم المشاهدة غفوتُ قليلاً، ولكني لم أبتعد عن هذه الأحداث؛ إذ بها مصرة على أن تلاحقني في منامي؛ تلازمني وتشاركني فراشي وكأنها إعادة للنشرة.. أتقلب يمنةً، أتقلب يسرةً وصورة الأحداث تزداد وضوحًا، وصوتها يزداد علوًّا.
وأبت الأحداث إلا أن تذهب بي إلى أيام عزِّنا، إلى ذروة مجدنا، يوم أن كنا نتحدَّى العالم بإيماننا وتمسكنا بإسلامنا وعقيدتنا ومنهج رسولنا وزعيمنا.
هذا هو صلاح الدين في موقعة حطين يدك جيوش الصليبين، ومن قبله وفي سنة 15 من الهجرة يتسلم عمر بن الخطاب مفاتيح القدس من البطريرك (صفرونيوس)، تتغير الصورة تمامًا ويختفي اللون القاتم ويتبدل الزمن.. أحسستُ بالزهو، بالكرامة، بالكبرياء، بالعزة والشموخ والفخر.
نعم.. أنا المسلم أنتمي إلى هذه الأمة؛ أمة الجهاد التي أخذت على عاتقها مهمة الذود عن كل ما هو إسلامي وكل ما هو مقدس، مهمة الدفاع عن حرمات وأعراض المسلمين.
لم تدم الصورة كثيرًا؛ إذ بأشعة الشمس تخترق نافذتي تداعب عيني، وبعد جهدٍ أفتحهما لأبصر نفس التلفاز، الأحداث، الصورة؛ لأبدأ يومًا جديدًا، متسائلاً: "متى يعود زمن العزة والكرامة؟!".