رغم أن المناخ العام الدولي والإقليمي والداخلي أثناء الانتخابات التشريعية في نوفمبر 2005م كان في صالح انتخابات شفافة ونزيهة، إلا أنه كان واضحًا وجليًّا إصرار النظام على بقاء أغلبية مريحة (تفوق الثلثين) بأية طريقة، حتى ولو أدى ذلك إلى تشويه صورته واتهامه بالديكتاتورية والتسلط؛ باعتبار أن ذلك أمرٌ يتوقف عليه بقاء النظام، ومن ثم الحفاظ على مصالح مَن يدور في فلكه من مجموعة المنتفعين؛ مما أدى إلى أن تتغير أَضواء الديمقراطية وبصورة لافتة وسريعة من الأخضر فالأصفر فالأحمر خلال المراحل الثلاث!.

 

بعد فشله في الحصول على أغلبية الثلثين في انتخابات 2005م اضطر النظام إلى اتباع سياسة "العصا والجزرة"؛ من أجل ضمِّ المستقلين إليه بما يضمن الأغلبية التي تحسم القرار التصويتي داخل البرلمان؛ سواءٌ في أثناء التصويت على مشروعات القوانين، لتخرج كما يريدها النظام، أو أثناء التصويت على الاستجوابات، فلا تحاسب الحكومة، ولا يقال مسئول بل يتم الانتقال لجدول الأعمال كأن شيئًا لم يكن.

 

لن أتحدث كيف حَسَمت هذه الأغلبية التصويتية الميكانيكية القرارَ التشريعيَّ لصالح عدم تحقيق استقلال السلطة القضائية، ولصالح استمرار حبس الصحفيين فيما عُرِفَ بجرائم النشر، ولصالح إحالة المدنيين للمحاكمة العسكرية، ولصالح التعديلات الدستورية التي أنهت الإشراف القضائي على الانتخابات، بما يضمن التزوير، وصادرت الحقوق والحريات الخاصة للمواطنين، وأقصت قوى سياسية رئيسية عن المشاركة.. كذلك لن أتحدث عن كيف أهدرت هذه الأغلبية الميكانيكية الدور الرقابي أثناء مناقشة استجوابات "قتل 1400 مواطن في عبَّارة السلام"، واستجوابات البطالة وغلاء الأسعار، ولا كيف برَّأت هذه الأغلبية الحكومة وقدَّمت لها الشكر أثناء مناقشة أزمة الخبز التي وصلت إلى حدِّ المجاعة في كل محافظات مصر الشهر الماضي، فقط سأتحدث عن عيِّنة محدودة من التشريعات التي أقرها المجلس في شهر مايو 2008م.

 

صباح الإثنين 5 مايو كان المجلس (على غير العادة) ممتلئًا عن آخره؛ حيث احتشد نواب الحزب الوطني؛ بمن فيهم المسنون والمرضى، وفجأة وبالمخالفة لـ"اللائحة" تم توزيع تقرير لجنة الخطة والموازنة (ساخنًا) وتم تعديل جدول أعمال المجلس لمناقشة تقرير اللجنة (لم يعرف أحد متى انعقدت هذه اللجنة ومتى أصدرت هذا التقرير)، وكان التقرير يتضمن: (رفع أسعار السولار والكيروسين، زيادة ضريبة مبيعات على السجائر، فرض ضرائب لأول مرة على المدارس الخاصة)، وذلك كله بحجة تمويل العلاوة الاجتماعية الـ"30%".

 

وهو ما رفضه نواب الإخوان والمستقلين، مؤكدين أن رفع أسعار البنزين والسولار سيؤدي إلى رفع أسعار النقل والركاب والبضائع، فضلاً عن أسعار السلع؛ ليكتوي بها الفقراء ومحدودو الدخل؛ إذ من شأن تلك الزيادات أن تبتلع أضعاف العلاوة الممنوحة لهم، كما أكد نواب الإخوان أن فرض الضرائب على المدارس الخاصة سيزيد أعباء أولياء الأمور وليس أصحاب المدارس، خاصةً أن التعليم الخاص لم يعُد شأن المترفين والأثرياء بل الطبقة المتوسطة كلها؛ لأنه لا يوجد تعليم حكومي أصلاً، أضِفْ إلى ذلك أن لجنة الصحة كانت تطالب منذ سنوات برفع ضريبة مبيعات السجائر عشرة قروش فقط لصالح تحسين خدمات التأمين الصحي، وكانت الحكومة ترفض فكيف يتم اليوم رفع الضريبة عشرة أضعاف لصالح الموازنة العامة للدولة؟!

 

أكد نواب الإخوان والمستقلين أن هناك مصادر كثيرة لتمويل العلاوة اقترحوها بما لا يحمِّل الفقراء أعباء جديدة، إلا أنه وكالعادة رُفضت كل الاقتراحات وأصرَّت الأغلبية الميكانيكية للحزب الوطني على مشروع الحكومة، ثم خرجت الصحف في الصباح تعلن أن مجلس الشعب قد أقر مشروع الحكومة لدعم العلاوة الاجتماعية، ورفع بعض الأسعار وغسلت الحكومة يدها من جريمة رفع الأسعار.

 

وصباح يوم الإثنين 19/5 فوجئنا بقانون المرور يتضمن مغالاةً شديدةً في قيمة المخالفات المرورية؛ بما يؤكد أن المنظومة الحالية تعتمد على الجباية، وتقليب جيوب المواطنين، لكن المواد كانت شديدة الغرابة، وأشدّ المواد غرابةً المادتان الرابعة والسادسة؛ حيث قضت
المادة (4) بإنهاء تراخيص سيارات الأجرة ونقل الركاب التي مرَّ على تصنيعها عشرون سنة دون مبالاة بواقعنا المصري الذي يؤكد أن مئات الآلاف من هذه السيارات تفتح بيوتًا لملايين من الأسر، سواءٌ العاملون كسائقين على هذه السيارات أو العاملون في قطاع الصيانة والصناعات التكميلية أو محلات قطع الغيار لهذه السيارات.. وكانت المفاجأة مصاحبة ذلك إعلان الصحف القومية دخول 20 ألف سيارة أجرة جديدة لمحافظة القاهرة.. يا ترى من صاحب التوكيل لاستيراد هذه السيارات؟!

 

كذلك جاءت المادة السادسة من القانون بإنهاء تراخيص سيارات المقطورة التي تنقل البضائع من أقصى القطر إلى أقصاه؛ بما يؤثر في أسعار نقل البضائع، وكيف في لحظة يتم تخريد هذه المقطورات بجرَّة قلم واعتبارها خردةً مهدرَةً، إلا إذا كان تسييلها في مصانع الحديد منفعة عامة.

 

رفض نواب الإخوان والمستقلين هاتين المادتين، وطلبوا إعادة المداولة في مادة إلغاء سيارات الأجرة، كما تقضي اللائحة، فرفض رئيس المجلس، كما رفض طلب التصويت نداءً بالاسم حتى لا تظهر حقيقة أن المعارضة كانت الأغلبية في هذه الجلسة الليلية مساء 31/5 التي زوَّغ منها نواب الوطني، وتم التصويت النهائي على القانون بعد انسحاب المستقلين احتجاجًا ليتم إقراره في نفس الجلسة ضد مصالح ما لا يقل عن 500 ألف أسرة وبالمخالفة لـ(اللوائح والأعراف البرلمانية).

 

صباح الإثنين 26/5 امتلأت قاعة المجلس عن آخرها وبلا مقدِّمات، ودخل السيد رئيس الوزراء، وتلا قرار رئيس الجمهورية بتمديد حالة الطوارئ سنتين جديدتين، ورُفعت الجلسة لمدة ساعة لتعود للانعقاد بعد اجتماع اللجنة العامة للمجلس وكتابة تقرير يؤيد قرار رئيس الجمهورية.

 

ويقف السادة النواب: (سعد الجمال، عبد الأحد جمال الدين، كمال الشاذلي، أحمد عمر هاشم، رجب هلال حميدة..) يدعون النواب للموافقة على تمديد حالة الطوارئ، ويقف السادة النواب: (سعد الكتاتني، حسين إبراهيم، محمد البلتاجي، مصطفى شردي، مصطفى بكري، محمد العمدة) يدفعون بقوة بأنه لا توجد مبررات لتمديد حالة الطوارئ وفقًا للدستور ووفقًا لقانون الطوارئ ذاته؛ الذي حصر دواعي فرض حالة الطوارئ في "إعلان الحرب أو التهديد بها- الكوارث والنكبات- العصيان المسلح"، ولا شيء من هذا موجود في واقعنا المصري، كما أن تمديد الطوارئ بلا انقطاع لمدة 29 سنةً أمرٌ غير مقبول، ولا مثيلَ له في دنيا البشر، وهو تلاعب بالدستور.

 

كما أشار النائب حمدين صباحي إلى أن هذا الخلف بالوعد الرئاسي بإنهاء حالة الطوارئ غير مقبول، وفجأة أعلن السيد رئيس المجلس أنه قد جاءه طلب من عشرين عضوًا بإنهاء المناقشة ليبدأ التصويت ولتحسم الأغلبية الميكانيكية القرارَ ابتهاجًا وسرورًا بتمديد الطوارئ ولتستمر مسيرة الطوارئ 29 سنةً.

 

هل هذه الأغلبية الميكانيكية تشرِّع لمصالح الشعب الذي أقسمت على رعاية مصالحه؟! وهل هي تنتبه لأثر مواقفها في مصداقية المجلس أمام الرأي العام (إن كانت لا تبالي بمصداقيتها هي)، خاصةً أن اسم المجلس في الحالة المصرية (مجلس الشعب)؟!

------------

* الأمين العام للكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين.