![]() |
|
د. حامد أنور |
عندما أقبل الرجل المصري على عمر بن الخطاب يطلب الغوث وينشد العدل من ضربة سوطٍ وجَّهها إليه ابن حاكم مصر، لم ينظر عمر إلى الرجل شزرًا واحتقارًا، ولم يقل له "أتقطع كل هذا الطريق وتسير كل هذه المسافة من أجل ضربة سوطٍ، وقد كان أحدكم لا يجرؤ على أن يقترب من قصر الحاكم أو من حاشيته؟!.. حقًّا أنتم شعب نمرود".
لم يقل له ابن الخطاب "إن حاكمكم قد نكَّل بخيرة عقولكم من السحرة والكهنة، وكل ذنبهم ﴿آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ (الأعراف: من الآية 123)، أي لم يأخذوا منه الإذن، فقطَّع أيديَهم وأرجلَهم من خِلافٍ- وهاهم الآن يشحذون كفاف عيشهم من السيد هاني هلال ويأبى عليهم- وأنت تأتي وتشتكي من ضربة سوط؟!".
لم يستدعِ مفتي الخلافة الإسلامية ليقول له إن ضربة السوط تكفِّر الذنوب وتغفر الخطايا، خاصةً إذا كانت من ابن الأكرمين، لم يقل له إن الشعب المصري غير ناضج سياسيًّا، وإن ضربة السوط تلك خطوةٌ على طريق الإصلاح، لم يقل ابن الخطاب "إنكم بدون تلك الضربة لن تستطيعوا أن تعيشوا يومًا واحدًا"، لم يوجِّه إليه تهمةَ تكدير السلم العام والتحريض على التظاهر ومقاومة السلطات وإثارة الشغب والانضمام إلى القلة المندسة التي تعصف بالاستقرار.. لم يفعل ذلك، وأنَّى له أن يفعل؛ إنه الفاروق أيها الرجال.
لقد أرسل في طلب عمرو وابنه، وأدى للرجل حقَّه.. إنها المساواة والمواطنة على الطريقة الإسلامية، والتي تعني أن الجميع أمام أحكام الشريعة سواء؛ لا تمييز بينهم.
ليست المساواة تعني أن تأكل أنت وجارك وجميع الناس نفس الأكل، وتلبسوا نفس الملبس، وتتقاضوا نفس الأجر؛ لأن التباين طبيعة بشرية؛ فنحن نختلف في أشكالنا، نختلف في قدراتنا، رغم أننا نملك نفس الأجهزة الحيوية ونفس الحواس، ولكنها المساواة التشريعية للجميع.
وأطلق الفاروق أقوى عبارةٍ حملتها إلينا عجلة الأيام: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟!".. إنه أعظم تأصيل سياسي للدولة في التاريخ، وهو أن الناس- على اختلاف مآربهم وأطيافهم- أحرارٌ، وهذه هي النظرة الإسلامية للإنسان.. لله دَرُّك يا عمر.
فما لرجال الطوارئ يريدون أن يستعبدونا؟!.. إن قانون الطوارئ هو قانون الرق المعاصر؛ حيث ناصية الشعب كله في يد شخصٍ واحدٍ، فردٍ واحدٍ.. قراراته فوق القضاء، وآراؤه فوق الدستور.
إن الحزب الوطني جعلنا عبيدًا؛ يحكمنا بالحق الإلهي الكاثوليكي كما كان الوضع في أوروبا؛ فإن معارضيه خوارج يجب قمعُهم، ومخالفوه محرومون من جنته يجب القضاء عليهم، وستطاردهم اللعنات إلى أبد الآبدين.. إنه الحق الإلهي للحزب الوطني الديمقراطي.. إله الدينار والدرهم.. إله الهوى.. إله المصلحة والمنفعة.
إن آلهة الرومان عادت من جديد بأسماءٍ جديدةٍ تتفق والروحَ المادية للحزب الوطني، ولكن من أين أتت فلسفة الطوارئ؟!.
إن الفيلسوف الإنجليزي هوبز هو الأب الروحي لفلسفة الطوارئ، والتي تجعل كلَّ سلطات الحاكم مطلقةً؛ فوق القضاء.. فوق البرلمان.. فوق المؤسسة الدينية، وتعطيه الحق في مراقبة كل وسائل الإعلام، وتنطلق نظرتُه تلك من نظرته للطبيعة البشرية؛ "فيرى هوبز أن الإنسان بطبيعته أكثر نزوعًا إلى الفردية منه إلى الروح الاجتماعية، وأن الطبيعة الأصلية للإنسان هي حالة تنافس وعدوان متبادَلين؛ لا يوقفهما إلا الخوف، لا القانون" (ول ديورانت- المجلد السابع عشر)، وهو بذلك يرى أن الخوف هو السبيل لحكم البشر وإجبارهم على الرضا بالدولة.
ثم يستمر: "إن الأفراد والأسر كانت قبل ظهور التنظيم الاجتماعي تعيش في حالة حربٍ دائمةٍ فعليةٍ أو محتملةٍ.. كل إنسان ضد الآخر.. إن الإنسان قد يكون عقلانيًّا في بعض الأحيان، ولكنه أدرك أنه مخلوق ذو انفعالات وأهواء، ورغبة السلطان والقوة فوق كل شيء.. يستخدم العقل أداةً للرغبة والاشتهاء، ولا يحكمه إلا الخوف من القوة.
والحياة البدائية- أي الحياة قبل التنظيم الاجتماعي- كانت بلا قانون؛ عنيفةً مخيفةً, قذرةً كريهةً, وحشيةً فقيرةً" (ول ديورانت- المجلد السابع عشر).
لذلك أوجب أن تكون كل السلطات في يد الحاكم؛ حتى يستطيع أن يحكم أولئك المتهوِّرين الفوضويين الشروريين.
قد يكون هوبز محقًّا في تحليله للنفس البشرية وحالة الصراع المستمر بينها وبين الآخرين، وتتضح تلك الصورة في المجتمع الجاهلي العربي؛ من تقاتُلِ القبائل وتناحُرِها وعمليات السلب والنهب التي كانت منتشرةً وقتَها، ولكن كيف عالج الإسلام هذه المسألة؟!.
أوضح الإسلام أن النفس البشرية فيها من النزعات الشرورية، وكذلك فيها من النزعات الخيرية ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)﴾ (الشمس)، ثم أوضح الإسلام أن للنفس الإرادة الحرة الكاملة والاختيار المفتوح لها في أي الطريقين تسير ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)﴾ (الشمس)، وحلَّ الصراعات المستشرية بين بني البشر والرغبات الإنسانية الفوضوية المتأجِّجة، والتي تبيح لنفسها الاعتداء على الآخرين؛ حيث قال سبحانه ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (الحجرات: من الآية 10)، وقال نبي الإسلام: "كلُّ المسلم على المسلم حرام؛ دمُه ومالُه وعرضه".
لقد وضع منظومةً أخلاقيةً تربط المنضوين تحت لوائه بميثاقِ التوحيد وحسن الخلق والدفاع عن بيضة الدين من خلال معالجةٍ سليمةٍ للطبيعة البشرية؛ فلم يجمع المنضوين تحت لوائه بسيف الخوف، إنما بالحب في الله وأخوة الدين، وجعل من حقِّ المتخالفين معه حقَّ الاحتكام إلى شرعتهم ودينهم؛ حيث إن للنفس البشرية هذه الطبيعة في الصراع مع الآخرين، خاصةً بين الأمم؛ فلا بد لتلك المنظومة الأخلاقية التي وضعها الإسلام من قوةٍ وصولجانٍ يدافعان عنها من مخالب أولئك الفوضويين والشروريين؛ لذلك جاءت ضرورة الجهاد في سبيل الله وإعلاء تلك المنظومة الأخلاقية فوق المنظومات المنحرفة الأخرى.
فالصراع بين المجتمعات والأمم واقع إنساني، ومرتبطٌ بالطبيعة البشرية، وصراع الحضارات الذي تحدَّث عنه هنتجتون ليس حديثًا، بل من قديم الأزل؛ عندما جاء الهكسوس والتتار والإسكندر والفرس والرومان.. إنه التدافع الأممي الطبيعي.
والمسلمون عندما تقاعسوا عن جهاد الطلب أتى الغازون إلينا، فأتت إنجلترا وفرنسا، وأخيرًا أمريكا؛ لذلك كان وجوب التشريع الجهادي حمايةً لبيضة الدين من أولئك الهمج.
وعلى ذلك فإن الإسلام أسَّس التنظيم الاجتماعي بناءً على تربية تلك النفس وتهذيبها، لا تخويفها وبثِّ الرعب والفزع فيها؛ لأن النفس البشرية قد تأتي تحت تأثير الخوف والفزع بردودِ فعلٍ قاسيةٍ وغير متوقَّعةٍ، خاصةً إذا أضفنا إليه لباس الجوع؛ فقد يأتي على الأخضر واليابس، وهذه هي خطورة قانون الطوارئ الذي يحكم الناس بالخوف، والأسلوب الإسلامي كان واضحًا بجلاء وبقوة في تأثيره على المجتمعات الجاهلية القبلية.
لقد انتصر هوبز للخوف، وانتصر الإسلام للعدل وتهذيب النفس والارتقاء بها.. إن مدنية هوبز- كما رآها- هي تنكيلٌ بالإنسان واستعبادٌ له.. تدميرٌ للقيمة البشرية، أما الإسلام فهو انتصارٌ للحرية الإنسانية.
فيا أيها العالم.. هذه هي مدنيِّتنا، وهذا هو إسلامنا، أما فلاسفة الظلام في أوروبا الذين انحدروا بالإنسان إلى أسفل سافلين فتعسًا لهم.
-------------
