شاهدت الخبر على شاشة التلفاز في غرفتي بالفندق بمكة المكرمة بعد تأدية مناسك العمرة.. جاء الخبر صادمًا لي هذه المرة.. تجديد قانون الطوارئ بمصر عامين.

 

قد يتعجَّب الكثير من وصفي الخبرَ بالصادم؛ فالنظام المصري ليس عنده صادم ولا عادم؛ فهو نظام قد خلع برقع الحياء منذ زمن!!، يوم زجَّ بأبناء وطنه في المعتقلات زرافاتٍ ووحدانًا، ويوم زوَّر إرادته في كافة الانتخابات التي تُجرَى، ويوم تنازل عن حقِّه في قتل الأسرى المصريين على أيدي الجنود الصهاينة، ويوم أهدر دم شهداء الطائرة المصرية في أمريكا وعليها خيرة المدربين العسكريين المصريين، ويوم ترك صاحب العبَّارة يُغادر مصر من صالة كبار الزوار وفي رقبته دماء 1300 مصري، ويوم أن ترك المبيدات المسرطنة تفترس وتنهش في جسد هذا الشعب الصابر المحتسب، ويومٌ وراء الآخر؛ فأيام النظام المصري سوداء وكالحة مع هذا الشعب الطيب المطحون.

 

وعلى رغم كل ذلك جاءت صدمتي من زاويتين:

الأولى: عدم اكتراث النظام بإحداث أي نوعٍ من التجميل والتزويق أو عمل نوعٍ من التوازن مع التغيرات الإقليمية والدولية حولنا؛ فهل يُعقَل أن يكون نظام مبارك منذ ولادته إلى شيخوخته تحت الطوارئ؟!.

 

الثانية: عدم ثقة النظام في "ترزية" القوانين لديه؛ فقانون الإرهاب أصبحت ولادته متعسرة وغير مضمونة.

 

فالنظام ليس عنده وقت لكي يراهن على توريث الحكم وبَيع البلد على قانون غير مُجرَّب ومستحدث قد يكون به ثغرات تمرِّر كلمةً أو تسمح بصرخةٍ أو حتى نَفَس.

 

وجدت نفسي أقول: مبروك الطوارئ.. مبروك الطوارئ لكل دجَّالٍ وقف يعدِّد مناقب الطوارئ وأهميتها للبلاد، وأن البلاد ستغرق في الظلام والخراب بغيره، وكأن جميع بلاد العالم التي تنعم بالحرية والأمن والرفاهية من غير طوارئ ولا يحزنون؛ من كوكب آخر غير الذي نعيش فيه.

 

مبروك الطوارئ لكل نائب من نواب الشعب خان أمانة من انتخبوه، لو كان حقًّا جاء بإرادتهم الحرة، وقال "نعم" لاستمرار قانون الطوارئ.

 

مبروك الطوارئ لكل الجلادين والزبانية؛ فالقانون في خدمتكم.. افعلوا ما يحلوا لكم؛ فأقفية وأدبار هذا الشعب متاحة لكم.

 

مبروك الطوارئ لجميع العاملين في وزارة الداخلية؛ فحافز الطوارئ 100% سيستمر صرفه كما هو، ولن تتأثر مرتباتكم!.

 

مبروك الطوارئ للفاسدين واللصوص الذين لم نشاهد خلال عشرات السنين الماضية أحدًا منهم يُطارَد بموجبه!!.

 

مبروك الطوارئ لعلماء وشيوخ السلطة الذين وصل الأمر ببعضهم إلى أن يَصِفَ أهمية استمرار قانون الطوارئ بالضرورة الشرعية لبسط الأمن والأمان!!.

 

مبروك.. مبروك الطوارئ لكم جميعًا؛ فكل "قفا"، وضرب، وسَحْل، وانتهاك، وترويعـ و"تفليك"، واعتقال، وحبس، وضرب متظاهرين، وتفريق معتصمين لحقٍّ لهم.. سيكون لكم فيه أفضل الحظ والنصيب.

 

فلقد مُرِّر القانون، ونلتم الرضا والسرور، وللشعب الذل والعلقم، "تحسبونه هينًا وهو عند الله عظيم".

 

سينتهي الطبل والزمر والنفاق الذي خضتم فيه، وسيتبقَّى لنا الظلم والقهر وتكريس الاستبداد والفساد.

 

يا سادة.. قدر مصر عظيم وكبير، وعارٌ عليكم ما فعلتموه بها؛ فليست مصر ولا المصريون يستحقون أن يُحكَموا لثلاثة عقود بالطوارئ.

 

ويا من قلتم "نعم" للطوارئ.. انظروا حولكم لتعرفوا ماذا فعل قانون الطوارئ بمصر.. سرقة المتعلقات الشخصية، و(التثبيت) بالشوارع أصبح ظاهرةً في شوارع بلادنا وفي المدن الرئيسية، بيع وترويج المخدرات أصبح على نواصي الشوارع نهارًا جهارًا، وخدمة توصيل المنازل، التحرش بالفتيات في نصف البلد وفي الشوارع، انتشار ظاهرة الاختفاء القسري، هروب المستثمرين الجادين والشرفاء، تآكل الأحزاب وتجميد النقابات واختفاء منظمات المجتمع المدني أو تحييدها، اعتقال الآلاف وسحق المعارضين، ضعف الانتماء للوطن.

 

وأتساءل طوارئ على مَن؟! على المزوِّرين والفاسدين واللصوص والجلادين وأصحاب المبيدات المسرطنة والعبَّارات الخربة والمحتكرين والمجرمين؟! أم طوارئ على المُعدَمين والمُهمَّشين الذين يقضون ثلث يومهم في طابور العيش؟! أم على بعض الوطنيين الذين يتظاهرون هنا وهناك للإصلاح والتغيير؟!.

 

حقًّا.. مع النظام المصري قاهر النقابات ومزور الانتخابات ومغرق العبَّارات والقاتل بالمبيدات ومالئ المعتقلات.. لا ينفع إلا قانون الطوارئ لحمايته واستمراره!!.

 

وتبقى عدة أسئلة أريد الرد عليها:

- هل 30 عامًا من الاستبداد والانتهاك لحقوق الإنسان لم تعد كافية؟!.

 

- ما هي درجة لون الدم الكافية لإثارة مشاعر النظام المصري تجاه كرامة ودماء الشعب المصري المُراقة في أقسام الشرطة؟!.

 

- وما هي درجة احتراق الجلد الكافية لإثارة اشمئزاز النظام من أفعال جلاديه؟!.

 

- وما هو مستوى صوت الصراخ الكافي لإسماع النظام آلام الشعب في سلخاناته المُسمَّاة بأقسام الشرطة ومقار أمن الدولة؟!.

 

- وما هي مدة بكاء الأطفال الكافية لإقناع النظام بوحشيته تجاه آبائهم وترويعهم إياهم دون ذنبٍ اقترفوه؟!.

 

أخيرًا.. أجدني أقول: مبروك الطوارئ يا مصر من أبنائك الجاحدين، ولنا وللشعب المصري الصبر والسلوان!.

--------

* مدير مركز ضحايا لحقوق الإنسان- haythamabokhalil@hotmail.com