جلستُ أقرأ خطابَ "مخبول الأمة الأمريكية الأول ومعتوهها" فيما يُسمى بكنيست الدولة المزعومة في زيارته المشئومة الأخيرة، فوجدتُ حاخامًا يهوديًّا يتلو خطابًا توراتيًّا بأداءٍ صليبي ممسوحًا بحقدٍ دفينٍ ممقوتٍ ممجوجٍ لا يستطيع صاحبه إخفاءه، فظهر على أقواله وأفعاله وطُبع على مُحيَّاه مظاهرُه، فبدا وكأنه عجوز شمطاء سوداء عرجاء أكل عليها الزمان وشرب، ثم بال عليها فأصبحت نتنةً عفنةً مُنَفِّرَةً، أو كأنه حمرٌ مستنفرةٌ فرَّت من قسورةٍ.

 

فالدعم الخطابي لغبي أمته بدا عقائديًّا: "حتى لمَن كان له أدنى العقول وأبسطها"، فصفع به مَن يراهن على حياديته وركل به مَن ينتظر سموَّ عدالته ونزاهته وسحق به مَن يُسبح بحمده أو يحج لبيته الأسود القاتم الفاسد.

 

إن الدعم المطلق للعصابات المغتصبة وللمستوطنين الأجانب بفلسطين، بل والخطاب الرقيق والغزل العفيف لقيادات المستعمرين، ثم الاعتراف بفلسطين كوطن قومي لليهود، وما يلي ذلك من إلغاءٍ لحق العودة "الثابت وطنيًّا وأخلاقيًا، وقبل ذلك وذاك عقائديًا" كان قد كشف سوءة أقطاب المروِّجين للكلب الأمريكي بالمنطقة والمُحَسِّنِيْنَ لوجهه القبيح، وجعل الاستمرار في دعم الحصار ومحاربة المجاهدين والمقاومين والتآمر عليهم وعلى قضيتهم وقضيتنا الأولى من الخيانة العظمى، ومن الطامة الكبرى ومن الفجيعة القصوى لمَن يقف وراءه علانيةً أو مستترًا.

 

وكنت أظن- لا سمح الله- أن هناك ذرةَ نخوةٍ أو لمسةَ صحوةٍ ممن يسمون بالأنظمة اللا شرعية بالمنطقة؛ فيهبوا وينتفضوا ضد سيدهم حين يعلن من داخل الأراضي المباركة ما أعلن، بل ويسدوا الطرقات والأجواء ضد مرور "مهبولهم" الأمريكي المتصهين، معلنين نهضتهم وهبَّتهم في وجه الظلم القديم والعنت البعيد المديد، مبدين انزعاجهم، مستنكرين أقوال سيدهم وأفعاله، مظهرين إقضاض مضاجعهم وفقدان عقولهم بسبب قضيتنا وقضيتهم، فإذا بهم لم يخيِّبوا رجاءنا ولم يقضوا على آمالنا وأبادوا خيالنا، فظهروا على حقيقتهم، وانكشفت عوراتهم، وساروا على درب وطريق راسمي مساراتهم ودروبهم، وكأنهم عرائس حلوى أو أرجوزات مولد مولاهم التي لا تلاقي من مصيرٍ إلا الهدم والتهدم عند نفاد مهمتهم.

 

إن العالم من غير المقاومة والمقاومين "الذين يقضون مضاجع العتاة الظالمين المتجبرين"، كما يتمنَّى ويرجو رأس الإدارة الأمريكية؛ لهي من الأمنيات المستحيلة، والرجاءات التي لا يمكن حدوثها وتحقيقها طالما أن هناك عينًا تطرف، أو قلبًا ينبض في جسدِ هذه الأمة التي لاقت وتلاقي الضربات المؤلمة حينًا والموجعة أحيانًا أخرى، في عصرٍ ندر فيه عمُر وصلاح الدين أو قطز، وهي لا تزال أمةً عزيزةً بمجاهديها، كريمةً بشهدائها، مرفوعةَ الرأس والهامات بمقاوميها.

 

إنَّ المرءَ ليحس بالفخر والفخار حين يسمع ويستشعر القلق الأمريكي الصهيوني من حماس وأقرانها، وكيف أنهم جعلوا نومهم صعب المنال وأمنهم عديم الحدوث وأهدافهم المعلنة والمستترة بعيدة التحقق.. كل ذلك على الرغم من مظهرهم المنتفش وصوتهم العالي وسطوتهم وصولتهم وجولتهم في ساحات العالم بشكلٍ يُوْحِي للمتتبع المهووس والمسحوب لهم ولمسيرتهم بأن بيدهم ملكوت كل شيءٍ، وهم على كل شيءٍ قادرين، فرفع يديه ومقدراته معلنًا استسلامه لقدره المزعوم ولمصيره المجزوم والمحتوم، غافلاً عن حقيقة الحقائق، ملك الملوك، قيوم السماوات والأرض الذي يقول للشيء كن فيكون، والذي تتصاغر أمام عظمته وجلالته الأمور والأشياء والأحداث فيُحْتقرُ أمرها ويُتضَاءلُ قدْرُهَا وتظهر على حقيقتها وبحجمها الطبيعي المختفي أمام الرتوش والمساحيق.

 

إن فَقْد العقل مِن الرجل أو فَقْد الرجل لعقله لهي من السمات الأساسية والصفات الرئيسية والسمات اللصيقة لبوش وأمثاله من الكلاب النائحة والبهائم المتحركة؛ إذْ إن أقواله وأفعاله، بل وأمنياته وآماله، وأخيرًا قلقه وتخوفاته، لهي البرهان الواضح والملمح البيِّن لهذا الفقد وتلك الغباءات المغطِّية على الكيان والفكر والعقل بشكلٍ يندُر حدوثُه إلا من أمثال أبي جهلٍ أو أبي لهبٍ أو أبي أي شيءٍ آخر ممن لفظهم الدهر وفضحهم التاريخ وعفا عليهم الزمن، فأصبحوا من سماتِ التاريخ العفنة ودلالات مراحله المؤيدة والمؤكدة حقيقةَ انهزام الباطل واندحار الضلال في لحظات اغتراره بقوته وانتفاشه بباطله وضلاله وطغيانه.

 

إن الأملَ المرجوَّ من النصر والتمكين الرباني "والذي اقتربت بُشرياته واتضحت إرهاصاته بشكلٍ أصبح ملموسًا وواضحًا"، لا يجب أن يُنْسيَنا أو يُبْعد فكرنا ويُغْفل عقلنا عن سماته الأصيلة وصفاته الأصلية من أننا نستأهل النصر والتمكين عند تمكُّن الربانية من قلوبنا ونصرة العبودية بنفوسنا، فيرضى عنا رب الأرباب وملك الملوك والمعبود بحق فوق المعبودات الضالة والمضلة من أمثال الأغبياء والمخابيل الفاقدين العقل والفكر، بل والفاقد العقل والفكر لهم ولرجولتهم.. عندها نتنسم نصرة الحق ونستنشق عبيره، وعندها ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5)﴾ (الروم).