لا يكاد يختلف اثنان على الدور الذي برعت الآلة الإعلامية الصهيونية في فرضه في ساحة التأثير على الرأي العام العالمي من خلال الدعاية الصهيونية، وأن هذه الماكينة الشيطانية حولت جزءًا كبيرًا من قوتها تجاه الشارع العربي لجهة إحداث ذات التأثير في الرأي العام العربي، مستندة إلى قوة تنظيمها وتنظيم قوتها باتجاه تحقيق أهدافها بأقصر الطرق وأقل التكاليف بغض النظر عن الوسائل المتبعة طبقًا للنظرية الميكافيلية "الغاية تبرر الوسيلة".

 

هذه القوة في التأثير منحت الإعلام الصهيوني القدرةَ والقوةَ على المبادأة والمبادرة في تنظيم الهجوم الإعلامي في الساحة الفلسطينية والساحات العربية العاجزة تقريبًا عن الوصول إلى الساحة الصهيونية الداخلية رغم كونها تعج بالتناقضات، الأمر الذي منح الإعلام الصهيوني عمقًا وقوةً إستراتيجيةً في ظل غياب القدرة العربية الفلسطينية الإعلامية الرسمية والخاصة عن مواجهته هذا التفوق الإعلامي الصهيوني بما يمتلك من إمكانات ضخمة ونفوذ واسع.

 

الأمر الذي كان يفرض وما زال على الإعلام الفلسطيني الحكومي لعب أدوار غير التي يورط نفسه فيها الآن، والتي كانت ثمرةَ نجاحٍ وشاهدًا على إنجاز الإعلام الصهيوني وسياساته التمزيقية لمهمته في اختراق الساحة الفلسطينية وإحداث التأثير المطلوب لجهة إشغال الفلسطينيين بأنفسهم عن همِّ القضية والتحرير.

 

كم كنّا نتمنى من الإعلام الفلسطيني الرسمي الذي باتت ترعى الإعلام فيه الآن حكومتان إحداها تلقى رعايةً وتشجيعًا صهيونيًّا ودعمًا دوليًّا، والأخرى محاربة محاصرة إلى حد الاختناق، أن يشن حملة لإحياء البعد القومي العروبي للقضية الفلسطينية لجهة منع الفضائيات العربية من التطبيع المجاني مع الصهاينة عبر استضافتهم على شاشاتها في الوقت الذي لم تشهد فيه الفضائيات الصهيونية استضافة أي سياسي أو ناطق عربي رسمي أو شعبي.

 

وكم كنا نتمنى وما زلنا أن ينظم الإعلام الرسمي الفلسطيني حملات لا تنقطع لمنع السياسيين العرب، فضلاً عن الفلسطينيين من الظهور في أي برامج حوارية يشارك فيها صهاينة أيًّا كانت صفاتهم.

 

إذا كان الإعلام الصهيوني يعتمد على "علم الإعلام والعلوم الأخرى المتفاعلة معه كالاجتماع والنفس والسياسة لتضمن فعالية الرسالة الإعلامية، وبرنامجها السياسي"، وإذا كان همه الدائم التأكيد على "شرعية الاحتلال الصهيوني وإرهابية المقاومة بكل الوسائل لتعطي برنامجها الإعلامي دفقًا وحيويةً وبدونه يصبح خاليًا من المضمون ودليلاً تستند الدعاية الصهيونية إليه لإثبات عجز العالم العربي وضعف قدراته"، وإذا كان أولى أولويات الدعاية الإعلامية الصهيونية التأكيد "على أن الجماعات اليهودية هي في واقع الأمر أمة يهودية واحدة لا بد من جمع شمل أعضائها لبناء الدولة اليهودية القوية، وهي تركز على يهودية الدولة، أي أنها ليست دولة لمواطنيها، وإنما هي دولة لليهود فقط من مواطنيها وتلتزم الصمت الكامل حيال العرب لتغييب دورهم وتعمل جاهدة لتشويه صورتهم إن كان ثمة ضرورة لذكرهم".

 

فلماذا ليس لدى الإعلام الفلسطيني الذي يتميز بالوعي القومي والبعد العربي والإسلامي خطة علمية عاقلة بعيدة المدى لمنع الإعلام الفضائي العربي المضلل من تبني هذه الرؤية الصهيونية التي تجهد في التأكيد على العجز والضعف والتناحر العربي والخلافات العربية- العربية من خلال اعتبار الصراع يهوديًّا فلسطينيًّا وليس عربيًّا إسلاميًّا يهوديًّا!!.

 

إذا كان الإعلام الصهيوني يجهد نفسه كثيرًا في استمرار تصوير الأمة اليهودية أمة مسكينة مضطهدة في وجه البحر العربي المعادي، فلماذا تغيب عن إعلامنا الفلسطيني صورة شعبنا المشتت في مخيمات اللجوء العربي لا بكل همومه وشجونه؟ ولماذا تغيب صورة جاليات شعبنا المهجر في مختلف دول العالم الغربي والأوروبي بكل مآسيها، لتدحض وبقوة كل المزاعم الصهيونية ومساعيه الكبيرة في تصوير نفسه كمدافع عن حياته في وجه الإرهاب الفلسطيني، من خلال إظهار حجم الكارثة والمحرقة الصهيونية بحق شعبنا والإنسانية؟

 

إذا كان الإعلام الصهيوني ما زال يتخذ من أكذوبة المحرقة النازية عباءةً لحربه التضليلية وبدلة غوص في بحر الإنسانية ومعانيها المؤثرة والمستعطفة لهذا العالم تجاه الدولة اليهودية، فلماذا تغيب عن إعلامنا العربي والفلسطيني وضمن سياسة مبرمجة صورة كل ضحايا المحرقة النازية منذ ثلاثينيات القرن الماضي وحتى الآن، وخصوصا المحارق التي ارتكبتها ماكينة القتل والبطش الصهيونية في الساحتين الفلسطينية واللبنانية؟

 

كم كنا نتمنى أن يكون للإعلام الفلسطيني والعربي دوريات ومطبوعات ذات طابع وصبغة وخطاب دولي في مختلف دول العالم لمواجهة تلك الدوريات الصهيونية التي تعمل على تقديم الحقيقة للقضية الفلسطينية من وجهة النظر الصهيونية فقط، ونحن كإعلام فلسطيني رسمي نمتلك القوة المتمثلة في الحق والحقيقة، كما نمتلك القدرة المتمثلة في قدرة جالياتنا في مختلف دول العالم على تقديم هذه الحقيقة وبجهود وإمكانات بسيطة لو توفرت الإرادة، ولو وجدت الخطة، ولو خلصت النوايا.

 

أجهد الإعلام الصهيوني نفسه كثيرًا في محاولة إظهار دولة العدو في ثوب واحدة الديمقراطية الوحيدة في صحراء الاستبداد والدكتاتوريات العربية، ولكننا وللأسف لم نجد أي جهد ذي بال للإعلام الفلسطيني الرسمي في إظهار أنزه انتخابات ديمقراطية في العالم في ظل الاحتلال لجهة إظهار زيف الادعاءات الصهيونية التي قامت بمحاصرة نتائج هذه الانتخابات ومعاقبة شعبنا على خياره الديمقراطي من خلال فرض الحصار الظالم والقاتل على شعبنا كل شعبنا بأطفاله ونسائه وشيوخه.

 

قد يتساءل المرء لماذا لا تتحقق الأماني السابقة؟ ولماذا تغيب الإرادة ولا توجد خطة ولا تخلص النوايا؟

 

والجواب واضح وبسيط وهو عدم توفر عوامل لا بد منها لنجاح أي مسعى إعلامي وطني حيال القضية الفلسطينية الأقدس والأشرف على مدار التاريخ ومن هذه العوامل:

- تحول القائمين على هذا الإعلام الفلسطيني الرسمي إلى بيادق لتنفيذ أجندات حزبية لجهة إظهار صوابية رأي الحزب أو الفصيل حتى ولو كان على حساب مصداقية القضية.

- عجز القائمين على الإعلام الفلسطيني الرسمي عن استغلال الطاقات الهائلة الكامنة في الأمة لجهة صهرها لتصب في بوتقة الهدف الكبير المتمثل في التغلب على المشروع الصهيوني.

- عجز هؤلاء عن تكملة البناء الإعلامي أفقيًّا وعموديًّا وعن خوض جميع الميادين الإعلامية، مستغلين المكانة العظيمة التي باتت تتبوأها قضيتنا كرأس حربة الأمة في مواجهة المشروع الصهيوني.

- عجز هؤلاء عن تسويق الخطاب السياسي الفلسطيني برؤيته ومرجعيته الإسلامية عبر الخطاب الإعلامي القادر على محاكاة المرحلة الجديدة والمهمة من تاريخ قضيتنا.

- عجز هؤلاء عن إتقان التحدث باللغة التي يرتاح لها المواطن الفلسطيني محليًّا، في الداخل والخارج، والعربي والإسلامي في كافة أماكن تواجده، والدولي المضلل بالدعاية الصهيونية.

- وعجز هؤلاء عن نسج خطاب إعلامي يشرح القضية الفلسطينية بأدوات فكرية وثقافية عالمية، ويخاطب العالم باللغة التي يعرفها ويفهمها.

- عجز هؤلاء عن التحلي بالمصداقية ونقل الصورة الحقيقية للأوضاع التي تعيشها الأراضي الفلسطينية بموضوعية سهلة الاستيعاب لجهة تفهمها وتقبلها في سياق الصراع مع الاحتلال الصهيوني.

- اللغة التصادمية التي يعتمدها هؤلاء والتي تظهرنا كمدمني حكم واستئثار وعجزهم عن مغادر مقاعد الفئوية الضيقة الأمر الذي لا يساعد على إقناع الشعب والعالم بمواقفنا كشعب يريد التحرر.

- قيام هؤلاء بزج الرأي العام في تيه وزحمة تفاصيل صراعاتنا الجانبية الداخلية، فضلاً عن الانخراط في جبهة الصراع المفتوحة بين الغرب والصهاينة وبين الإسلام والمسلمين، والتي تمثل القدس ساحتها الأبرز.

- استئثار هؤلاء بالمواقع الفضائية والإلكترونية، والنشريات المطبوعة التي لا يقرؤها إلا محازبوهم وكالصحف والمجلات التي لا تبيع نفسها.

- تميز هؤلاء بعقول قاصرة وأفهام عاجزة وبقصر النظر وطول اللسان، والإصرار على النظر إلى الأمور كل الأمور عبر نظارة حزبيتهم وفئويتهم، والتسلح بشهادات علمية لا يكاد يعترف بها أحد.

-----------

* صحفي وباحث سياسي