د. حامد أنور

 

ليس إنجازًا أن تتحوَّل مصر إلى دار مناسبات؛ تقام فيها المؤتمرات من حين لآخر.. ليس فخرًا أن تصبح مصر صالةَ أفراح؛ تُعقد فيها الاحتفاليات العالمية التي يتم فيها تربيط وتنظيم السياسات العالمية المقبلة.. إن مصر أكبر من ذلك بكثير..

 

إن التهليل الذي خرج به المسئولون وردَّدته هتافات الإعلام القومي على طريقة الموالد في منتدى دافوس لن يُخفي تباشير السقوط الاقتصادي المدوي؛ الذي ينجرف إليه العالم؛ وذلك لأننا قبلنا أن نكون مجرد ترس في تلك المنظومة؛ أن نكون مجرد موظفين ينفذون السياسات دون مراجعة أو مناقشة.

 

لقد تم الإعلان في هذا المنتدى من خلال الخطاب المصري أن طريق الاقتصاد الحر هو اتجاه واحد لا رجعة فيه، وأننا ملتزمون بكل جوانبه ومتطلباته، رغم وعورة هذا الطريق، ورغم كل المخاطر المحدقة والتي تنتظر العالم بأسره من أباطرة المال وأقطاب الرأسمالية المتعطشة إلى دماء الفقراء.

 

فالاقتصاد الحر والذي يتم تنفيذه من خلال اتفاقية توافق واشنطن يعني ببساطة أن الكرة الأرضية كلها بطولها وعرضها ساحة مفتوحة لرءوس المال الغربية تذهب أينما تشاء وتحط حيثما تشاء، بلا أي عوائق أو حواجز تمنعها وتصبح شعوب الأرض عمالاً عبيدًا، إن اعترض البعض على الأجر يتم الاستعانة بآخرين، إن أبى المصريون فلن يأبى الهنود أو البنغاليون أو الصينيون، ويختفي دور الدولة في رعاية أبنائها ومواطنيها صحيًّا وتعليميًّا، ويقتصر دورها فقط على النواحي الأمنية، من خلال قانون عالمي موحد لما يسمَّى بالإرهاب، أَوَليس هذا هو الجحيم على الأرض؟ أليست تلك الانتهازية الغربية ذات القيم الظلامية؟

 

أما حديث السيد بوش عن الديمقراطية فهو هراءٌ لا يستحق أصلاً أن يلتفت إليه؛ لأنه كالدخان ينتشر في الهواء ويتصاعد إلى أعلى ثم لا شيء؛ لأن الولايات المتحدة الأمريكية هي أكبر عدو للديمقراطية؛ لأنها تقوِّض هيمنتها على العالم إن أمريكا لا تقبل أن يناقشها أحد، أن يراجعها أحد، إنها عدو الإنسانية الأول.

 

ولقد لفت السيد جوزيف ستيجلتز نائب الرئيس الأسبق للبنك الدولي النظر إلى هذا الأمر، حين قال "إن توافق واشنطن يؤدي إلى اعتبار عملية الخصخصة ولبرلة الأسواق غايات في حد ذاتها أكثر من وسائل ترمي لبلوغ تنمية مدعومة وعادلة وديمقراطية، وتناول ثلاثة أمثلة تدعيمًا لأطروحاته: أولها الفشل في الفرض السريع لنظام السوق في بلدان أوروبا الشرقية، وثانيًا تنامي حالات عدم المساواة وظهور مجتمع ثنائي في البلدان التي نفذت قواعد توافق واشنطن، وثالثًا معجزة بلدان شرق آسيا التي كانت قد نشأت بفضل مناهج أخرى غير التي كان خبراء واشنطن أشادوا بها (كتاب العالم لنا.. كريستوف أجبتون.. ترجمة طارق كامل صفحة 62).

 

وبقي أن نعرف أن السيد ستيجلتز قد أجبر على تقديم استقالته عام 1999م، أرأيتم أن الديمقراطية الأمريكية ترحِّب بكل الآراء، ولنوضح أكثر مدى الخراب الاقتصادي الذي ينتظر العالم، سنحاول أن نفهم سويًّا وضْع الاقتصاد العالمي، والذي أقامته أمريكا في العالم بعد الحرب العالمية الثانية؛ حيث نصبت أمريكا، كما يوضح الأستاذ يوسف شرارة، في كتابه (مشكلات القرن الحادي والعشرين والعلاقات الدولية)، الصادر عن مكتبة الأسرة؛ فيقول: إن أمريكا نصَّبت نفسها البنك المركزي للعالم، فتقدِّم للعالم سنويًّا العديد من الدولارات لموازنة ميزانها التجاري، ولا يكلفها ذلك سوى طبع المزيد من الدولارات، وعندما تجد أن ما تقدمه من دولارات قد زاد بشكل كبير، خاصةً عندما أرادت مواجهة تكاليف حربها في فيتنام، فإنها تقوم بخفض سعر الدولار بالنسبة للعملات الأخرى، فتقلل بذلك من التزاماتها المادية في مواجهة من سبق وأغرقتهم بالدولارات (الكتاب صفحة 130).

 

وعلى ذلك فإن أمريكا بسبب حربها الخاسرة في العراق وزيادة الأعباء المالية عليها قامت بتخفيض سعر الدولار أمام العملات الأخرى، وكلما قدمت المزيد من التمويل طبعت المزيد من الدولارات دون أن يقابلها موارد حقيقية توازي تلك الزيادة من الدولارات، وهذا يفسر ارتفاع أسعار البترول، رغم ثبات المعروض إن لم يكن قد زاد، وارتفاع أسعار الغذاء العالمي؛ لأن أمريكا في وكستها بالعراق تريد أن تغرق العالم كله معها، وأن يتحمل معها قراراتها الغبية، لذلك أقول أنا ومعي الموظفون في مصر: ما لنا ولسياسات أمريكا الاستعمارية فلتذهب هي إلى الجحيم.

 

ما لنا نعاني في طعامنا وغذائنا وحياتنا المعيشية من أجل كهنة البيت الأبيض، ولو أن منظمة الأوبك تُحسِن التصرف؛ لقامت بوضع عملة موحدة لها تتعامل من خلالها في أسواق البترول العالمية، وتتحرر من الدولار الأمريكي ذي الشعارات الماسونية، والذي بدأ ينافس الجنيه المصري، وينتزع منه لقبه الأشهر "الملطوش"!.

---------

* d.hamedanwar@yahoo.com