لعل مرور ستين عامًا على المشروع الصهيوني مناسبة لتفقد ما أحدثه المشروع من أثار مدمرة على الجسد العربي, حتى يعود العرب إلى رشدهم, فيفضوا الاشتباك بين جميع التحالفات والمواقف والمتاريس التي دفعهم إليها هذا المشروع الصهيوني، وهل يدرك العرب حقًّا أن هذا المشروع قد تجاوز في آثاره حدود الأمان، وأن كل المشكلات بينهم سببها هذا المشروع؟؟.

 

لقد أدرك الصهاينة أنهم لكي يزرعوا كيانًا غريبًا في جسدٍ يقوم على قيم التضامن والتماسك المستمدة من تقاليد عربية إسلامية, فإن ذلك يتطلب إستراتيجيةً متكاملةً, نستطيع الآن أن نرى معالمها وخطوطها الدقيقة بوضوحٍ في جميع أجزاء الجسد العربي.

 

ولكننا- لاعتبارات عملية وأخلاقية- لن نظهر هذه الصورة بالأشعة المقطعية وإنما نمر على الخطوط العامة التي لا جدالَ حولها أو بشأنها, والهدف الأول والأخير هو التئام الجسد العربي قبل أن يفتك به المرض وتتفاقم حول المرض قيم تلتبس مع مصلحة الجسد نفسه, وهي سلة من الاعتذارات والتبريرات أضاعت الجهد والمال والعمر فيما لا يفيد هذا الجسد.

 

فالواضح تمامًا أن الصهيونية اعتمدت على خطة ذات محاور أساسية, أولها التحالف المطلق مع القوة الأهم في العالم, وثانيها أن تقوم هذه القوة بإخضاع العالم العربي, ومن خلال ذلك إخضاعه لرغبات إسرائيل بحيث تظهر إسرائيل وكيلاً كاملاً عن هذه القوة, كما تظهر هذه القوة الأهم للعرب فيصبح أي مساسٍ بالقول أو الفعل أو بالشعور بإسرائيل داخل العالم العربي وخارجه هدفًا للعقاب القاسي من جانب هذه القوة, بل إن واشنطن دفعت النظم العربية دفعًا إلى المشروع الصهيوني واستمراره دون أدنى اكتراث لأثر ذلك على الجسد العربي؛ وذلك بعد أن ربطت واشنطن هذه النظم بشبكةٍ من المصالح والأوهام فأصبح السلوك العام لهذه النظم وخطاباتها متفقًا شكلاً مع مصلحة هذا الجسد العربي بينما الفعل الحقيقي انتقاص كامل من قدراته.

 

وقد ترتب على سطوة إسرائيل على المنطقة بقدراتها الذاتية والأمريكية العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية شق العالم العربي, فأصبحت كل مشاكله بلا استثناء مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بالمشروع الصهيوني، ورغم أن المقالة تهدف كما ذكرنا إلى الدعوة لمراجعة الأحوال العربية وضبط السلوك العربي وتنبيه العالم العربي إلى نفض ما ران عليه هذا المشروع لكننا لا نجد باسًا من الإشارةِ إلى الأثر المباشر للمشروع على الجسد العربي وعلاقاته الداخلية.

 

ففي الساحة اللبنانية كان حزب الله المقاوم موضع إعجاب جميع النظم العربية, يوم كانت المقاومة هي البديل لعزوف النظم العربية عن المواجهة العسكرية لكف يد إسرائيل عن الفتك بالفلسطينيين، ولكن عام 2006 تغيَّر الموقف حيث انقسمت النظم العربية بين فريقين, أحدهما يُحمِّل حزب الله المسئولية ويتهمه "بالعدوان" علي إسرائيل, والفريق الأخر يرى أن ما فعله الحزب هو دفاع مشروع وبطولي ضد إسرائيل عوضًا عن واجب المساندة, في وسطٍ عربي شعبي كاسح يرفع صور حسن نصر الله بعد أن شعر الشارع العربي بساحة عربية رسمية واستغلق عليه فهمها، ولكن الجميع حزين بعد أن حل بـلبنان الشعب والوطن كل هذا الدمار.

 

غير أن هذا النصر لم يشفع لدى أوساط لبنانية وعربية رسمية, فحاربت الحزب اتساقًا مع الخط الأمريكي والإسرائيلي تحت دعاوى متعددة منها, إنه حزب شيعي يسعى لسيطرةٍ شيعيةٍ على العالم العربي، وإنه يعمل لحساب إيران وهم من شدة عروبتهم يغارون على العروبة من سطوة الفرس, وهم لا يدركون أن الشارع العربي يرقب مواقفهم, حتى بلغ الأمر بأن أحد أشهر المسئولين العرب يشبه حسن نصر الله بشارون, وأنه في ضوء هذا الواقع اعتبره مدحًا في مقام القدح ما دام شارون هو زعيم دولة "شقيقة", والنتيجة أن أي تسوية في لبنان لن يكتب لها النجاح مهما كانت مقبولة, لمجرد أن واشنطن وإسرائيل لا تريدان لبنان هادئة؛ لأن هذا الهدوء معناه التخلي عن الجدل حول حزب الله وسلاحه, وهي القضية الوحيدة التي تسعى إليها الدولتان, حتى لو احترق كل لبنان، كما أن حلفاء أمريكا وإسرائيل في لبنان الهادئة سوف يصعب عليهم التكيف مع الوضع الجديد حتى لا يقال إنهم هزموا.

 

فما دام الحزب وسلاحه مطلبًا أمريكيًّا وإسرائيليًّا, فلا بد أن تصمم الساحة اللبنانية في نظرهم لتحقيق هذا المطلب، ويؤسفني أن أقر أن شق الصف العربي وارتباط هذا الانقسام بـأطراف المشهد اللبناني وبالمشروع الصهيوني ومتطلبات استمراره في هذه المرحلة الدقيقة من تطوره قد تؤدي إلى استمرار الأزمة في لبنان, خاصةً أن الصراع يدور حول هوية لبنان وموقعه في الصراع العربي الإسرائيلي, كما يدور حول موقع كل طائفةٍ ووزنها في الساحة اللبنانية.

 

وفي الساحة الفلسطينية يعلم أبو مازن وجهة المشروع الصهيوني ولكنه ربما يعتقد أن التفاوض يعطل المشروع, لكنه يثق قطعًا في أن الحديث عن دولةٍ فلسطينيةٍ ولو مؤقتة وهم وخيال، ومع ذلك فهو يلعب الدور لأسباب كثيرة لا مجالَ لتفصيلها، ويعلم أن إسرائيل تعتبر شق الصف الفلسطيني هو أهم مراحل تطور المشروع ومحطاته.

 

والخلاصة هي أن المنطقة انقسمت فعلاً بين مؤيدي المشروع الصهيوني ومعارضيه على المستوي الرسمي، وأن هذا الانقسام هو الذي خلق المشاكل بين الدول العربية، ولم تكن تلك المشاكل قائمة يوم أجمعت الدول العربية على فهم موقف واحد لهذا المشروع، ولكنها بدأت تنقسم انقسامًا مريرًا يوم اختلفت حول مدى خطورة المشروع الصهيوني وطرق مواجهته, فبعضها رأى مواجهته بتركه يمضي في سبيله, وقلة رأت ضرورة التصدي له, ولا يوجد بين "المعتدلين والمتطرفين" مشكلة خاصة, سوى أنهم يعملون في سياقات مختلفة، وأخشى أن يكون هذا الانقسام الناجم عن اختلاف المواقع قد تحصَّن بارتفاع أسوار المصلحة داخل كل موقع, فأصبح صعبًا العودة جميعًا إلى إعلان الحرب على المشروع الصهيوني المرتبط عضويًّا بالاستهتار العالمي الذي تقوده واشنطن.

 

فهل يجرؤ أحد على مواجهة واشنطن في نهاية الطريق؟! وهل يدرك الجميع خطورة المشروع لكنهم مختلفون على طرق مواجهته حقًّا أم أن البعض بدأ يدرك أن المشروع ليس هو الخطر وإنما الخطر هو أي هدف آخر تحدده واشنطن؟!.