في أقل من 5 أشهر زار الرئيس الأمريكي بوش العالم العربي مرتين في نهاية ولايته التي لم يتبقَّ منها إلا 8 شهور، ولم يفعل بوش خلال ولايته في 8 سنوات إلا إشعال الحروب في العالم الإسلامي؛ في أفغانستان والعراق وفلسطين والصومال، وأخيرًا في لبنان، وتقييد الحريات في أمريكا نفسها.
ولم يُخفِ بوش في خطابه التنصيري التوراتي أمام الكنيست الصهيوني أيًّا من أهدافه ولا تحالفاته، ووضَعَ حلفاءه وأصدقاءه في العالم العربي أمام الحقائق العارية، فهو في تحالف أبدي إستراتيجي مع العدو الصهيوني الذي يرى فيه كأي أمريكي أنموذجًا مصغَّرًا للتجربة الأمريكية، وأعاد إلى الذاكرة المقولة المتداولة بأن هذا الكيان إنما هو الولاية الـ51 لأمريكا؛ فهو مجتمع قام على الاغتصاب وطرد السكان الأصليين، كما أباد الأمريكيون الهنود الحمر، وقاموا على موجات الهجرة التي لم تتوقف إلا تحت ضغط المقاومة المسلَّحة مؤخرًا لتبدأ الهجرة المعاكسة، وهو مجتمع يقوم على أسس الديمقراطية واقتصاد السوق، وسط بيئة استبدادية وفساد منتشر في العالم العربي.
إذًا هذه أهم صفات هذا الكيان الذي تحميه أمريكا بترسانتها المسلَّحة، ويؤكد رئيسها أن حماية أمن هذا الكيان هي أهم أولوياته ضد من؟! ضد شعب فلسطيني مقاوم مجاهد، لم يستسلم طوال ستين عامًا، ولم يتحول إلى هنود حمر يعيشون في معازل، ولم يفرّط في أي من ثوابت قضيته؛ مثل حق العودة وحق تقرير المصير وتحرير الأرض الفلسطينية، ولو على مراحل، كما اتفقت معظم الفصائل حتى الآن.
أطلق بوش في خطابه تهديدات بمحو كل من يقف ضد هذا الكيان العنصري من الخريطة، وحدد بالذات حماس وحزب الله، وجمع بذلك السبب الرئيسي لتلك الحملة المحمومة الآن في المنطقة ضد مبدأ المقاومة وثقافة المقاومة؛ فالمشكلة ليست في ارتباطات حماس وحزب الله ولا في الخلفية العقائدية لكل منهما؛ فهذه حركة سنية وذلك حزب شيعي، لكن ما يجمعهما هو الوجود في خندق المقاومة المسلَّحة ضد العدو الصهيوني، وقدرتهما على إلحاق الأذى بذلك الكيان العنصري.
حمل خطاب بوش التحريضي والتنصيري ملامح القلق على مستقبل هذا الكيان العنصري، رغم كل محاولات الطمأنة وتقديم الضمانات، فما تلك المبالغة في التأكيد على حماية هذا الكيان إلا بسبب زيادة القلق على مستقبله، وقد ازداد القلق عندما سقط صاروخ عسقلان مع بدء الزيارة؛ في إشارة واضحة إلى بوش والمحتفلين في لبنان عندما جرت محاولة لبدء نزع سلاح المقاومة بتجريم شبكة اتصالات حزب الله وعزل مدير أمن المطار القريب منه؛ فإذا بالأحداث تنفجر في وجه جنبلاط الذي أطلق المؤامرة، وورَّط فيها شركاءه في الموالاة؛ مما أدى إلى عودة الأمور إلى ما كانت عليه.
وبدأ حوار وطني لنزع فتيل المواجهة التي حاول البعض إشعالها في بلد الطوائف الـ17، والذي لا يتحمل أي نوع من الفتن الطائفية؛ لأنها ستتحوَّل إلى حروبٍ أهليةٍ يحارب الكلُّ فيها الكلَّ، وطن ركّبته فرنسا تركيبًا عجيبًا؛ لا حلَّ له إلا التفاهم والعمل المشترك، رغم كل الفروق الطائفية والدينية المذهبية، وأي حرب فيه يخسر فيها الجميع.
انتقل بوش إلى السعودية ليحصل على هدية بضخ كميات أكبر من النفط منذ 10 مايو؛ في محاولة لإطفاء حريق أسعار النفط التي قارب فيها البرميل حاجز الـ130 دولارًا، وقدمت السعودية ترضيةً بزيادة إنتاجها بحوالي 3% رغم إجماع الخبراء على أن الزيادة لن تؤثر في الأسعار؛ لأن السبب الرئيسي هو ضعف الدولار ومضاربات الأسواق، وكانت الزيادة قبل الزيارة بأيام كبادرة لحسن النية.
خطورة أسعار النفط أنها تهدد الاقتصاد العالمي وأنها جاءت كانقلاب على السياسات الأمريكية التي شنت الحروب خلال العقد الماضي للسيطرة على منابع النفط والتحكم في اقتصاد أوروبا والصين والهند واليابان؛ فإذا بالسحر ينقلب على الساحر، وإذا بالعالم واقتصاده يواجه مشكلات أكبر من ارتفاع أسعار النفط، وجاءت الزيارة نفسها مع تخبُّط وارتباك خطط أمريكا وحلفائها لتشتعل أسعار المواد الأساسية، خاصةً الغذاء، والتي ستستمر كما يقول الخبراء من 3: 5 سنوات.
يتمتع الساسة السعوديون بحذر شديد وحكمة في التعامل مع ملفات السياسة الإقليمية والدولية مما عظَّم دور المملكة في الساحتين الإقليمية والإسلامية، لذلك تعاملوا مع إدارة بوش المتعجرفة بما يناسبها من حذر، فلم ينساقوا مع كل الملفات حتى مع إيران التي استقبلوا رئيسها نجاد من قبل وهم يعلمون أن العدو الرئيسي الثابت الذي يمثل الخطر الأكبر على العرب والمسلمين هو العدو الصهيوني الطارئ على المنطقة، والذي لن يهدأ له بال ولن تتوقف خططه حتى يسيطر على كل المنطقة ويسخِّرَها لأهدافه، والذي يحمل كيدًا ثابتًا بنص القرآن العظيم للإسلام والمسلمين.
في نهاية زيارته مرَّ بوش كما في المرة السابقة بشرم الشيخ؛ لا ليزور مصر زيارةً رسميةً ولكن ليحضر منتدى دافوس، وعلى هامشه يلتقي بالرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي تلقى طعنةً نجلاءَ من بوش مرتين خلال أسابيع في واشنطن عندما استقبله، وفي خطابه الأخير أمام البرلمان الصهيوني؛ الذي تجاهل فيه الشعب الفلسطيني ومعاناته خلال ستين عامًا، وتماهى مع كل المطالب الصهيونية، وأيد فيه أولمرت أضعف رئيس لوزارة العدو الصهيوني في كل سياساته المتجاهلة لحقوق الفلسطينيين.
يترك بوش عباس في حيرة شديدة وسط طريق مجهول لن يؤدي إلى نتيجة، فهو لا يستطيع التراجعَ ولا يملك التقدمَ بوصةً واحدةً، وهكذا كل حلفاء بوش الذين يعاملهم بنفس منطق التعامل مع أعدائه "من ليس معنا فهو ضدنا"، فلا يقبل منهم إلا تنفيذ التعليمات والأوامر، وهم لا يقدرون ويماطلون؛ لأن النتيجة الوحيدة هي إشعال المزيد من الحروب والنزاعات في سياسة الهروب إلى الأمام من حرب خاسرة إلى حرب خاسرة، إلى الدمار والفوضى.
أما مصر فليس أمامها الآن مكان في أجندة بوش؛ فمكانتها تراجعت وقدراتها تآكلت، وسمعتها الديمقراطية في الحضيض؛ لأنها تمنع الناس من الترشيح للانتخابات بعد أن كانت تمنعهم من التصويت في الصناديق، ومصر الرسمية تخاف من بوش وأوامره وطلباته وضغطه، فالهواجس كبيرة والعلاقات ليست على ما يرام، ومصر الشعبية تقول بأعلى صوت: لا مرحبًا بك ضيفًا ثقيلاً.
هل يستطيع بوش في زيارته الوداعية أن يشعل حربًا جديدةً دق طبولها أمام الكنيست؟! الخبراء منقسمون والحيرة تلف الجميع، والصيف القادم ساخن بل ملتهب، والملفات كلها ما زالت مفتوحةً، وبوش سيدخل التاريخ كما دخله الإمبراطور الروماني نيرون؛ الذي أحرق روما ووقف يغنِّي ويرقص، أما هو فقد أشعل الحرائق في العالم الإسلامي وترك حلفاءه يبكون ويلطمون.
شكر واجب
شكر الله جميع الإخوة الأصدقاء، الذين تفضَّلوا بعزائي في وفاة شقيقي عبد الله العريان، وفي مقدمتهم المرشد العام للإخوان المسلمين الأستاذ محمد مهدي عاكف، وشكرًا لموقع (المصريون) على عزائه، ورحم الله أخي الحبيب، ولا أراكم الله مكروهًا.
الانتخابات الكويتية البرلمانية
انطلقت الانتخابات البرلمانية الكويتية يوم السبت، ولعل النتائج ظهرت الآن، وأظن أن توقعات الخبراء ستصدق، وسيتقدم المرشحون الإسلاميون من الإخوان والسلفيين وسيعزِّزون مواقعهم في البرلمان الجديد؛ الذي يتم وفق تقسيم جديد للدوائر التي أصبحت خمسًا بدلاً من 25.
الحريات العامة والنظام الديمقراطي يضمن للحركة الإسلامية والدعوة الإسلامية المزيدَ من الازدهار والتقدم، أما الاستبداد والفساد وكبت الحريات فإنها تعني العكس تمامًا.
الديمقراطية ليست في مواجهة الإسلام، الديمقراطية في مواجهة الاستبداد؛ فشتان بين دين سماوي شامل كامل، عقيدةً وشريعةً وأخلاقًا ونظمًا للحياة مرنة، تناسب كل العصور، وبين نظام سياسي يحقق ضمانًا للحريات العامة ومحاسبة المسئولين وتداول السلطة والفصل بين السلطات وهو ما يقره الإسلام كمبادئ عامة وقواعد حاكمة.
لا تظلموا الديمقراطية بوضعها في مواجهة الإسلام.