من أربعة وسبعين عامًا ولدتُ في مدينة المنزلة بأقصى شمال دلتا النيل، وفي مجال التعليم كان هناك الكتَّاب لتحفيظ القرآن، ثم تَعَـلم بعض معالم القراءة والكتابة فيما يسمى "المرحلة الإلزامية" أو "الأولية"، ويبدأ التعليم الجاد بالمرحلة الابتدائية (أربع سنوات)، ثم المرحلة الثانوية (خمس سنوات)؛ منها أربع للثقافة العامة، أما السنة الخامسة فهي للتخصُّص الأدبي أو العلمي.
***
التحقتُ بالمرحلة الابتدائية في قرابة العاشرة من عمري، وكانت المدرسة تضم عددًا طيبًا من الأساتذة الإخوان؛ منهم عباس عاشور أستاذ اللغة العربية، وإبراهيم العزبي أستاذ اللغة الإنجليزية، والمهدي قورة أستاذ التربية الفنية (الرسم والأشغال).
وكانت بوادر القضية الفلسطينية تلوح في الآفاق المصرية؛ وذلك في منتصف الأربعينيات، ويتولَّى الإخوان المسلمون الدعاية للقضية، وعملية الشحن المعنوي، وقد قاد الإخوان مظاهرةً بلغت مليونين من المصريين سنة 1947م، وخطب فيها الإمام الشهيد قائلاً: "إن كان ينقصنا السلاح فسننتزعه من أعدائنا ونلقي بهم في قاع البحار".
***
وقد استطاع الأستاذ إبراهيم العزبي أستاذ اللغة الإنجليزية أن يشدَّني إلى الإخوان لأكون شبلاً من أشبالهم، مؤمنًا إيمانًا صادقًا بفكرهم؛ وذلك لما وجدت فيه من أبوة حانية وحسن معاملة، وتشجيع في المجال العلمي.
وكان الأستاذ إبراهيم العزبي يشحن نفوسنا دائمًا بحب فلسطين، ويقتطع جزءًا من حصة اللغة الإنجليزية للحديث عن فلسطين والتوعية بقضيتها، وكثيرًا ما كان يوظِّف اسم "فلسطين" (Palestine) في الأمثلة التي يستعين بها في الشرح، وأذكر من كلماته:
- علينا أن نحب فلسطين؛ لأن حب الوطن من الإيمان.
فقال له التلميذ عبده عافية: لكننا تعلَّمنا أن وطننا هو مصر لا فلسطين، ومما حفظناه من الأناشيد نشيد: مصر أرضنا.. "زي أمنا".
- هذا صحيح، ولكن من قواعد ديننا أن كل أرض فيها مسلم يؤمن بالله ورسوله تعتبر وطنًا لكل المسلمين, وعليهم جميعًا الدفاع عنه.
***
كانت فلسطين بطوابعها الدينية وأصالتها التاريخية تُهيمن على مشاعرنا من الصغر، وثمة عدد من المواقف مرَّت بي والتقيتها في سني الباكرة؛ منها أن من بواكير ما نَظَمتُ من الشعر كان في فلسطين، والقصيدة طويلة، أتذكَّر منها الأبيات الآتية:
فلسطينُ أمي.. وحـقِّ اليقينْ
وحـقِّ الشهـيدِ غـدًا تسمعين
غدًا تسمعـين بأنـا نـســودْ
وأنا حصـدنا فـلولَ اليـهود
غـدًا تسمـعيـن بأنـا نعـود
حشـودًا قـوارعَ تتـلو حشود
كمثـلِ المنايا.. كمثل الأسـود
نهزُّ الجبـال, ونُدمي الرعود
غـدًا تسمعـين بأن الخـلودْ
يـنادى لِقـانا وراءَ الحـدود
وأنَّـا حطَمْـنا حديدَ القيـود
وأنـا بعـثنا كفـاحَ الجدود
غدًا تسمعين لصوتِ الشهـيد
يفوح عبيرًا كعطـرِ الورود
إذا مـا رآنـا نعودُ...نسودْ
وروحُ السلام إليـك تعـود
فلسطينُ مهـدَ الهدى واليقين
وحقِّ الشهـيد غدًا تسمعين
غـدًا تسمعيـن بأنا نسود
وأنا حصدنا فلول اليهـود
وقد نشر القصيدة بعد ذلك الأستاذ علي الغاياتي- رحمه الله- في صحيفة "منبر الشرق".
***
وتأخذني الحماسة وأنا تلميذ في أواخر المرحلة الابتدائية وأتحدَّث إلى أستاذنا عبد الرحمن جبر رئيس منطقة الإخوان، منطقة المنزلة بمحافظة الدقهلية، وكان الإخوان قد بدءوا في التطوع للجهاد في فلسطين.
قلت له: أريد أن أتطوع لأداء ضريبة الجهاد وإنقاذ فلسطين.
- لكنك صغير السن؛ فأنت لا تتعدَّى الثالثة عشرة من عمرك.
- لكني أعلم أن من الأطفال من قاتل في "بدر" مثل (ابنَيْ عفراء).
كان الأستاذ عبد الرحمن يعرف أنني وحيد والدي, فابتسم وقال: إن شاء الله قد نحتاجك مستقبلاً، فنطلب منك التطوُّع والتقدُّم للجهاد.
- أرجوك.. فاليوم خير من غد.. اسمحوا لي بالتطوع، ولو جعلتم مهمتي أن أقدم للمجاهدين "الشاي والقهوة".
فقال وهو يبتسم: مستحيل؛ فعندهم أمر بعدم التدخين وشُرْب الشاي والقهوة.
وبِتُّ ليلتها وأنا في بكاءٍ متواصل.
***
ثم وأنا تلميذ في آخر المرحلة الابتدائية قامت مدرستنا برحلةٍ إلى معالم القاهرة، ومن ضمن هذه المعالم "المتحف الزراعي" بالدقي، تقدَّم منا أحد السعاة المسئولين عن قسم من أقسام المتحف، وقدَّم إلينا نفسه دون أن نطلب منه ذلك:
- أخوكم عبد السميع قنديل، من إخوان "إمبابة"، وقد تطوَّعت للجهاد في فلسطين، وإن شاء الله سيكون اسمي في أول قائمة من قوائم الشهداء.
وحقَّق الله ما تمنَّى، وقرأتُ اسمه في أول قائمة من قوائم شهداء الإخوان في فلسطين.
وإنصافًا للحقيقة التاريخية، أعرض على القارئ ما علمته بعد ذلك، وخلاصته أنه اختلف مع شقيقه عبد المنعم اختلافًا شديدًا؛ كلٌّ منهما مصرٌّ على التطوُّع للجهاد في سبيل فلسطين، وأبوهما شيخ كبير، وأمام إصرارهما أجاز الأب تطوُّعهما وجاهدا في الله حق جهاده، واستشهد عبد السميع، وعاد عبد المنعم بعد تآمر حكامنا والقبض على الإخوان المجاهدين، وعاش عبد المنعم بعدها سنوات صاحبًا ومديرًا لمحل ساعاتي بورسعيد بميدان الدقي بالجيزة.
***
وتطوَّع من إخوان المنزلة العامل عبد الحميد الزهرة للجهاد في فلسطين ضمن كتائب الإخوان، وأصيبت قدمه برصاصة، وعاد إلى مصر، ثم المنزلة، وحكى- على استحياء وبمصداقية كاملة- ما قام به وسبب إصابته.
وبهذه المناسبة أذكر موقف (فتحي. ط)، وهو عضو في أحد الأحزاب الأخرى.. تطوَّع من أجل فلسطين- أو هكذا قال- وغاب عن المنزلة قرابة شهرين، ثم عاد بغترة وعقال، وأخذ يروي قصة الملاحم التي قام بها في فلسطين، وعدد اليهود الذين لَقَوا مصرعهم على يديه.
سأله واحد من أهل المنزلة:
- فلماذا عدت يا فتحي ولم يتمسَّك بك الجيش أو كتائب المتطوعين؟!
- أنا راجع هربان؛ لأن هناك فلسطينية.. ملكة جمال من أسرة كبيرة جدًّا أحبتني، وتعلَّقت بي، وحرص أبوها وأسرتها على أن أتزوَّجها، ولكني بصراحة لم أجد في نفسي استعدادًا لأن أبقى في فلسطين مع زوجتي هذه، أو أصحبها إلى مصر.. ظروفي لا تسمح، هذا هو السر في أني تركتُ فلسطين وعدت مرةً أخرى.
سأله أحدهم: "إيه هيَّ أنواع الأسلحة اللي أنت ادَّربت عليها يا فتحي؟".
- "أسلحة كثيرة.. أنا حقول إيه ولا إيه؟! كان هناك أسلحة أشكال وألوان، المهم موش السلاح، ولكن المهم الإيد اللي بتشيل السلاح، وأنا والحمد لله شهد لي الكل بالقوة اللي ما فيش زيها".
وكان الناس يستدعون فتحي للتسلية بمثل هذه الحكايات الخرافية التي يقصُّها.
وهذا النموذج يوضح الفرق الشاسع بين متطوِّع الإخوان عبد الحميد الزهرة، وأمثال "فتحي. ط"، إن الفرق بينهما هو كالفرق بين السماء والأرض، وأعتذر للأخ عبد الحميد عن هذه الموازنة، وهذا يذكِّرني بقول الشاعر:
ألم تر أن السيفَ ينقص قدرُهُ إذا قيل: إن السيف أمْضى من العصا
***
إنه حديثٌ ذو شجون.. أوردتُه عفوَ الخاطر من قبيل التذكرة؛ حتى يبقى الارتباط النفسي بيننا وبين فلسطين والمسجد الأقصى والقدس.. أرضًا وتراثًا, وجهادًا ومعاناةً, وواقعًا وقيمًا.. حيًّا.. حيًّا لا يموت.
----------