كان معلومًا ما أجمع المراقبون عليه أن حزب الله بعد دحره للقوات الصهيونية في مايو 2000م قد أصبح الشغل الشاغل للصهاينة، وحاولوا عام 2006م القضاء عليه, ولمَّا فشلوا استصدروا القرار 1701؛ الذي أكسبهم الكثير.

 

وأول هذه المكاسب تصوير أن لبنان بغير الحزب تستقيم أحواله، خاصةً أنهم أكَّدوا، ومعهم الأمم المتحدة، أن المقاومة ليست ضروريةً ما دامت كافة الأراضي اللبنانية المحتلة قد تحرَّرت، ولا يعترف الصهاينة والأمم المتحدة أن (شبعا) أراضٍ لبنانية, وقيام موقف الأمم المتحدة على أساس ضرورة بسط سلطان الدولة اللبنانية على كلِّ الأقاليم اللبنانية، بما يعني إنهاء سيطرة الحزب وتسليحه.

 

المكسب الثاني هو تدويل وجود حزب الله وسلاحه؛ مما يعني أن أي عمل يقوم به الكيان للقضاء على الحزب وسلاحه عمل مشروع وفق القرار.

 

هذا الخط انتقل إلى العالم العربي الذي أضاف عليه أن حزب الله قد أنهى مهمة المقاومة، وأن نشاطه العسكري لا يخدم سوى أهداف إيران, وأكَّد زعماء 14 آذار أن لبنان لا يجوز أن يكون ساحةَ صراع أجنبي؛ طرفاه إيران و"إسرائيل"، ولكن أهم المكاسب التي حقَّقتها "إسرائيل" بعد عجزها عن تدمير حزب الله أنها صدَّرت القضية إلى الداخل اللبناني وربطت بين حزب الله وسوريا وضرورة تحرُّر الدولة من كيانات كثيرة أمنيًّا وعسكريًّا مثل حزب الله، وأن لبنان قد أنهكه الصراع العربي "الإسرائيلي" وقد انتهت علاقته العسكرية بالصراع, كما أن المقاومة اللبنانية كانت شاملةً، لكنها أصبحت خيارًا لحزب الله وحده بعد ذلك، خاصةً بعد أن ذاق لبنان ويل العدوان "الإسرائيلي" عام 2006م بسبب حزب الله؛ ولذلك قلَّل هذا الطرح من أهمية انتصاره، بل حمَّلته حركة 14 آذار مسئولية الدمار الذي لحق بلبنان, وطالبت بنزع سلاحه.

 

وأخيرًا.. اتخذت الحكومة خطوةً فريدةً بمطالبة الحزب رسميًّا بتفكيك شبكة اتصالاته والخضوع لسلطة الدولة, بما يُنذر بصدام سياسي وعسكري مع حركة 14 آذار ويفتح الباب لحرب أهلية قاسية، ورغم أن الحكومة تراجعت إلا أن الرسالة كانت قد وصلت إلى قوى المعارضة التي ردَّت باجتياح بيروت.

 

ولا أظن أن الكتابات العربية حول هذه المأساة تقدِّم حلاًّ؛ لأنها منقسمة بين حزب الله و14 آذار؛ مما يفاقم الصراع ويوسِّع شقة الخلاف, والحق أن وصف الحالة في لبنان, أو إلقاء اللوم على طرف دون آخر لا يحل المشكلة، ولكني أهيب بكل الأقلام أن تقدِّم حلاًّ عمليًّا يدرك خصوصية الوضع اللبناني وضرورة المحافظة على كل أبناء الشعب اللبناني, ولا أظن أن الوقت مناسب للوم بسبب عرقلة خطة التسوية العربية من هذا الطرف أو ذاك؛ فالأطراف اللبنانية نفسها تتهم بعضها بعضًا؛ حيث يتهم حزب الله الحكومة بأنها تنفِّذ مخطَّطًا أمريكيًّا "إسرائيليًّا" ضد المقاومة، بينما تتهم الحكومة الحزب بعرقلة التسوية والانقلاب المسلَّح ووضع البلاد على حافة الحرب الأهلية لصالح إيران وسوريا ضد مصلحة الشعب اللبناني, ولكن النتيجة هي أن البلاد تنزلق فعلاً صَوْب الهاوية بصرف النظر عن المسئول عن ذلك.

 

لا ينكر المراقبون في هذا المناخ المأساوي أن تدهور الأوضاع في لبنان يحدث في ضوء عوامل ثلاثة:

أولها تدهور الثقة بين الأطراف اللبنانية، والاتهام المتبادل بالخيانة والعمالة؛ مما يظهر أن صيغة العيش المشترك بين هذه الأطراف تتعرَّض لخللٍ خطيرٍ لم تفلح المحاولات الوسيطة في علاجه.

 

العامل الثاني هو إصرار "إسرائيل" والولايات المتحدة على تصفية المقاومة العربية جميعًا؛ في العراق ولبنان وفلسطين، في إطار الصراع مع إيران وسوريا، خاصةً بعد أن اعتبرت "إسرائيل" أن مساندة إيران للمقاومة خطر على المنطقة وتحدُّ من قدراتها السياسية على إخضاع المنطقة لشروطها، وتجعل إيران شريكةً في القرار.

 

أما العامل الثالث فهو المناخ العام في المنطقة على المستوى الحكومي؛ الذي يميل إلى الاعتقاد بأن حزب الله هو الذي يعرقل التسوية ويستخدم الشارع لهذا السبب؛ مما جعل قوى 14 آذار أضعف من تمرير أية تسوية, كما جعل المعارضة قادرةً على تعويق أية تسوية.

 

في ظل هذه العوامل يبدو انفجار الوضع في لبنان جزءًا من سيناريو عام قد تكون بدايته الساحة اللبنانية؛ تمهيدًا لهجوم أمريكي "إسرائيلي" على سوريا وإيران، في الوقت الذي تُصفَّى فيه المقاومة الفلسطينية ويتم عزلها, كما تتم التسوية بأي شكل مع أبو مازن.

 

هكذا يبدو أن واشنطن اختارت التفجير بلبنان، وهي تدرك أن مواجهة حزب الله في أية معركة لن تكون مجديةً؛ مثلما أثبتت تجربة "إسرائيل" في صيف 2006م, والأكثر جدوى هو توريطه في حربٍ أهليةٍ تفتح عليه جهات الداخل والخارج وتكون اختبارًا لمواقف سوريا وإيران؛ مما يؤذن بحرب إقليمية واسعة ما دامت واشنطن و"إسرائيل" يهمُّهما بالدرجة الأولى إصابة هذا التحالف بين حزب الله وكلٍّ من إيران وسوريا.

 

وقد لوحظ أن العرض "الإسرائيلي" لسوريا من السخاء لدرجة أنه يشكِّك في قيمته وجديته وتوقيته، وقد يكون حقنة مخدِّرة لتخفيَ مخطّطًا للعدوان على سوريا، في نفس الوقت الذي تمد لها "إسرائيل" يد تركيا بغصن الزيتون المسموم.

 

فما هي الآفاق المفتوحة لإنقاذ لبنان من هذه المعادلة المتشابكة والمعقَّدة؟ وكيف يتصرَّف حزب الله وكلٌّ من سوريا وإيران إزاء هذا التوريط المتسارع في لبنان؟ وهل هناك وساطة عربية تنقذ لبنان وتتحلَّى بالحياد التام حتى تضمن فعالية ومصداقية جهودها؟ أم تتورَّط الدول العربية هي الأخرى في المستنقع اللبناني فلا يُفيد من هذه الورطة الكبرى سوى "إسرائيل" وهي تخطو نحو عامها الحادي والستين تطمح في السنوات القليلة القادمة في المضيِّ إلى مرحلة ما بعد الصهيونية، وقد تخلَّصت من كل أعدائها دفعة واحدة؟

 

أرجو أن تتدبَّر الأطراف اللبنانية التي ستكون وقود الحرب الأهلية, كما أرجو أن تتأمل الأطراف العربية هذا الموقف المفزع وتداعياته، ولا أظن أن لبنان يحتمل 15 عامًا أخرى من الحرب الأهلية؛ فإذا دخلها هذه المرة فقد يكون إيذانًا بشطب لبنان من خريطة المنطقة.

 

يبقى التساؤل حول توقيت إثارة موضوع شبكة حزب الله؛ حيث تحل في 25 مايو الذكرى الثامنة لانتصار المقاومة على "إسرائيل" وتصفيته احتلالها للجنوب الذي ظل محتلاًّ منذ عام 1978م ولم يفلح القرار 425 في إنهاء هذا الاحتلال.

 

على أية حال أدَّى استيلاء المعارضة على بيروت إلى معالجة متأنية لإعادة صياغته على ضوء الواقع الجديد مهما كان مرًّا للفريق الآخر، ومع ذلك فإن عدم السرعة والجدية في تنفيذ الوساطة العربية قد لا يترك لبنان قبل الانفجار.