محمد السروجي

ستون عامًا من الاحتلال، وستون عامًا من الصمود والمقاومة، ليتزن طرفا المعادلة، ويُفرَض واقعٌ لم يكن موجودًا منذ عقود؛ هو باختصار "لا حلَّ دون حماس"؛ بمعنى لا حلَّ دون تيار المقاومة باختلاف ألوانه وأشكاله، وأيقن الجميع أن تصدُّعًا وشروخًا قد حدثت في جدار عزل حماس، وصار واقعًا فرضته إرادة المقاومة وأكَّدته الممارسات العلنية والمخططات السرية على المستوى السياسي والعسكري والاقتصادي والحدودي، رغم ارتفاع الكلفة التي يدفعها قيادات المقاومة وسكان غزة، وظهرت الدعوات لإعادة النظر في منهج التعامل مع حماس؛ فما هي أسس ومنطلقات هذا التغيُّر؟ وما هي شواهده؟ وما هي الإستراتيجيات المطروحة والبديلة في الفترة المقبلة؟

 

أسس ومنطلقات تغيُّر الموقف

** تغير النهج الأمريكي ليكون أكثر واقعيةً فإذا كان من الممكن التفاهم مع إيران العدو الأساسي للحصول على ما تريد في العراق فلماذا عدم التفاهم مع حماس؟

** حالة الغضب والسخط الشعبي العربي والإسلامي على أمريكا والأنظمة الموالية، وهذا ما أكده استطلاع الرأي الأخير التي أجرته جامعة "ميريلاند" الأمريكية؛ حيث أجمع 95% على بغضهم لأمريكا بسبب سياستها.

** إخفاق كافة المحاولات الانقلابية الداخلية بالتنسيق مع صقور فتح في إسقاط حماس.

** فشل كافة المحاولات العسكرية الصهيونية في إضعاف المقاومة وبصفة خاصة حماس.

** حالة التوازن الأمني التي فرضتها صواريخ المقاومة والعمليات الجهادية النوعية الأخيرة.

** انهيار إستراتيجية الحصار بسبب مهارة حماس وكفاءتها في إدارة الأزمة من جهة، وصبر وصمود سكان غزة من جهة أخرى.

** استطلاعات الرأي الأخيرة والتي جاءت في صالح هنية وحركة حماس على حساب عباس وحركة فتح وفي الضفة قبل غزة.

 

شواهد وتصريحات

** موافقة وتأييد أمريكا للدور المصري للوصول لحالة التهدئة بين حماس والجهاد والكيان الصهيوني.

** تصريحات مجلس الخارجية الألماني بأنه من الخطأ تجاهل حماس؛ بل يجب الحوار معها، ليس حبًّا فيها ولكن الدبلوماسية تقتضي الحوار مع الأعداء.

** تصريح وزير الخارجية الإيطالي "ماسيموداليما" أننا إذا أردنا السلام فيجب عدم استبعاد حماس.

** خطاب "منتدى إسرائيل" ومقره نيويورك إلى وزيرة الخارجية رايس إذا كنا نريد التوصل إلى تسوية في نهاية عام 2008م فلنبحث عن طريقة لإشراك حماس.

** تصريحات توني بلير مبعوث الرباعية ووزير البنى التحتية الصهيوني.

** إعلان نائب رئيس الوزراء الصهيوني أكثر من مرة أنه على استعداد للقاء قادة حماس.

** زيارة الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر للمنطقة ولقاؤه قادة حماس.

** بيان الخارجية الفرنسية بضرورة فتح المعابر وفك الحصار عن سكان غزة.

 

الإستراتيجيات البديلة

الإجهاد والإعياء

بمعنى استمرار الحصار مع الضربات العسكرية المحدودة والمتتالية؛ بهدف استنزاف ما تبقَّى من جهد ورصيد لدى فصائل المقاومة، وما تبقَّى من صبر لدى سكان غزة، لكن هذا الطرح يحتاج فترةً زمنيةً طويلةً قد تمتد سنوات، وهو ما لا يتحمله الوضع الأمني لليهود، خاصةً سكان سديروت وعسقلان، وما يرفضه التعاطف الشعبي العربي والإسلامي بل والعالمي، بل إنه سيسبِّب كثيرًا من القلاقل والأزمات داخل الكيان الصهيوني ودول الجوار العربي، خاصةً مصر والأردن؛ بسبب رد الفعل الفلسطيني المتوقع، وهناك نموذج عملي سابق في عبور سكان غزة لمعبر رفح المصري 23/1/2008م وما ترتب عليه من أزمات.

 

الحسم العسكري (الاجتياح)

وهو خيار مطروح منذ فترة، وأكده أحمد جبريل الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين؛ بأن هناك سيناريو معدًّا بين أولمرت وعباس كما تشير إليه المناورات العسكرية والمدنية القائمة على قدم وساق داخل الكيان الصهيوني وعلى الحدود، ومع ذلك فنسبة الإقدام عليه قليلة لاعتبارات كثيرة، منها:

** تأكد حكومة أولمرت من فشل أي تجربة عسكرية جديدة بعد الفشل العسكري المتكرر أمام حزب الله في يوليو 2006م وفي المحرقة الأخيرة "الشتاء الساخن" أمام حماس.

** صواريخ المقاومة التي حوَّلت الجنوب الصهيوني إلى كابوس، بالإضافة إلى الثمن المعنوي الباهظ في ظل ضعف السيطرة على منافذ تهريب السلاح كما تزعم "إسرائيل".

** العمليات الجهادية النوعية التي أثبتت مهارة وكفاءة المقاومة على المستوى التخطيطي والتنفيذي والاستخباراتي، ومنها عمليتا معبر نحال عوز ومعبر كرم أبو سالم.

** عدم الانتهاء، بل تعقُّد ملفات أطراف الصراع الأخرى (إيران وسوريا)؛ خاصةً بعد القمة العربية.

** انتفاضة الشعب الفلسطيني المتوقَّعة في غزة والقطاع، والتي ستُطيح بسلطة عباس بسبب التنازلات المتتالية وفساد وزراء حكومة فياض (أمثال محمود الهباش وروحي فتوح وأحمد قريع).

** رد الفعل الشعبي العربي والإسلامي في ظل أوضاع داخلية محتقنة ومتوترة، خاصة دول الجوار في مصر والأردن بل وداخل "إسرائيل"، وعلى الطرف الآخر فإن حماس حريصة على سقف محدود من التصعيد كورقة ضغط، لكنها لن تدفع بالكيان الصهيوني لاتخاذ القرار الصعب باجتياح غزة لأسباب عدة؛ منها:

** الوضع المعيشي المتردي والأمني المتوتر داخل القطاع.

** الحفاظ على الكيان السياسي للحركة وجناحها العسكري لمعركة أكثر حسمًا.

** غياب الدعم الإستراتيجي العربي والإسلامي على المستوى الرسمي.

 

وأخيرًا..

لم يبقَ إلا الخيار الأرجح لكافة الأطراف، والمخزون الهائل من النضال المسلَّح خيرُ شاهدٍ، ولكن هذا الخيار يحتاج عدة ضمانات يلتزم بها أولاً الكيان الصهيوني الذي لم يلتزم بأية اتفاقات سابقة، لكن أمام قوة وشعبية وشرعية المقاومة من جهة والخلل والفزع الأمني للمغتصبين والصهاينة من جهة قد يوزن الخلل بين طرفي المعادلة.

نعم تمر ذكرى النكبة بكثير من الألم ولكن بعظيم من الأمل.