لفت نظري سلوكنا كمصريين عندما تواردت الأنباء بارتفاع أسعار البنزين والسولار فلقد تكدس الآلاف من المواطنين أمام محطات البنزين ليحصلوا على احتياجاتهم من البنزين والسولار قبل ارتفاع سعره بساعات.
وكأنَّ المشكلةَ كلها وردة الفعل هي اللحاق والحصول على البنزين قبل الزيادة وتوفير عدة جنيهاتٍ لمدة يومٍ واحد!! ضاربين بحلولٍ منطقيةٍ وعملية ممكنة في هذه اللحظة عرض الحائط، فكان من الممكن الاحتجاج، وكان من المتاح والمقبول هو الاعتصام بالسيارات في محطات الوقود رافضين التزود بالوقود الغالي الثمن نتيجة ارتفاع سعره غير المبرر، وللأسف لم يحدث أي من ذلك.
واكتملت المأساة عندما قام أحد برامج التوك شو بعمل تحقيقٍ عن رأي الناس في ارتفاع الأسعار لبعض المواد البترولية وفرض ضرائب جديدة فكان رأي أكثر من عشرةٍ من المواطنين شبابًا وفتياتٍ وسيداتٍ ورجالاً هو: "أدي الله وأدي حكمته حنعمل إيه؟!"، وأضاف آخرون "سنحاول أن نعيش بمستوى أقل".
الكل يُفكِّر بطريقةٍ فرديةٍ، ويهتم بمصلحته الشخصية أولاً والتكيف مع الظروف المستجدة حتى ولو كانت سيئة للغاية، فنحن كمصريين اعتدنا على التأقلم مع الفقر والقهر والظلم مع أي واقع بدل من محاولة تغييره.
تعالوا إذن نُركِّز على مشكلةِ العمل الجماعي والنظر للمصلحة العامة، وهي في النهاية مصلحتنا جميعًا؛ فأي إنسانٍ في بداية حياته يدور حول مصلحته الشخصية؛ نتيجةَ عدم خبرته أو بمعنى أدق عدم تربيته على أن المصلحةَ العامةَ مقدمة على الخاصة، وما يلبث أن يتزوج فتكبر المسئوليات وتتعدد وتتوسع ويصل المعنى إليه تلقائيًّا، فيُقدِّم مصلحة أسرته وعائلته على مصلحته الشخصية، وعليه فيبدأ في الفهم والوعي أن مصلحةَ القاطنين معه في العمارة مجتمعين مقدمة على مصلحته، ومصلحة الشارع مقدمة على مصلحة العمارة، ومصلحة المدينة مقدمة على مصلحة الشارع، وهكذا حتى يصل الأمر إلى أن مصلحة الأمة مقدمة على مصلحة بلد واحد.
وعندما ننظر لمقاصد الشريعة في حفظ الضرورات الخمس، وهي: "الدين والنفس والعقل والمال والعرض"؛ نجد أن حفظ الدين مقدم على حفظ النفس، وحفظ النفس مقدم على حفظِ المال، وهكذا طبقًا لكون هذه الضرورة مصلحة عامة أو خاصة، ولنا في رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أسوة حسنة عندما قدَّم أروع الأمثلة في تقديم العام عن الخاص عندما عرضت عليه قريش المال والجاه والسلطان في سبيل أن يتخلى عن الدين الجديد الذي جاء به فرفض وأبى.
وها هو الخليفة عثمان بن عفان- رضي الله عنه- يسير على خُطى الرسول عندما عادت قوافله محملةً بالخير والطعام في عام الرمادة ووقف تجار المدينة يساومونه على بيعها بأضعاف أثمانها فإذا به يرفض اغتنام الفرصة وبيعها بأعلى الأسعار ويُقدِّم مصلحة الأمة على مصلحته الشخصية.
نصل لقناعةٍ الآن أن تقديم مصلحةَ العام على الخاص هي مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية، فمصلحة الوطن دين، ولو نظرنا للمادة الثانية من الدستور المصري التي تنص على أنَّ الشريعةَ الإسلاميةَ هي المصدر الرئيسي للتشريع، وما يحدث في بلادنا نجد العجبَ ونجد تناقضًا غير طبيعي، فالمصلحة الخاصة مقدمة على العامة!! فيمكن مثلاً أن تُقدَّم شراء سيارات فارهة لزوم موكب لوزير أو لتجهيز وفرش مكاتبه على توفير سرير نظيف في مستشفى، أو شراء أجهزة طبية في أبسطِ حقوق الرعاية بالمرضى!!، ويمكن أن تُقدَّم نفقات السفريات المكوكية هنا وهناك والمعسكرات الوهمية والمهرجانات الدعائية على إنشاء مدارس جديدة والنزول بكثافة الفصول لـ50 تلميذًا فقط!!.
أعجب دائمًا وأتساءل: لماذا يرى المسئولون في بلادنا أن المصلحةَ العامةَ هي على المواطن المطحون فقط أن يتحملها من ضرائب ورسوم ومختلف أنواع الجباية، في حين أن بتنظيم المصلحة الشخصية وترشيدها سيتم تعديل مسار المصلحة العامة.
وهل ننسى السلطان سيف الدين قطز عندما أراد فرض ضرائب على الشعب لدعم الجيش في الحرب ضد التتار، فوقف له العالم الجليل عز الدين بن عبد السلام وقال له: "اجمع ما في خزائن أمرائك من الذهب وما معهم من حلي نسائهم واضربه دنانير.. فإن لم يكفِ مئونة الجيش وتجهيزه، جمعنا لك ما تريد وافرض ضرائب كما تشاء"، وعليه فتقديم المصلحة العامة لا بد أن يكون بضوابط وله ضروراته الفقهية والعملية.
ويا للعجب!! فالحكومة التي لا تكف عن مطالبة التجار من وقتٍ لآخر بتقديم مصلحة الوطن على مصلحتهم وعدم رفع الأسعار مع أي زيادةٍ في المرتبات، نجدها تبتز هي الأخرى المواطن، ويا لقسوتها، فترفع أسعار الخدمات من كهرباء وماء وتليفونات وتضيف رسومَ قمامة على الفواتير وترفع سعر البنزين لترتفع معه أسعار جميع المنتجات والأطعمة والمواصلات، في حين أنها بقليلٍ من الترشيد لسياستها الإسرافية الشرهة وبقليلٍ من الانضباط والضرب على أيدي الفاسدين يمكنها أن تُوفِّر أضعاف حصيلة ما رفعته من أسعار، ولكنه الاستسهال المخل وتقديم النموذج السيئ الذي لا يصلح أن نتقبل منه نصيحة.
وفي النهاية لا أرى الصورة قاتمة بالنسبة لبلادنا ولأمتنا والتي أزعم أن خروجها من أزمتها لن يكون إلا بتقديم العام على الخاص، وهناك نماذج مُشرِّفة من البذل والتضحية وتقديم العام على الخاص، وهل ما يحدث في غزة من صمودٍ من أجل الحفاظ على الأرض والعرض وعدم الاعتراف بالغاصب إلا نموذج فذ في تقديم العام على الخاص؟، والعكس صحيح على الناحية الأخرى، فهناك مَن اختار القبلات والاستسلام وتجده ينعم ويرفل في أحلى الثياب والسيارات ويُنفق بالملايين لأنه اختار الطريق الأسهل طريق تقديم مصلحته على مصلحة الوطن.
وفي مصرنا الحبيبة شرفاء ووطنيون ضحوا بأوقاتهم وراحتهم وأموالهم وحريتهم ويطاردون في كل مكان أو يقبعون خلف الأسوار؛ لأنهم اختاروا الوطن قبل أنفسهم، وكان يمكن أن يختاروا الثراء والراحة بدلاً من مظاهرةٍ هنا تُنادي بالإصلاح أو مؤتمر هناك يُنادي بالتغيير وهل (نهى الزيني ويحيى حسين) إلا نماذج رائعة في تقديم العام على مصلحتهم، وعدم اهتمامهم بما يمكن أن يُصيبهم من تنكيلٍ واضطهادٍ لصدحهم بالحق، في حين نجد هناك نماذج أخرى من أبناء النظام التي من المفروض أن تتعامل معنا بشفافيةٍ تضرب أمثلةً صارخةً على تقديم الخاص قبل العام.
وفي المحتكرين لبعض السلع الإستراتيجية في بلادنا من كبار المسئولين أسوأ مثال وهم يرفعون أسعار سلع مهمة وحيوية بصورة غير طبيعية، مفضلين الخاص قبل العام، ويزداد العجب أنه ليسوا مواطنين عاديين يتصرفون بشخصانية، ولكنهم راعاة ومسئولين عنا!!.
وقبل ذلك قدوة كونهم يمثلون النظام كما أسلفنا، وقس على ذلك كل المصائب في بلادنا ابتداءً بتفصيل القوانين لخدمة أفراد ومجموعات بعينهم وانتهاء بتعذيب المواطنين وانتهاك أعراضهم خوفًا من تعرض الخاص (الترقية والمصلحة الشخصية) على العام (الحفاظ على أمنهم وعلى كرامتهم)، وغلق عشرات الشوارع لمرور مسئول (خاص) في حين تتوقف مصالح الآلاف (عام).
الخلاصة..
أعتقد أن تقديم المصلحة الخاصة على العامة التي نُعاني منها في بلادنا هي إشكالية أخلاقية ناتجة من عدم الانتماء وحب هذا الوطن نتيجة تراكمات عشرات السنين من ثقافة وتعليم وإعلام لا يُربي ولا يرسخ قيمًا ومعاني بقدر ما كان يُكرِّس ويُخدِّم على النظام وأفكاره، كذلك نظام يُقدِّم قدوةً سيئةً في تقديم مصلحته على مصلحة الوطن والشعب، فزرع سلبيةً ولا مبالاةً، وحصدنا فسادًا وضياعًا نُعاني من آثاره حتى الآن.
يا سادة لا يستقيم مجتمع ووطن يعيش بعقلية ونفسية "اخطف واجري"، ولا يهم الباقي.
وفي النهاية أرجو ألا ينظر كل منا حوله ويقول: "الدنيا ولعت، والحياة بقت صعبة، الناس دي حتفوق إمتى؟؟!".. وأجدني أقول له: "لما تفوق وتتحرك أنت".
--------------------
* مدير مركز ضحايا لحقوق الإنسان- haythamabokhalil@hotmail.com