قلتُ في تعليقي على علاوة الـ30% التي أعلنها الرئيس مبارك في عيد العمال أنها جاءت في محاولةٍ لإجهاض احتجاج 4 مايو، وأنها تُمثِّل حركة التفافية على الشعب حتى لا يستجيب لهذا الاحتجاج.
وقلت: إن الوعي المجتمعي العام يجب أن يكون يقظًا ومنتبهًا وراصدًا لما يجري؛ لأننا اعتدنا من الحكومة التغرير بالشعب والضحك عليه ومحاولة الإيقاع به وإيهامه بأن ثمة تحسُّنًا ما يجري في مواجهة أزمة الغلاء المستحكمة وتدني الأجور الذي فاق كل التصورات، والذي أفقد المواطن المصري القدرة على أن يعيش كآدمي.
وحدث ما توقَّعناه.. فما أن انقضى يوم 4 مايو بكل ما فيه حتى فوجئنا بالحكومة تدير ظهرها للشعب وتنتزع في هجمةٍ تتريةٍ مفاجئة (يوم 5 مايو) من مجلس الشعب الموافقة على زيادة أسعار البنزين والسولار، وبالتالي فما وعدت بإعطائه باليمين أخذت أضعاف أضعافه بالشمال.
هكذا الحكومة لا يُؤمَن لها جانب، ولا يصدق لها وعد، وهذا ليس- في الواقع- بجديدٍ عليها، لكن أن يحدث الأمر بهذه السرعة فهذا في الحقيقة هو الجديد في الموضوع.
كان على الحكومة أن تستر سوءتها ولو أسبوعًا؛ حتى يعيش الناس فرحة العلاوة أيامًا، لكن حتى هذه سلبتها الحكومة ولم تدع للشعب فرصةَ الاستمتاع بها.. حتى الحلم حسدوا الشعب عليه، ولماذا يفرح الشعب؟! ألا يعرف أن هذه السلطة تستهدف أن يعيش الشعب في همٍّ وغمٍّ وكربٍ عظيم؟!
كان من الممكن أن يحلَّ هذه المشكلة السادة المحتكرون؛ لما يتلقونه من طاقة ومواد أولية ودعم لسنوات طويلة، كان لا بد من تحميل صناعات الحديد والأسمنت مثلاً مقابل ما حصلوا عليه من غاز وخامات بأسعار لا تكاد تُذكر، ثم أين هذا من الغاز الذي يُصدَّر إلى العدو الصهيوني بعُشر ثمنه مقارنًة بالأسعار العالمية؟!
المهم.. ما الذي سيفعله الناس حيال ذلك؟ أظن أن الأوضاع ستلتهب، وسيعود الاحتقان للظهور على السطح مرةً أخرى، وربما أكثر من ذي قبل؛ فبالإضافة إلى عودة اشتعال الأزمة من جديد، هناك الشعور والإحساس بالإهانة؛ فالشعب وُجِّهت إليه صفعة شديدة، وتم استغفاله والضحك عليه بهذه الصورة المهينة، وهو ما يستدعي تنادي ممثلي القوى السياسية والوطنية ومؤسسات المجتمع المدني إلى اجتماعٍ عاجلٍ لتدارس ما يمكن اتخاذه من إجراءاتٍ إزاء هذا الوضع.
الواقع أننا لسنا أمام أزمةِ غلاءٍ فقط، ولكننا أمام أزمة حكمٍ في الأساس.. حكم غرق حتى شحمة أذنيه في الفساد والاستبداد.. حكم يفتقر إلى المصداقية والشفافية.. حكم عاجز وغير قادر على إدارة دفة شئون البلاد، ومع ذلك فهو مصمِّم على الاستمرار في الاستئثار بالسلطة والانفراد بالحكم.
إن حالة الانسداد التي تعاني منها مصر أورثت البلاد نوعًا من التخلف العلمي والتقني والحضاري، فضلاً عن تهميش دور مصر المحوري والإستراتيجي على المستوى القومي والدولي.
وإذا كانت المشكلة المُلِحَّة التي نواجهها تكمن في ضعف الإنتاج، وهو ما يجعلنا نعتمد على الخارج في غذائنا وحياتنا؛ الأمر الذي يؤدي إلى ربطنا بالأسعار العالمية من جهة وفقدان استقلالية القرار السياسي، وهو الأهم من جهةٍ ثانية، فإنه مما لا شكَّ فيه أن ضعف الإنتاج يتوقَّف على عدة أمور تأتي في مقدِّمتها السلبية واللا مبالاة والإحباط العام وضعف الشعور بالانتماء والولاء... إلخ، وكلها نتاج طبيعي للاستبداد والفساد.
--------
* النائب الأول للمرشد العام للإخوان المسلمين