العدل أساس المُلك.. حقيقة لا يماري فيها أحد ولا ينكرها عاقل، ولنا في تاريخنا الإسلامي- حين قام على العدل- عبرة لا يمكن إغفالها؛ فهؤلاء الذين خرجوا من شبه الجزيرة العربية لم يكن في جُعبتهم إلا عبادة الله دون شريك، وإقامة العدل بين الناس، وكان هذا وذاك كافيًا؛ فبإعلائهم لا إله إلا الله وأن الناس سواسية كأسنان المُشط سادوا العالم مشرقه ومغربه، أقاموا العدل فصلح الأساس وعلا البيان.
فسَّرها المصطفى عليه السلام فقال: "إنما هلك من كان قبلكم أنهم كانوا يقيمون الحد على الوضيع ويتركون على الشريف"، هكذا بادت دول، وانهارت حضارات، وزالت إمبراطوريات؛ لأنهم كانوا إذا سرق غنيهم تركوه وإذا سرق فقيرهم أقاموا عليه الحد.
وسار الخلفاء على هذا النهج؛ فكان الضعيف عند الصديق قويًّا حتى يأخذ الحقَّ له، وكان القوي عنده ضعيفًا حتى يأخذ الحقَّ منه، ولم يكن عند الفاروق من بين الرعية ابنٌ للأكرمين، فاقتصَّ لقبطي مصري من ابن وليها، وكان خامس الراشدين يحصِّن ولاياته بالعدل قبل الأمن.
فإذا كان العدل أساس الملك، فإن القضاء هو الركيزة الأساسية في إقامة العدل في المجتمع، فإن استقام واستقلَّ كان أقدر على القيام برسالته في تحقيق العدل، ولا خلاف على النتائج إن أُهدر الاستقلال وصار القضاء تابعًا للمعز؛ طامعًا في ذهنه خائفًا من سيفه، حينذاك يعوجُّ أساس الملك وينهار البناء، ولقد قيل في هذا الخصوص إن "التاريخ شاهد على أنه كلما طغت القوات الحاكمة ورفعت السلاح في وجه الحرية والحق، كانت المحاكم آلات مسخَّرة بأيديها؛ تفتك بها كيف تشاء، وليس هذا بعجيب؛ فإن المحاكم تملك قوة قضائية، وتلك القوة يمكن استعمالها في العدل والظلم على السواء؛ فهي في يد الحكومة العادلة أعظم وسيلة لإقامة العدل والحق، وبيد الحكومة الجائرة أفظع آلة للانتقام والجَوْر ومقاومة الحق والإصلاح، والتاريخ يدلُّنا على أن قاعات المحاكم كانت مسارح للفظاعة والظلم بعد ميادين القتال، فكما أريقت الدماء البريئة في ساحات الحروب، حوكمت النفوس الزكية في إيوانات المحاكم، فشنقَت وصلبَت وقتلَت وألقَت في غياهب السجون".
وليس خافيًا على أحد مدى حرص السلطة التنفيذية في مصر على التغوُّل على استقلال القضاء، ومن مظاهر هذا التغوُّل إحكام قبضتها الحديدية على الدعوى العمومية، سواءٌ ما تعلَّق بإجراءات التحقيق، أو باختصاص المحاكم بها، على نحو يفتئت على السلطة القضائية، ويهدر حقوق المحكومين، وينال من إقامة العدل في المجتمع على أساس صحيح.
سلب اختصاص القضاء بالتحقيق
جرت جميع التشريعات الحديثة على اعتبار النيابة العامة جزءًا من السلطة التنفيذية؛ باعتبار أن اختصاص النيابة العامة في هذه التشريعات مقصور على مباشرة سلطة الاتهام، وهو اختصاص لصيق بالسلطة التنفيذية، وعلى هذا الأساس نحت هذه التشريعات الحديثة جميعها نحو الفصل بين سلطتَي الاتهام والتحقيق؛ لما في الجمع بين هاتين السلطتين من تعارض.
ولقد صدر قانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950 الذي عُمل به بدءًا من 14/11/1951م معتنقًا لهذا المبدأ الصحيح، فأفرد الباب الثالث للقواعد الأساسية في التحقيق وجعله في الأصل من اختصاص قاضي التحقيق، وهو مكوَّن من (15) فصلاً امتد من المادة (64) إلى المادة (197)، ثم أفرد الباب الرابع للتحقيق الذي تجريه النيابة العامة استثناءً، وهو مكوَّن من فصل واحد امتدَّ من المادة (198) إلى المادة (214) أحال فيه إلى الأحكام المبيَّنة في الباب السابق عليه.
وقد نصَّت المادة (64) من هذا القانون على أن يُندَب في كل محكمة ابتدائية وجزئية العدد الكافي من قضاة التحقيق، ويكون ندب قضاة التحقيق وتقسيم العمل بينهم بقرارٍ من الجمعية العامة بعد خلافٍ احتدم بين البرلمان والحكومة، والتي كانت ترغب في أن يكون لوزير العدل سلطة في اختيار قضاة التحقيق، وأصرَّ البرلمان على موقفه، وأسندت المهمة إلى الجمعية العامة للمحكمة لمنع تدخُّل السلطة التنفيذية في شئون القضاء، ثم بيَّنت المواد التالية في هذا الباب الأحكام التفصيلية للتحقيق أمام القاضي.
صدر قانون الإجراءات الجنائية ونُشر في 15/10/1951م محقِّقًا الآمال المرجوَّة منه في هذا الخصوص، واحتضنته الحكومة القائمة في هذا التاريخ، ووعدت بإنجاحه وتيسير العدد اللازم لتطبيقه في خلال سنتين من تاريخ العمل به، غير أن الرياح جاءت بما لا يشتهي السَّفن؛ فقد صدر القانون رقم 353 لسنة 1952 في 25/12/1952م، ثم من بعده القانون رقم 121 لسنة 1956، فعصفا بهذا النظام؛ فقد عُدِّلت المادة (64) من قانون الإجراءات الجنائية ليصبح نصها: "إذا رأت النيابة العامة في مواد الجنايات أو الجنح أن تحقيق الدعوى بمعرفة قاضي التحقيق أكثر ملاءمةً بالنظر إلى ظروفها، جاز لها في أية حالة كانت عليها الدعوى أن تطلب إلى رئيس المحكمة الابتدائية ندب أحد قضاة المحكمة لمباشرة هذا التحقيق"، وبهذا التعديل انقلبت الأوضاع رأسًا على عقب؛ فصار التحقيق من اختصاص النيابة العامة كأصلٍ عام، وأصبح اختصاص القضاء بالتحقيق استثناءً منوطًا بإرادة النيابة العامة، وعاد الأمر إلى ما كان عليه في قانون الجنايات الصادر سنة 1904م فأصبح التحقيق كأصل عام في يد النيابة العامة إلى جانب سلطتها الأصلية وهي الاتهام، وسُمح لها بطلب إجراء التحقيق بمعرفة قاضي التحقيق، وكان هذا حقًّا لها لا واجبًا عليها، فلم تستعمل هذا الحق أبدًا فيما أعلم- والله أعلم- إلا في حالة واحدة تعلَّقت بالتحقيق الذي جرى مع المستشارَين الجليلَين هشام البسطويسي ومحمود مكي سنة 2005م، ولم ينعم المواطن المصري بهذه الضمانة إلا سنة واحدة هي الفترة من تاريخ العمل بالقانون في 15/11/1951م حتى تاريخ تعديل هذا القانون في 25/12/1952م.
ويا ليت المشرِّع المصري وقف عند هذا الحد، وإنما تجاوز ذلك وأعطى للنيابة العامة عند مباشرتها التحقيق سلطاتٍ تفوق سلطات قاضي التحقيق، وأظهر ما يبين فيه هذا الشطط هو الحق في الحبس الاحتياطي، وهو من أخطر القرارات التي تمس الحريات؛ ففي جرائم أمن الدول يكون للنيابة العامة عند التحقيق كافة السلطات المخوَّلة لقاضي التحقيق، فضلاً عن السلطات المخوَّلة لغرفة المشورة!!.
في ظل هذا الوضع المقلوب، وفي محاولةٍ لتفادي آثار خضوع اختصاص النيابة العامة التابعة في الأصل للسلطة التنفيذية بقضاء التحقيق، نودي باعتبار النيابة العامة شعبةً أصيلةً من القضاء، ولم يكن ذلك إلا تسليمًا بالأمر الواقع وليس تقريرًا لنظامٍ قانوني صحيح.
مزيد من سلب هذا الاختصاص
لم يكتفِ المشرِّع بما آل إليه أمر الاختصاص بالتحقيق، وإنما أنشأ أجهزةً موازيةً إلى جانب النيابة العامة منحها سلطات قاضي التحقيق في شأن الدعوى العمومية؛ فأصدر القانون رقم (34) لسنة 1971 بتنظيم فرض الحراسة، أنشأ به وظيفة مدَّعٍ عام له صلاحية قضاة التحقيق، فضلاً عن وضع المدَّعى عليه في مكان أمين!!.
كما أصدر القانون رقم (62) لسنة 1975 في شأن الكسب غير المشروع، أنشأ بمقتضاه إدارة ملحقة بوزارة العدل تباشر الدعوى العمومية في جرائم الكسب، كما أنه تنفيذًا لنص المادة (179) من دستور مصر الصادر في سنة 1971م، والذي وُصف بأنه دستور دائم رغم أنه لم ينعم بهذه الصفة.. أصدر القانون رقم 95 لسنة 1980م لحماية القيم من العيب، فأنشأ به جهاز المدَّعي الاشتراكي الذي تعدَّدت اختصاصاته من خلال أكثر من قانون، وأخيرًا ويبدو أنه ليس آخرًا، فقد عُدِّلت المادة (179) من الدستور في عام 2007م لتمنح رجال الشرطة الاختصاص بإجراءات التحقيق في جرائم الإرهاب.
المشروع إمعان في السوء
بتاريخ 17/6/1971م صدر القانون رقم (34) صدر القانون لسنة 1971م بتنظيم فرض الحراسة وتأمين سلامة الشعب، تولَّى فيه مدَّعٍ عام بدرجة وزير الادعاء في قضايا الحراسة، واختصَّ بإجراءات تحقيق الدعوى بالصلاحيات المقرَّرة لسلطات التحقيق في قانون الإجراءات الجنائية، بالإضافة إلى الأمر بالتحفُّظ في مكانٍ أمين على المدَّعى عليه لمدة ستين يومًا، يعرض بعدها طلب مد الأمر على محكمة الحراسة لمدة سنة، ثم لمددٍ أخرى لا يجاوز مجموعها خمس سنوات، ونصَّ على تشكيل محكمة الحراسة بتشكيل مختلط من رجال القضاء والمواطنين العاديين.
وفي 11/9/1971م صدر الدستور، ونصَّت المادة (179) منه على أنه يكون المدَّعي العام الاشتراكي مسئولاً عن اتخاذ الإجراءات التي تكفل تأمين حقوق الشعب وسلامة المجتمع ونظامه السياسي، والحفاظ على المكاسب الاشتراكية والتزام السلوك الاشتراكي، ويحدِّد القانون اختصاصاته الأخرى، ويكون خاضعًا لرقابة مجلس الشعب؛ وذلك كله على الوجه المبيَّن في القانون.
وبتاريخ 15/5/1980م صدر القانون رقم 95 لسنة 1980 بإصدار قانون حماية القيم من العيب، وقد حدَّد الفصل الأول من الباب الثاني طريقةَ تعيين المدَّعي الاشتراكي؛ فنصَّت المادة الخامسة منه على ترشيحه من رئيس الجمهورية على مجلس الشعب، ويصدِر الرئيس قرارًا بتعيينه في حالة موافقة الأغلبية على الترشيح، ونصَّت المادة السادسة منه على تبعية المدَّعي الاشتراكي لمجلس الشعب.
وحدَّد الفصل الثاني من هذا الباب اختصاصات المدَّعي الاشتراكي باعتباره صاحب دعوى المسئولية السياسية عن المخالفات المحدَّدة بهذا القانون، فضلاً عن الاختصاصات المقرَّرة له في القانون رقم 34 لسنة 1971م بتنظيم فرض الحراسة وتأمين سلامة الشعب، بالإضافة إلى ما تقرِّره له القوانين الأخرى من اختصاصات.
وكذلك نيط بالمدَّعي الاشتراكي تولِّي الادعاء في قضايا فرض الحراسة المنظَّمة بالقانون رقم 34 لسنة 1971، وأعطته المادة السادسة من هذا القانون كافة الاختصاصات المقرَّرة لسلطات التحقيق في قانون الإجراءات الجنائية، كما أعطته المادة الثامنة الحقَّ في وضع مَن قامت ضده دلائل جدية على أنه أتى أفعالاً من شأنها الإضرار بأمن البلاد من الخارج، أو الداخل أو بالمصالح الاقتصادية للمجتمع الاشتراكي أو بالمكاسب الاشتراكية للفلاحين والعمال أو إفساد الحياة السياسية في مصر أو تعريض الوحدة الوطنية للخطر في مكان أمين لمدة (60) يومًا تمتدُّ من المحكمة المختصَّة بنظر دعاوى الحراسة؛ بناءً على طلب المدَّعي الاشتراكي لمدةٍ أو لمددٍ لا تجاوز في مجموعها خمس سنوات على نحو ما أسلفنا الإشارة إليه، وشُكِّلت محكمة القيم من سبعة أعضاء، من بين رجال القضاء والشخصيات العامة، واختصَّت هذه المحكمة من بين ما اختصت باختصاصات محكمة الحراسة، المُشكَّلة بالقانون رقم 34 لسنة 1971م.
تعديل المادة 179 من الدستور
في 26/12/2006م طلب السيد رئيس الجمهورية تعديل 34 مادةً من الدستور القائم؛ معظمها يستهدف إلغاء التوجُّه إلى الاشتراكية والعودة إلى اقتصاديات السوق الحر، ومن بينها نص المادة 179 من الدستور التي أصبح نصُّها بعد التعديل: "تعمل الدولة على حماية الأمن والنظام العام في مواجهة أخطار الإرهاب، وينظِّم القانون أحكامًا خاصة بإجراءات الاستدلال والتحقيق التي تقتضيها ضرورة مواجهة هذه المخاطر، وبحيث لا يحول الإجراء المنصوص عليه في كلٍّ من الفقرة الأولى من المادة 41 والمادة 44 والفقرة الثانية من المادة 45 من الدستور دون تلك المواجهة؛ وذلك كله تحت رقابة القضاء، ولرئيس الجمهورية أن يحيل أية جريمة من جرائم الإرهاب إلى أية جهة قضاء منصوص عليها في الدستور أو القانون".
ولقد توهَّمنا جميعًا أن هذا التعديل ألغى نصًّا سيئًا ليحلَّ محله نص أسوأ، غير أن هذا الوهم سرعان ما يزول أمام مشروع القانون المقترح، والذي يعلن بوضوح إصرار النظام على كل القوانين الشاذة دون التخلي عما يمكنه من فرض استبداده بالبلاد وبالعباد، وحتى لو تناقضت هذه القوانين مع نصوص الدستور بعد تعديله.
المشروع المقترح
يتكوَّن هذا المشروع من مادتين رئيسيتين، تنصُّ أولاهما على أن تُستبدل عبارة النائب العام بعبارة المدَّعي العام الاشتراكي الواردة في المادة 17 من القانون رقم 40 لسنة 1977 الخاص بنظام الأحزاب السياسية، كما تُستبدل عبارة مساعد وزير العدل لشئون الكسب غير المشروع بعبارة مدَّعٍ عام بدرجة وزير، يكون تعيينه وإعفاؤه بقرارٍ من رئيس الجمهورية الواردة في المادة رقم 5 من القانون رقم 34 لسنة 1971 بتنظيم فرض الحراسة وتأمين سلامة الشعب، وبعبارة المدَّعي العام الواردة في بالموارد أرقام 6، 7، 9، 19، 22، 23، 25 من ذات القانون، وبعبارة المدَّعي العام الاشتراكي الواردة في أي قانون آخر.
وتنص الثانية على أن يُلغَى قانون حماية القيم من العيب الصادر بالقانون رقم 95 لسنة 1980، وتئوِّل إلى إدارة الكسب غير المشروع بوزارة العدل اختصاصات جهاز المدَّعي العام الاشتراكي المقرَّرة في القانون 34 لسنة 1971 بتنظيم فرض الحراسة وتأمين سلامة الشعب، وذلك بذات الإجراءات المنصوص عليها في القانون رقم 62 لسنة 1975 في شأن الكسب غير المشروع، كما تئوِّل إلى ذات الإدارة سائر الاختصاصات الأخرى المنوطة بجهاز المدَّعي العام الاشتراكي المنصوص عليها في أي قانون آخر.
وهكذا ألغى الدستور نظام المدَّعي الاشتراكي فجاء المشروع المقترح ليوزِّع اختصاصات هذا المدَّعي الذي ألغي على النائب العام، ومساعد وزير العدل لإدارة الكسب غير المشروع؛ فخصَّ الأول بالاختصاصات التي كانت مقرَّرة للمدَّعي الاشتراكي في القانون الخاص بنظام الأحزاب السياسية، وخصَّ الثاني بالاختصاصات التي كانت مقرَّرة للمدَّعي الاشتراكي في القانون الخاص بتنظيم فرض الحراسة وتأمين سلامة الشعب، وهو ما نقصر الحديث عنه في هذه الورقة.
نظرة المشروع للتعديلات الدستورية القاصرة أدت إلى توزيع اختصاص معدوم
تضمَّنت المذكرة الإيضاحية لمشروع القانون المعروض، أن نصوصه المقترحة جاءت تطبيقًا للتعديل الدستوري الذي تمَّ استلهامًا للتطورات التي طرأت على المجتمع خلال العقود الأخيرة، وما صاحبها من تغيُّرات في الرؤى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وأن عرض هذه النصوص استجابةً لمقتضيات التعديل الدستوري الذي أشارت إليه.
بيد أن مطالعة النصوص المقترحة تقطع بأنها أبعد ما تكون عن الرؤى التي استوجبت التعديل الدستوري؛ فكل ما تصوَّره المشروع أن التعديل قد اقتصر على إسقاط اسم المدَّعي الاشتراكي على النحو الذي ورد في المادة 179 من الدستور، ومن ثَمَّ فهو يقوم بتوزيع اختصاصاته على الجهات المقترحة.
وحتى هذه النظرة القاصرة إلى التعديل الدستوري ما كانت تؤدي إلى القول بجواز توزيع اختصاصات المدَّعي الاشتراكي؛ لأن تعديل المادة 179 سالف الإشارة إليها لم يلغِ جهازًا حتى يصحَّ القول بتوزيع اختصاصاته، وإنما هو ألغى نظام المدَّعي الاشتراكي نفسه، ومع ذلك فوقوف المشروع عند تعديل المادة 179 وحدها أعماه عما صاحبه من تعديلات أطاحت بالنظام الاشتراكي كله، كما أعماه عن الرؤى التي دعت إلى هذا التعديل؛ فلقد تحوَّل الاقتصاد المصري في العقود الأخيرة إلى نظام السوق الحرِّ وعمل على تنشيط رأس المال الخاص على نحوٍ يؤثِّر في التطوُّر الاقتصادي والاجتماعي؛ بحيث باتت نصوص الدستور في هذا الخصوص بعيدةً كل البعد عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي الذي ساد في المجتمع فعلاً، ومن هنا أعلن السيد رئيس الجمهورية في برنامجه الانتخابي الذي عرضه بتاريخ سبتمبر سنة 2005م عزمَه على تحقيق التلاؤم بين نصوص الدستور والأوضاع الاقتصادية المعاصرة، بما يتيح حرية اختيار التوجُّه الاقتصادي للدولة، في إطارٍ من الحفاظ على حرية النشاط الاقتصادي والعدالة الاجتماعية وكفالة حق الملكية بجميع أشكالها، وحماية حقوق العمل.
وإعمالاً لرؤية السيد الرئيس لهذا الواقع الاقتصادي فقد تقدَّم بتاريخ 26/12/2006م بطلبَين لمجلسَي الشعب والشورى لتعديل 34 مادة من الدستور؛ منها 12 مادة تتعلَّق بإلغاء الاشتراكية كنظامٍ أساسي للدولة، وهي المواد: 1- 4- 12- 24- 30- 33- 37- 56- 59 -73- 179- 194 من الدستور، وقد صدر هذا التعديل فعلاً في مارس سنة 2007م.
لم يقتصر التعديل الدستوري إذًا على المادة 179 التي أسقطت الإشارة إلى نظام المدَّعي الاشتراكي، وإنما جاوز التعديل ذلك إلى إلغاء فكرة الاشتراكية كركيزة لنظام الحكم؛ استلهامًا لواقع اقتصادي جدَّ على المجتمع يقوم على الفكر الرأسمالي، وبالتالي فبعد أن كانت المادة الأولى من الدستور التي تحدِّد نظام الحكم تنصُّ على أن جمهورية مصر العربية دولةٌ نظامها اشتراكي يقوم على تحالف قوى الشعب العاملة، أصبح نصُّها بعد التعديل أن جمهورية مصر العربية دولةٌ نظامها ديمقراطي يقوم على أساس المواطنة، وهكذا أُسقطت الاشتراكية كفلسفةٍ يقوم عليها نظامُ الحكم في الدولة، ثم راح المشرِّع الدستوري في باقي التعديلات يتعقَّب كلَّ ما تعلَّق بالاشتراكية بالحذف من مواد الدستور.
فبعد أن كانت المادة الرابعة تعتبر أن الأساس الاقتصادي هو النظام الاشتراكي الديمقراطي أصبح هذا الأساس بعد تعديل المادة هو قيام الاقتصاد على حرية النشاط الاقتصادي وكفالة الأشكال المختلفة للملكية، وبعد أن كانت المادة 12 تعتبر أن السلوك الاشتراكي من المقوِّمات الاجتماعية والخلقية للمجتمع، أسقط التعديل هذا السلوك من هذه القيم، وبعد أن كانت المادة 24 تشترط سيطرة الشعب على كل أدوات الإنتاج أسقط التعديل هذه السيطرة ليحلَّ محلَّها رعاية الإنتاج الوطني لتحقيق التنمية الاجتماعية، وأسقط تعديل المادة 30 "التزام الدولة بالدعم المستمر للقطاع العام"، ولم تعد حماية الملكية العامة ودعمها أساسًا للنظام الاشتراكي في المادة 33 المعدَّلة، ولم يعد من دور النقابات دعم السلوك الاشتراكي بعد تعديل المادة 56، وحلَّت حماية البيئة محلَّ حماية المكاسب الاشتراكية بعد تعديل المادة 59، ولم يعد من واجبات رئيس الجمهورية حماية المكاسب الاشتراكية بعد تعديل المادة 73، كما لم يعد من اختصاصات مجلس الشورى حماية تحالف قوى الشعب العاملة والمكاسب الاشتراكية بعد تعديل المادة 194.
لم يرَ مشروع القانون المعروض من هذا كله إلا التعديل الوارد في المادة 179 من الدستور، بل اعتبر أن هذا التعديل قد انصبَّ على جهاز المدَّعي الاشتراكي، فراح يوزِّع اختصاصاته على جهات أخرى، وكأنَّ التعديل الدستوري على اتساعه على النحو سالف الذكر لم يؤدِّ إلا إلى تغيير اسم المدَّعي الاشتراكي، ومن ثم يجوز استبداله بأي اسم غيره، ولم تتسع رؤية المشروع لأبعاد هذا التعديل، والرؤى التي قادت إليه، ومن ثم لم يفهم أننا بصدد تغيير جذري في أساس نظامٍ كان يقوم عليه الحكم، واستبداله بأساس مغاير تمامًا في الفلسفة التي يقوم عليها هذا النظام، وفي الضوابط التي تحكم أي تشريع يسود في ظل كلٍّ منهما، وأن هذا التغيير من شأنه أن يسقط القوانين التي قنَّنت المبادئ التي عُدِلَ عنها إلى عكسها؛ لأن هذه القوانين أضحت مخالفةً للمبادئ الدستورية الجديدة، ومخالفةً للنظام الأساسي للدولة وفقًا لهذه المبادئ المعدَّلة.
الدستور قبل التعديل كان يقوم على النظام الاشتراكي كركيزةٍ أساسية لنظام الحكم، وقد صدر على أساس هذه الركيزة عدة تشريعات صدرت جميعها على أساسها لتفصيل ما أجمله النص الدستوري ولتأكيد ما اتجه إليه هذا النص من اعتبار الاشتراكية نظامًا يقوم عليه الحكم، ومن بين هذه التشريعات كان القانون رقم 34 لسنة 1971 الخاص بتنظيم فرض الحراسة وتأمين سلامة الشعب والذي قام على هذه الفلسفة، ولا أدل على ذلك مما تضمَّنته المذكِّرة الإيضاحية لهذا القانون التي بيَّنت أن الغاية من إصداره هي متابعة الرئيس أنور السادات لخطى المبادئ التي أرساها سلفه مع تقنين هذه المبادئ ضمانًا لحماية الثورة في ظلِّ سيادة القانون، ومن ثم كان القانون رقم 34 لسنة 1971 خاصًّا حسبما جاء بنص المذكرة "بجعل فرض الحراسة مستقبلاً محدَّدًا بضوابط القانون ولدواعٍ تقتضيها حماية مكاسب الشعب الاشتراكية وسلامة أمنه الوطني".
وتضمَّنت المذكِّرة الإيضاحية أيضًا أن تدابير الحراسة في تاريخنا الثوري، رغم ما شابها من تجاوز في بعض الحالات، قد لعبت دورًا كبيرًا في إرساء نظامنا الاجتماعي والاقتصادي، وقامت بمهامٍّ وطنية واجتماعية، وفي يدفع عجلة التحوُّل إلى الاشتراكية، وفي حماية المفاهيم الاشتراكية، وتعميق العلاقات الاجتماعية الجديدة، وهي قوانين ذات طابع استثنائي كانت تطبيقًا للمبادئ الدستورية القائمة على النظام الاشتراكي، وفي يقيني أن هذه القوانين قد سقطت بالتعديلات الدستورية المشار إليها، غير أن المشروع المقترح أعمل هذا النظر الصحيح بالنسبة للقانون 95 لسنة 1980؛ فنصَّ على إلغائه وما كان بحاجة إلى هذا النص؛ لأن التعديل الدستوري قد نسخ هذا القانون، ولم يعمله في شأن القانون رقم 34 لسنة 1971، وهو ما أرى أن أحكامه القائمة على الأساس الاشتراكي قد نُسخَت بالتعديل الدستوري؛ فهذا القانون ينصبُّ أساسًا على حماية المصالح الاقتصادية للمجتمع الاشتراكي وعدم المساس بالمكاتب الاشتراكية للفلاحين والعمال إلى آخر ما تضمَّنه القانون في هذا الخصوص، وهو فكرٌ لم يعد له وجود في ظل التعديل الدستوري الناسخ لأساس هذا النظام الاشتراكي.
غير أن المشروع المطروح ينصُّ على إحالة اختصاصات المدَّعي الاشتراكي في هذا القانون رغم إلغاء نظام المدَّعي الاشتراكي وإلغاء اختصاصاته وإلغاء الأساس الذي قام عليه أصلاً، ويحيل هذه الاختصاصات إلى السيد مساعد وزير العدل لشئون الكسب غير المشروع، فزاد الطين بلةً؛ ذلك أن المدَّعي الاشتراكي كان يعيَّن بناءً على موافقة أغلبية أعضاء مجلس الشعب ويتبع هذا المجلس، ويكون مسئولاً أمامه، ولا يُعفى من منصبه إلا بطلبٍ يُقدَّم من عُشر أعضاء المجلس وموافقة أغلبية الأعضاء على هذا الإعفاء، ومن ثم كان أكثر استقلالاً ممن آلت إليه اختصاصاته وهو مساعد وزير العدل لشئون الكسب غير المشروع، وهو القائم على رأس إدارة الكسب غير المشروع، وهي إحدى الإدارات التابعة مباشرةً لوزير العدل، ولا ينعقد لها أي اختصاص قضائي في القانون القائم.
إسناد اختصاص قضائي لمساعد وزير العدل للكسب غير المشروع إجراء غير مشروع
تنصُّ المادة السادسة من القانون رقم 62 لسنة 1975 في شأن الكسب غير المشروع على أن تنشأ بوزارة العدل إدارةٌ تسمَّى إدارة الكسب غير المشروع من مديرٍ مختار من بين مستشاري محاكم الاستئناف ومن عدد كافٍ من الرؤساء بالمحاكم الابتدائية يندبون طبقًا لأحكام قانون السلطة القضائية، وتختصُّ هذه الإدارة بطلب البيانات والإيضاحات المتعلِّقة بالشكاوى ومعاونة الهيئات المنصوص عليها في المادة 5 في القيام بمهامها، "فإدارة الكسب غير المشروع وفقًا لهذا النص إدارة تابعة تبعية كاملة لوزير العدل، وكان القائم على رأسها مديرٌ عُدِّل اسمه بالقانون رقم 35 لسنة 1984 والقانون 142 لسنة 2006 الخاص بتعديل قانون السلطة القضائية إلى مساعد وزير العدل"، وإذا كان هذا النص قد غيَّر من مسمَّى الوظيفة ودرجتها فإنه لم يغيِّر شيئًا من تبعيتها لوزير العدل، كما لم يغيِّر من طبيعة هذه الإدارة؛ باعتبارها جهةً إداريةً لا تختص هي أو مديرها بأي عمل قضائي.
وتحدِّد المواد (5- 10- 14) من قانون الكسب غير المشروع الهيئات المختصة بتحقيق الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون، وصلاحيات هذه الهيئات أثناء التحقيق، والاختصاص بالتصرُّف في الدعوى الجنائية حفظًا أو إحالة إلى المحاكمة، فتنصُّ المادة 5 من هذا القانون على أن يتولَّى فحص إقرارات الذمة المالية وتحقيق الشكاوى المتعلِّقة بالكسب غير المشروع هيئات الفحص التالية:
ب- هيئات يصدر بتشكيلها قرار من وزير العدل: تتألف كلٌّ منها من مستشار بمحاكم الاستئناف؛ وذلك بالنسبة إلى من هو في درجة الوزير ونائب الوزير والفئة المختارة ووكلاء الوزارات ومن في درجتهم.
ج- هيئات يصدر بتشكيلها قرار من وزير العدل: تتألَّف كلٌّ منها من رئيس محكمة؛ وذلك بالنسبة إلى باقي الخاضعين لأحكام هذا القانون.
وتنصُّ المادة العاشرة من هذا القانون على اختصاص الهيئتين (ب) و (ج) في جرائم الكسب غير المشروع، ولها عند مباشرة التحقيق جميع الاختصاصات المقرَّرة لسلطات التحقيق في قانون الإجراءات الجنائية، ولها أن تأمر بمنع المتهم أو زوجه أو أولاده القُصَّر من التصرُّف في أموالهم أو بعضها.
وتنصُّ المادة 14 من القانون على أنه إذا رأت الهيئة بعد التحقيق أن الأدلة على المتهم غير كافية تصدر أمرًا بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى الجنائية، ويجب أن يشتمل الأمر على الأسباب التي بني عليها، وإذا رأت الأدلة كافية تصدر أمرًا بإحالة الدعوة إلى محكمة الجنايات المختصة، وتضع قائمةً بأدلة الثبوت وتكلِّف النيابة العامة بإعلان هذه القائمة للمتهم وإرسال الأوراق فورًا إلى المحكمة.
نصوص القانون رقم 62 لسنة 1975 في شأن الكسب غير المشروع تقتطع من اختصاصات القضاء مساحةً عريضةً تتعلَّق بتحقيق الجرائم الخاصة بالكسب غير المشروع والتصرُّف في الدعوى العمومية بالنسبة لما يسفر عنه التحقيق في هذه الجرائم، وتجعل من الهيئات المنصوص عليها في هذا القانون صاحبة الدعوى العمومية في هذه الجرائم؛ فإذا كان ذلك وكان قانون الكسب غير المشروع ينيط بالسيد الوزير ندب أعضاء الهيئات التي تتولَّى اتخاذ الإجراءات القضائية في هذه الدعاوى، تحقيقًا وتصرُّفًا لتبين لنا مدى مخالفة هذا القانون بوضعه الحالي للمواد 65 و165 و166 من الدستور.
فالمادة الأولى تجعل استقلال القاضي عن السلطة التنفيذية ضمانةً أساسيةً لحماية الحقوق والحريات، والمادة الثانية تؤكد استقلال السلطة القضائية عن باقي سلطات الدولة، أما المادة الثالثة، والتي تؤكد أن القضاة مستقلون ولا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، فإنها تحظر على أية سلطة أخرى التدخل في شئون العدالة، واختصاص السيد وزير العدل باختيار أعضاء الهيئات المنوط بها تحقيق جرائم الكسب والتصرُّف فيها يُعدُّ خرقًا كاملاً لأحكام الدستور في هذا الخصوص.
المشروع المطروح أشدُّ مخالفةً للدستور
تنصُّ المادة الأولى من المشروع المقترح على استبدال عبارة مساعد وزير العدل لشئون الكسب غير المشروع بعبارة مدَّعٍ عام الواردة في المواد (5- 6- 7- 9- 19- 22- 23- 25) من القانون رقم 34 لسنة 1971 بتنظيم فرض الحراسة وتأمين سلامة الشعب، وتنصُّ المادة الثانية من المشروع المقترح على أيلولة اختصاصات جهاز المدَّعي الاشتراكي المقرَّرة في القانون رقم 34 لسنة 71 لإدارة الكسب غير المشروع.
والثابت من نص المادة 6 من القانون رقم 62 لسنة 1975 في شأن الكسب غير المشروع، أن اختصاص إدارة الكسب غير المشروع التي يرأسها مساعد وزير العدل لشئون الكسب غير المشروع، تنحصر في طلب البيانات والإيضاحات المتعلِّقة بالشكاوى، ومعاونة الهيئات المنصوص عليها في المادة 5 في القيام بمهامها، ومن ثَمَّ لم يسند هذا القانون إلى هذه الإدارة عملاً قضائيًا على النحو السالف الإشارة إليه، وبالرغم من ذلك فقط ناط المشروع المقترح بمساعد وزير العدل لشئون الكسب غير المشروع الاختصاصات التي كانت مقرَّرة للمدَّعي العام في قانون الحراسة، وكلها تتعلَّق بإجراءات التحقيق؛ ذلك أن المواد 6، 7، 9 تجعل منه صاحب الولاية على دعوى الحراسة؛ فهو المختص بتحقيق دعوى الحراسة، وله في سبيل ذلك كافة الاختصاصات المقرَّرة في قانون الإجراءات الجنائية لسلطات التحقيق، وله أن يأمر بالمنع من التصرف في الأموال، وهو صاحب الحق في إحالة الدعوى إلى المحكمة المختصة، والمشروع بذلك سيجعل من إدارة الكسب غير المشروع جهازًا قضائيًّا موازيًا لهيئات التحقيق المنصوص عليها في المادة الخامسة من قانون الكسب، رغم أن هذه الإدارة، وعلى رأسها مساعد وزير العدل، لا تختص إلا بالأعمال الإدارية وفقًا لما جاء بالمادة الخامسة من هذا القانون، ورغم أنها إحدى الإدارات الملحقة بوزارة العدل إلا أنها لا يجوز لها مباشرة أعمال قضائية؛ لمخالفة ذلك لأحكام الدستور على ما بيَّنا سابقًا.
يؤكد هذا النظر مغايرة قانون السلطة القضائية في أحكام ندب مساعد الوزير؛ فقد اشترطت المادة 46 من قانون السلطة القضائية موافقة مجلس القضاء الأعلى بالنسبة لندب مساعد وزير العدل لشئون التفتيش القضائي؛ لما في عمله من تداخل بأعمال القضاة، بينما اكتفت المادة 45 من ذات القانون بأخذ رأي مجلس القضاء الأعلى ولم تشترط موافقته على تعيين باقي مساعدي وزير العدل، ومن بينهم مساعد وزير العدل لشئون الكسب غير المشروع؛ ذلك أن المنوط بهم جميعًا أعمال إدارة بحتة لا علاقة لها بالقضاء ولا بالقضاة، وهو ما تضمَّنه تقرير لجنة وزارة العدل المُشكَّلة لوضع مشروع القانون اللازم لإعادة مجلس القضاء من أن اللجنة اكتفت في ندب مديري إدارات وزارة العدل بإبداء رأي المجلس دون اشتراط موافقته على الندب، أن هذه الوظائف يغلب عليها الطابع الإداري التنظيمي، وهو طابع وإن كان يصلها بإدارة العدالة إلا أنه يباعد بينها وبين قضاء الحكم أو التحقيق؛ لذا فإنه يكفي في هذا الصدد أن يكون قراره بعد أن يستمع لرأي مجلس القضاء الأعلى فيمن يرشِّحه لهذه الوظائف، ومن ثم كان في إحالة اختصاص المدَّعي العام بتحقيق دعوى الحراسة والتصرف فيها إلى مساعد وزير العدل لشئون الكسب غير المشروع ما يخالف الأساس الذي قام عليه ندبه ابتداء،ً ويسمح لجهة إدارية تنظيمية بعمل من أعمال القضاء على خلاف الدستور.
ويؤكِّد هذا النظر أيضًا أن المادة 26 من قانون السلطة القضائية قبل تعديلها بالقانون رقم 142 لسنة 2006 كانت على أن رجال النيابة تابعون لرؤسائهم بترتيب درجاتهم ثم لوزير العدل، ولم يكن هناك خلاف لا في الفقه ولا في القضاء على أن هذه التبعية في ظل هذا النص كانت تبعيةً إداريةً فحسب؛ لا تعطي للوزير إلا مظهرًا من مظاهر الرئاسة دون أن تتجاوزه إلى ما يمس الاختصاص القضائي وأحكام النقض شديدة الوضوح في هذا الخصوص؛ فقد قضت بأن النيابة العامة بوصفها نائبة عن المجتمع وممثلة له هي المختصة دون غيرها بتحريك الدعوى الجنائية، وهي التي نيط بها وحدها مباشرتها، وأن النائب العام وحده هو الوكيل عن الهيئة الاجتماعية، وهو الأصيل في مباشرة هذه الاختصاصات، وولايته في ذلك عامة؛ تشتمل على سلطتَي التحقيق والاتهام، وتنبسط على إقليم الجمهورية برمته، وعلى كافة ما يقع فيه من جرائم أيًّا كانت، وله بهذا الوصف، وباعتباره الوكيل عن الجماعة أن يباشر اختصاصاته بنفسه أو أن يَكِلَ فيما عدا الاختصاصات التي نيطت به على سبيل الانفراد إلى غيره من رجال النيابة المنوط بها قانونًا معاونته أمرَ مباشرتها بالنيابة العامة، وأن يشرف على شئون النيابة العامة بما له من رئاسة مباشرة قضائية وإدارية على أعضائها الذين يكونون معه في الواقع جسمًا واحد لا انفصام بين خلاياه، وهي رئاسة مغايرة لرئاسة الوزير التي هي رئاسة إدارية محضة لا يترتَّب عليها أي أثر قضائي.
نقض جنائي في 15/11/1965 الطعن رقم 1739 لسنة 35 ق مجموعة أحكام السنة 16 ص 865
ورغم وضوح معنى النص والاستقرار على هذا المعنى من جمهور الفقهاء وأحكام محكمة النقض، فقد استشعر المشرِّع أخيرًا أن مجرد الإلماح إلى هذه التبعية الإدارية قد يمس استقلال القضاء، فتدخَّل في القانون رقم 142 لسنة 2006 بتعديل نص المادة 26 سالف الإشارة إليه ليصبح النص بعد تعديله مقصورًا على أن يكون رجال النيابة تابعون لرؤسائهم بترتيب درجاتهم ثم للنائب العام، وألغى ما كان يتضمَّنه النص من تبعية إدارية لوزير العدل.
والأمر أشدُّ مساسًا بهذا الاستقلال في تبعية إدارة الكسب غير المشروع لوزير العدل؛ باعتبارها إدارةً من إدارات وزارته، ومن اختياره للهئيات التي اعتبرها قانون الكسب غير المشروع صاحبة الدعوى العمومية في جرائم الكسب، ومن مساعده لشئون الكسب غير المشروع الذي أناط به المشروع المقترح اختصاصات المدَّعي العام القضائية.
خاتمة
يبين من العرض السابق أن السلطة التنفيذية كانت قد دأبت على استقطاع جزء من اختصاص القضاء كلَّما أمكن لها ذلك، غير أن الجديد واللافت للنظر في الفترة الأخيرة أن هناك هجمةً شرسةً بمجموعة من مشروعات القوانين المعروضة من شأنها لو أجيزت أن تقضيَ على البقية الباقية من مقوِّمات وجود سلطة قضائية مستقلة لتنهيَ كلَّ أمل في إقامة العدل في هذا المجتمع على أُسس سوية؛ وهو ما يهدِّد هذه الأمة بأن تلحق بمن سبقها من أممٍ ضاع العدل فيها.
والله نسأل أن يقيَنا شرَّ هذا المصير.
-------------
* مستشار سابق ومحامٍ بالإسكندرية.
* ورقة عمل مقدَّمة في الندوة المنعقدة في نادي قضاة مصر بتاريخ 2/5/2008م عن مشروع القانون بتوزيع اختصاصات المدَّعي الاشتراكي بعد إلغاء نظامه.