يأخذ عليَّ البعضُ أنه يجد في الكثير من الموضوعات التي أكتبها أركز على السلبيات وعدم تناول الإيجابيات الموجودة في بلادنا وعليه، وحتى لا أتهم مرةً أخرى بالتشاؤم وبالنظرة السوداوية قررتُ:
(1) ألا أتكلم عن العشوائيات وسكان القبور ومَن يسكنون عشرة أفراد في غرفةٍ واحدةٍ وبحمام مشترك ولا عن الساكنين في مقابر البساتين والتونسي والإمام الشافعي وباب الوزير والغفير والمجاورين والإمام الليثي وجبانات عين شمس ومدينة نصر، وأسفل الكباري وفي المناطق العشوائية، وبجوار المساجد وفي القرى والنجوع وفي الأكشاك الصفيح على أشرطة القطارات وفي مساكن الإيواء.
وسأتكلم عن الجمال والفخامة والرقي في فيلات وقصور الساحل الشمالي ودريم لاند ومرسى علم؛ حيث السكن متوفر، وسهل والشقق الفاخرة ذات العشر غرف وأربعة حمامات منها حمام مخصص للخدم وآخر للضيوف.
(2) ولن أتكلم عن الوجبات التي يأكلها الفقراء والمعدمون في بلادنا من أرجل الفراخ، وشراب الفسيخ وتغميس العيش بالعيش والتي صدمت الكثير عندما كتبتُها في مقالٍ سابق وجهته لرئيس الجمهورية.
وسأتكلم عن الجمبري القزاز المتوحش، وقوته الفسفورية الجبارة، وهو متوفر في أسواق السمك المختلفة، وبدون طوابير!.
وسأكتب عن روعة طمعه وهو مشوي على الفحم، وعن عظمة شوربته بالكرفس والجزر وسأوضح أنواع (الأوردفر) وفواتح الشهية المختلفة من أسماك مدخنة وكوكتيلات، وعن اللحوم الفاخرة وطريقة عرضها الرائعة والقطعيات المختلفة من الأسكالوب وأنواعه البانيه والناتير والميزون والفينواز، وكذلك البيكاتا وأنواع أطباقها بالشامبنيون وبالصوص مادير، ولن أنسى أن أختم مقالي بأنواع (الأدجستيف) والمهضمات المختلفة!!!.
(3) ولن أتكلم عن البطالة المخيفة وآثارها المدمرة على المجتمع وعلى الملايين من شبابنا الذي يتجرع مرارتها وقسوتها في المقاهي وعلى النواصي.
وسأتكلم عن الوظائف المتوفرة السهلة لكل أفراد الشعب في الشركات الاستثمارية العملاقة وفي البنوك الأجنبية، وسأبرز المميزات الرائعة فيها والرواتب التي تصرف بالدولار!
(4) ولن أتكلم عن العنوسة التي تنهش في بناتنا وأخوتنا بلا رحمة، وعن سن الزواج الذي تجاوز الثلاثين في المدن.
بل سأتكلم عن الأفراح والليالي الملاح، وعن حفلات ألف ليلة وليلة والتي نسمع جلبتها وصوتها في قاعات الأفراح وفي الشوارع أيام الخميس من كل أسبوع!.
(5) ولن أتكلم عن الرعاية الصحية في بلادنا والمهازل التي تحدث في المستشفيات الحكومية والمراكز الطبية الوهمية وهي تتعامل معنا بكل بلادة ولامبالاة، ونحن ننزف دمًا وألمًا فحجتها جاهزة هي قلة الإمكانيات وانتظار الدور.
بل سأتكلم عن المستشفيات الاستثمارية الرائعة وإمكانيتها المتاحة بلا حدود وعن العمليات الجراحية التي تجرى فيها عن طريق الكونفرانس مع أكبر المستشفيات في العالم، ومع أشهر الجراحين، ولن أنسى أن أذكر أداء هيئة التمريض متعددة الجنسيات وخدمة المنيو والآكارت للوجبات في خدمة فندقية خمسة نجوم راقية.
(6) ولن أتكلم عن الحريات التي صدعت أدمغتكم بها، وعن عشرات المعتقلات فوق وتحت الأرض وعن آلاف المعتقلين الأسرى والعالقين فيها بعد أن صدرت لهم مئات الأحكام من عشرات الأعوام، ولن أزايد على موضوع الانتهاكات والتعذيب وتعليق وتفليك وتسليك المواطنين في أقسام الشرطة.
بل سأتكلم عن الضربة الجوية التي فتحت باب الحرية فها هو أنا ذاك، أتكلم وأكتب تصورًا، أكتب وأنقد، ولم يتم إعدامي أو اعتقالي حتى الآن، الله، الله، الله، على الحرية. هل هناك أكثر من كده؟ أكتب وأتكلم، ولم يحدث لي شيء، وفين، في بلدي، الحمد لله، آلاف حمد وشكر لك يا رب، ده حتى أنا حأعمل حرية على نفسي من الفرحة!!.
(7) ولن أتكلم عن الفساد والمفسدين في أوطاننا ولن أذكر مَن باع البنوك والشركات والمصانع والأراضي بأبخس الأثمان ولجهات مشبوهة، وسأحاول تجنب ذكر مئات المليارات التي تم نهبها وتهريبها خارج البلاد خلاف نسب السمسرة و(الكوميشن) في الكثير من الصفقات التي يتم إبرامها.
بل سأتكلم عن طهارة يد المسئولين في بلادنا وزهدهم وورعهم وتقشفهم وحرصهم على البلد وعلينا وعن الشفافية في قطاع الأعمال وفي الصفقات والمناقصات والمزايدات وغيرها.
(8) لن أتكلم عن الأطفال الفقراء المعدمين المرضى المصابين بالأنيميا وبفقر الدم ولن أذكركم بأطفال الشوارع "المعمصين المتسخين".
بل سأتكلم عن الأطفال الذين يظهرون في المهرجانات وفي سينما الأطفال، بل سأترك هذا كله، وأتكلم عن توم وجيري وكونان والجاسوسات وسبيس تون!!.
(9) لن أتكلم عن السحابة السوداء والتلوث والشوارع غير الممهدة والأرصفة المحطمة والمحليات الفاسدة وعن المياه الملوثة، ولا عن المجاري ولن أذكر ولو من بعيد طوابير العيش ولا ظاهرة سقوط العمارات التي أصبحت ظاهرةً تخص بلادنا بامتياز.
بل سأتكلم عن شرم الشيخ وجمال شوارعها وأرصفتها والممشى الرائع بها وسوقها التجاري الرائع وتصميمها الفريد الخلاب وشواطئها التي يجد حتى فيها العاري مبتغاه!!.
(10) لن أتكلم عن أكياس الدم الفاسدة والمبيدات المسرطنة ولا عبَّارات الموت
الخربة ولا عن شلة الفساد والإفساد ولا عن نواب النقوط والتجنيد والتأشيرات والأراضي والراقصات!!.
بل سأتكلم عن حكمة وصلاح ونقاء وعظمة المسئولين في بلادنا ورفعة وعبقرية القرارات التي يصدرونها.
(11) لن أتكلم عن الانتخابات المزورة في جميع شئون بلادنا ولا عن سياسة التعيين واختيار أهل الثقة بدلاً عن أهل العلم والخبرة والكفاءة.
بل سأتكلم عن النزاهة وتداول السلطة واختيار الشعب لمَن يمثله وعن عدالة توزيع الفرص.
(12) لن أتكلم عن انحسار دورنا السياسي عربيًّا وإفريقيًّا وعن ضياع ريادتنا في الكثير من المجالات التعليمية والإعلامية والثقافية .
بل سأتكلم عن بعد النظر السياسي الذي ليس له آخر وعن المسلسلات والأغاني المصرية التي لا مثيل لها وعن بروز نجوم أفذاذ تفخر بهم مصر مثل شعبان عبد الرحيم وروبي!.
(13) لن أتكلم عن مأساة التعليم في بلادنا والتي رفعت الدولة يدها منها نهائيًّا ولا عن الفصول ذات الستين والسبعين طفلاً، ولا عن خصخصة التعليم والذي أصبح لمَن يدفع، وليس لمَن يتفوق، ولا عن الجامعات وما يحدث فيها.
بل سأتكلم عن المدارس الخاصة والمدارس الأجنبية والأمريكية والجامعات الألمانية والإمكانيات المذهلة بها.
وأخيرًا، أعترف أنني كنت لا أعرف أن كل هذه الإيجابيات في بلادي ولم أكتب عنها في كتاباتي أو حتى في مدونتي، وكنت أنظر للجزء الفارغ من (الكوز)!!
وتبقى كلمة:
بلادنا ناعمة، رائعة، جميلة، حنونة، وريحها حلوة.
ولكن لمَن؟؟
للضعيف، الفقير، أو حتى المواطن العادي،
للأسف لا،
إنها للغني، القوي، صاحب النفوذ.
يا سادة، أسوأ تهمة يمكن أن توجه لشخص يحمل ألمَ وهمومَ الوطن بين جانبيه أنه مغرض، وسوداوي وصاحب نظارة سوداء.
وأرى أكبر دليل يبرئ ساحتي من هذه التهمة هو حالنا الذي نحياه يوميًّا بل الهواء الذي نستنشقه والمياه التي نشربها تؤكد ما أقول.
مش بقولكم، أنا مغرض، اسمي كده، مغرض أبو خليل!!
------------
* مدير مركز ضحايا لحقوق الإنسان- haythamabokhalil@hotmail.com