يستعدُّ العدو الصهيوني لاحتفالات صاخبة بالذكرى الستين لتأسيس هذا الكيان العنصري الاستيطاني، ويستقبل خلالها الرئيس الأمريكي بوش؛ الذي قدم له من الخدمات خلال ولايتَيه ما لم يقدمه رئيس أمريكي آخر، واعترف بيهودية الدولة، وسخَّر حلفاءه المعتدلين في العالم العربي لخدمة المخططات الصهيونية ولولا الحرج وبقية من حياءٍ وخجلٍ من انفضاح التحالفات الإستراتيجية الجديدة لسارع زعماء الدول العربية، خاصةً دول الطوق، بتقديم التهاني وحضور الاحتفالات الصاخبة بالمناسبة التعيسة للشعب الفلسطيني.

 

ولكن كانت التهنئة بطرق مختلفة لا تقل أهميةً بل كشفت أقنعة الحياء عن معظم هذه الدول وزعمائها.

 

مصر التي قدمت آلاف الشهداء في صراعها مع العدو الصهيوني في حروب متواصلة من العام 1948م، مرورًا بـ1956م و1967م و1973م، وما زالت عقيدتها العسكرية والإستراتيجية تقرر أن العدو الأصيل لمصر هو القابع في الشرق، وطبعًا ليس هو الشعب الفلسطيني، ولكن هذا الكيان المدجج بالترسانة النووية.

 

مصر التي تعلم أن هذا العدوُّ هو الذي ينازعها القيادة والريادة في هذه المنطقة دون مواربة بل بتصريحات متتالية لقادته، وأنه يشكل خطرًا هائلاً على أمنها القومي.

 

مصر تقدم إلى العدو إمدادات الغاز الطبيعي لتشغيل 20% من محطات الكهرباء ولمدة 20 عامًا بأبخس الأسعار، في الوقت الذي يقوم فيه هذا العدو بقتل شعبنا الفلسطيني في غزة ويحاصره في الضفة ويعامله عنصريًّا في أرض 1948م، ويمنع عودة اللاجئين منه في الشتات إلى ديارهم ولا يعترف بحقوقهم الأصلية، ولا يقدم أي تنازلات شكلية في المفاوضات العبثية.

 

ليس ذلك فقط بل في الوقت الذي تحتاج مصر نفسها هذا الغاز للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وتعاني من مشكلات ضخمة بسبب قرب نفاد الغاز والبترول، ليس ذلك فقط بل في نفس الوقت الذي يقوم هذا الكيان بمنع الغاز والوقود عن أهالي قطاع غزة ويتسبب في وفاة العشرات من المرضى والأطفال، ويريد بكل وضوح تحمي مصر مسئولية القطاع والتخلص من التبعات التي تلقيها عليه الاتفاقات الدولية كسلطة احتلال.

 

هل حولت مصر تحالفاتها الإستراتيجية اليوم؟

وإذا انتقلنا إلى قطر التي استضافت وزيرة خارجية العدو الصهيوني لتعلن بكل جرأة أن التحالفات القادمة يجب أن تكون بين العدو الصهيوني وبين الحكومات العربية ضد العدو المشترك، وهي الحركات الإسلامية التي تعادي الكيان الصهيوني، وضد إيران التي تمثل خطرًا نوويًّا عليها رغم أن برنامجها سلمي، ولكنها ضد أي احتمال وجود قوة نووية ولو سلمية معارضة لها.

 

هل هذه هي الهدية التي تقدمها قطر للكيان الصهيوني في ذكرى تأسيسه الستين؟ وهل هذا هو التحول الجديد الذي كان خجولاً بالأمس فإذا به يصبح مكشوفًا وعلنيًّا وواضحًا في علاقات النظم العربية مع العدو الصهيوني؟

 

لقد انكشف المستور منذ الإعداد لقيام هذا الكيان وإعلان تأسيسه، ثم الحروب المتتالية التي رسَّخت بقاءه، ثم الآن الاعترافات المتتالية به، والسعي حثيثًا إلى الإقرار بيهوديته؛ تمهيدًا لطرد بقية السكان العرب من أراضي 1948م.. هذا المستور هو دور الزعماء والأنظمة العربية في تأسيس وبقاء هذا الكيان.

 

النكبة الكبرى لم تكن في وعد بلفور، ولا في مخططات الوكالة اليهودية التي هجَّرت آلاف اليهود إلى أرض فلسطين، ولا في مؤامرة بريطانيا العظمى؛ التي مكَّنت لهؤلاء اليهود الصهاينة في الوظائف والأراضي، ولا في الأمم المتحدة التي قررت تقسيم أرض فلسطين التاريخية بين العرب وبين الصهاينة عام 1947م، ولا في الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي وقتها؛ اللذَين سارعا بالاعتراف بالكيان الجديد فور إعلان تأسيسه.. كل تلك كانت عوامل مساعدة ومهيئة لقيام ذلك الكيان العنصري.

 

النكبة الكبرى كانت في الزعامات العربية، ثم الحكومات العربية، ثم الأنظمة العربية؛ التي واكبت هذا المخطط الصهيوني منذ بدايته، والتي سرقت الإرادة العربية.. هؤلاء الزعماء الذين تحالفوا مع بريطانيا ضد السلطنة العثمانية على أمل الوفاء بوعود تبخرت مع الأيام بدولة عربية كبرى؛ كانت نتيجتها وحصيلتها هو المملكة الأردنية الهاشمية، بعد أن ضاع العراق وضاعت سوريا من أيدي الأسرة الهاشمية، ومملكة وظيفتها الرئيسية هي حاجز صد بين المشرق العربي وبين فلسطين، وخزان بشري يستقبل اللاجئين الفلسطينيين.

 

هؤلاء الزعماء الذين أعلنوا مع موجات الهجرة الأولى التي تدفقت على فلسطين وبدأت ثورة القسام ضد المخطط الصهيوني على لسان محمد محمود باشا في مصر بقوله "أنا رئيس وزراء مصر ولست رئيس وزراء فلسطين"، وصمتت كافة الزعامات الأخرى في معظم البلاد العربية لأعذار واهية أو لمشاغل حقيقية بالنضال الوطني من أجل الاستقلال وإقامة دول وطنية، ولعل الثمن كان السكوت عن تقديم فلسطين هدية للصهاينة مقابل دول وطنية في عالم عربي ممزَّق؛ عانَى حربَين عالميتين خلال 30 سنة، دول قطرية تعاني مشاكل الحدود فيما بينها، وتعتمد في معظم أمورها على المحتل الإنجليزي والفرنسي ثم الأمريكي بعد ذلك، وتجد فيه السند والغطاء العسكري والسياسي.

 

هذه الأنظمة الديكتاتورية المستبدة؛ التي ورثت الحكومات السابقة، والتي خاضت الحروب تلو الحروب، وفشلت في كل حروبها ضد العدو، منذ بداية نشأته وحتى اشتداد عنفوانه، وحتى عندما انتصرت وبدا لها انتصار، كان ثمن الانتصار هو التسليم للعدو بمطالبه السياسية، وكأنه هو المنتصر في الميدان.

 

هذه الحكومات التي قامت كما تقوم اليوم باستدعاء المجاهدين والفدائيين من أرض المعركة وتكبيلهم بالقيود واقتيادهم إلى السجون والزنازين وإعلان الحرب على الحركة الإسلامية وحل تنظيماتها وهيئاتها وتلفيق القضايا لها ولأعضائها، ثم اغتيال قادتها والدخول في مواجهات مستمرة معها طوال عِقدين من الزمان، بل استمرت بعد ذلك مع فصائل متنوعة من الحركة الإسلامية، ولا زالت مستمرة حتى اليوم، وها هي وزيرة خارجية الكيان الصهيوني تعتبر تلك الحركة الإسلامية بكل فصائلها هي العدو الإستراتيجي وتريد التحالف مع النظم العربية ضد الإسلاميين.

 

نكبتنا الكبرى هي الاستبداد الذي خيَّم على بلادنا، وعشعش فيها حتى أصبح ثقافةً مستقرةً لدى أغلب مجتمعاتنا العربية.

 

ثم تفاقمت النكبة عندما تحالف الاستبداد مع الفساد، وكان الفساد هو الوليد الشرعي للاستبداد، وأصبح هو الجسر الذي يتحالف عبره الكيان الصهيوني مع رجال أعمال فاسدين، كوَّنوا ثروات مشبوهة، ووفق اتفاقيات يرعاها الراعي الأمريكي؛ مثل اتفاقية الكويز واتفاقية الغاز المشئومة التي لن تكون الأخيرة طالما بقي تحالف الاستبداد والفساد.

 

هل تعلمت أمتنا الدرس؟!

إن الطريق لتحرير القدس يبدأ من تحرير أنفسنا من الاستبداد والفساد، إن عدونا يدرك أن امتلاك أمتنا لإرادتها الحرة وتطبيق الديمقراطية السليمة سيكون أول مسمار في نعشه وأول فأس في القبر الذي ندفنه فيه، لذلك تتم مساومة كل السياسيين على مقايضة الحرية والديمقراطية بالقبول بالعدو الصهيوني، وتتم مغازلة كل الحركات السياسية والأحزاب على القبول بالعدو الصهيوني مقابل السماح لها بالنشاط والحركة والتنافس.

 

ولذلك تبقى الحركة الإسلامية بثوابتها الصلبة الرافضة لهذا الكيان العنصري الاستيطاني هي الصخرة التي ستتحطَّم عليها كل المؤامرات، وطالما بقيت وفيةً لثوابتها الشرعية وحظيت بثقة الشعوب العربية سيتجدَّد الأمل في تحرير فلسطين من الأسر الصهيوني واستعادة المسجد الأقصى والقدس الشريف والمقدسات الإسلامية والمسيحية جميعًا على يدِ الشعوب العربية المجاهدة.. ويسألونك متى هو؟ قل عسى أن يكون قريبًا.

 

إضراب 4 مايو

نجح قبل أن يبدأ مثلما نجح إضراب 6 أبريل قبل أن يبدأ، وسيكون تخبُّط النظام واضطرابه وذعره في مواجهة الاحتجاجات السلمية هو السبب الرئيس بعد الفساد والغلاء في توالي الإضرابات، وسيأتي التغيير من داخل النظام نفسه؛ بسبب ارتباكه كما يتوقع المحللون.

 

إلى الشيخ الجليل د. عبد الحي الفرماوي

واضح تمامًا التلفيق في التهم المنسوبة إليكم، وواضح تمامًا مدى الضعف الذي وصل إليه جهاز أمن الدولة في حبك القضايا.. ننتظر قرار النيابة والنائب العام بالإفراج الفوري عنك، ولا يصح أن يصبح الأبرياء ضحيةً للصراعات داخل النظام المرتبك.

 

إسراء عبد الفتاح.. مرة أخرى

مقالك بـ(الدستور) وضع النقاط على الحروف، تستحقين كل التحية كفتاة ملتزمة وطنية، لا تريد إلا الخير لوطنها وأمتها.

 

الذين يستحقون اللوم هم الذين رفعوك إلى عنان السماء ثم ألقوا بك في سابع أرض، أصبحتِ رمزًا للفتاة المصرية المسلمة؛ فحافظي على مكانتك في ضمير مصر.