الواضح للمراقب العادي أن واشنطن و"إسرائيل" تدركان ضرورة تفكيك المحور الراسخ (السوري الإيراني)؛ أطول المحاور عمرًا، من خلاله تلعب سوريا دَورًا وسيطًا خطيرًا بين إيران وحركة المقاومة العربية في لبنان وفلسطين، وهي الورقة الوحيدة الإستراتيجية لدى سوريا، كما أنها الورقة الكبرى المطلوب إحراقها من جانب أمريكا و"إسرائيل".

 

جرَّبت الدولتان مختلف الوسائل منذ اندحار القوات "الإسرائيلية" في جنوب لبنان عام 2000م، ثم جرَّبتا أن تضربا حزب الله وحده في لبنان صيف 2006م، ولقيت "إسرائيل" في الحالين عكس ما خطَّطت، فأصبح الضغط على الجميع (أعضاء المحور الرباعي) مستمرًّا بعد أن جرَّبت الدولتان، "إسرائيل" وأمريكا، التركيز على كلٍّ منها على انفراد.

 

ومن الواضح أن الدولتين تتجهان الآن إلى استمرار الضغوط على إيران وحزب الله والمقاومة الفلسطينية، وفي نفس الوقت ترتيب ضغوط منسَّقة على سوريا؛ بدءًا بعمليات عسكرية في العمق السوري وبتحريض تركيا أو ربطها بهذه المخططات عقب رفض سوريا عروض كولن باول في مايو 2003م عقب غزو العراق.

 

ويبدو أن باول حذَّر الرئيس بشار حنيذاك بأنه ما لم يتسق مع الخط العام في العالم العربي ويستخلص الدرس بنفسه من غزو العراق الأكبر حجمًا وقوةً وسكانًا من سوريا؛ فإن سوريا تصبح الضلع الثالث في محور الشر لتحلَّ محلَّ العراق؛ جنبًا إلى جنب مع إيران وكوريا الشمالية.

 

واليوم يعود السيناريو المنسَّق مرةً أخرى بعد أن ازداد التحدي الإيراني والفلسطيني ومن جانب حزب الله، وتوارد التقارير عن حالة التوتر التي توشك أن تنفجر إلى حرب، وسوف يطول المقام إذا تابعنا بالتفصيل خطة تعقُّب كلٍّ من هذه الأطراف، ولكنا نركِّز اليوم على المشهد السوري.

 

يبدأ المسلسل بالتنويه منذ غزو العراق بأن سوريا أيضًا لديها أسلحة دمار شامل، أو هي تفكِّر في حيازتها؛ حتى تفهم سوريا أن مجرَّد إثارة هذه القضية الكاذبة هي "الكود" المؤدي إلى الغزو، وفجأةً.. أعلن أحد أعضاء المخابرات الأمريكية يوم 23 أبريل 2008م تفاصيل الغارة "الإسرائيلية" في سبتمبر 2007م على ما أسماه مبنى المشروع النووي الذي أعدته كوريا الشمالية، وعلى الفور نفت سوريا أي تعاون نووي مع كوريا الشمالية أو مع غيرها، فسارعت واشنطن إلى مجلس الأمن, والسيناريو معروف: يصدر قرار من المجلس، ثم تُرسل لجنةٌ للتفتيش، و"تفبرك" عددًا من الوثائق حتى ترتفع الحمَّى في دمشق وتفكِّر جديًّا في مخاطر الملف النووي السوري المتصل بالنووي الإيراني والكوري، وكلهم يهدِّدون السلم والأمن الدولي.

 

يقضي المخطَّط أيضًا بتسميم البيئة العربية، فترتفع وتيرة الملف اللبناني، وتدخل مصر والسعودية على الخط ضد سوريا؛ فتصبح سوريا هي الشاة السوداء، كما يقال، في الأسرة العربية، وهذه العملية المنسقة التي تشارك فيها البيئة العربية في حملة تقبيح صورة سوريا, فتصبح سوريا هي سبب كل الشقاء لأهل المنطقة؛ فهي التي تمنع الاستقرار والرخاء في لبنان، وتصرُّ على فرض الوصاية عليه، وسوريا هي السبب في استمرار المقاومة العراقية ضد كلٍّ من الاحتلال والحكم الطائفي في العراق، وسوريا هي الغنم الشاردة عن القطيع العربي, وسوريا هي التي تشيع الفُرْقة بين الفلسطينيين، وتمنع عودة الشرعية، والشعور الوطني المعادي لـ"إسرائيل" عند أبو مازن، وهي التي اضطرته إلى اكتشاف أخوَّة الدم مع أولمرت، وسوريا هي التي تأوي رءوس الإرهاب في لبنان وفلسطين، ويتوجَّب عليها أن تطلق يد "إسرائيل" ومشروعها في لبنان!!.

 

الخلاصة أن سوريا هي التي تقف في حَلْق المخطط الأمريكي "الإسرائيلي" الذي يريد لهذه المنطقة الديمقراطية والرخاء، ولأبنائها كل الخير في دنياهم وأخراهم!!، وهي التي تهدِّد السلم والأمن الدوليين!!.

 

ولذلك مطلوب من سوريا حتى تنعم كما ينعم الآخرون أن تستمع جيدًا إلى لغة الحب والسلام التي يعزفها أولمرت؛ فإن كانت مشكلتها هي تعظيم أوراق الضغط على "إسرائيل" حتى تستعيد الجولان؛ فإن الله قد استجاب لها وسخَّر أولمرت لكي يقدِّم كلَّ الجولان على طبق من ذهب، ويرجوها أن تكفَّ عن ضلالها، وأن تنحاز إلى معسكر السلام والحرية ضد معسكر الكفر والإرهاب.

 

فهل ترفض سوريا هذه المرة تلك الدعوة بالغة الكرم؟ وهل تتجاهل ما يحاك لها في الكونجرس وتبعاته في تسميم محيطها العربي؟ إن استجابتها سوف يوفر عليها مخطط إعدامها، بل ويعيد إليها أراضيها المحتلة كاملةً.

 

فماذا تفعل سوريا وهي بين الوعد والوعيد؟ هل تصرُّ على ضلالها فتُتَّهم بأنها أعْلَت مصلحة إيران على مصالحها الوطنية؟ أم تقبل فتنخرط في سلك الأتقياء والموحِّدين؟ وهل ضلَّ نزار قباني السوري أيضًا عندما أكَّد لمحبوبته أنه لا توجد منطقة وُسطى بين الجنة والنار؟ وهل تتغاضى سوريا عن هواجسها الحقيقية بشأن الوعود "الإسرائيلية" وهي ترى المشروع الصهيوني يتمدَّد على مساحات التراجع العربي بينما الذلَّة والانكسار في أحداق الزعماء العرب، وزفرات التحدي والغضب في صدور الشعوب؟.. الفخُّ هذه المرة أشدُّ تركيزًا ويمهِّد لما بعده!.

 

وقد تطوَّع البعض بتفسير الموقف الأمريكي بأنه انتقامٌ بسبب حادث التجسُّس الأخير، بعد أن كانت واشنطن قد تعهَّدت لـ"إسرائيل" بعدم كشف التفاصيل، واشتركت مع "إسرائيل" في عملية التضليل بعد الغارة.