هذه أيام القلق والحيرة والاضطرابات وفقدان البوصلة، ولا يقتصر ذلك على مصر فقط؛ بل يمتد عربيًّا وإسلاميًّا، بل ودوليًّا.

 

فقد أبَت السياسات الدولية إلا أن تضيف إلى قلق المصريين والعرب المزيدَ من القلق والحيرة والاضطرابات، وأبرز مثال على ذلك الزيادة الهائلة في أسعار المواد الغذائية الأساسية وأسعار النفط؛ مما جعل أيَّ سياسات حكومية غير فعالة لمواجهة هذه الأعباء المتزايدة على الشعب المصري في أدقِّ أمور حياته؛ وهي لقمة العيش، وكأننا لا تكفينا فشل الإدارة الحكومية وفساد النخب الحاكمة من رجال الأعمال لتزداد المشاكل تعقيدًا بسبب الأزمات العالمية في الطقس والوقود والغذاء.

 

ظهرت معالم الاضطرابات واضحةً جليَّةً في مسألة إنشاء محافظتين جديدتين في حلوان و6 أكتوبر، وتغيير معالم المحافظتين يومًا بعد يوم، بالإضافة والحذف، مع عدم وجود مبررات واضحة للرأي العام، وعدم الاستعداد المسبق للقرار؛ حيث لم يتم إعداد أي مقار لأجهزة الإدارة المحلية؛ مما يدل على عدم وجود دراسات مسبقة كما يدَّعي الذين يقفون خلف القرار، وكذلك عكَس توقيتُ القرار حجْمَ الاضطرابات في الأروقة العليا للنخب الحاكمة وكأننا في بلدين مختلفين؛ حيث تم تأجيل الانتخابات المحلية لأكثر من عامين كانا كافيَين لإخراج القرار بصورة مكتملة وسليمة، وإقناع الرأي العام بعد الدراسات الوافية؛ حيث لا أبعاد إستراتيجية خلف القرار، بل يمكن الحوار الحر حوله، ولكن الحقائق أثبتت أنه لا الحزب ولا البرلمان ولا المجالس المحلية الشعبية، والظاهر أنه حتى الحكومة، لم تناقش الموضوع من أصله، ولكن كانت هناك نخبة ضيِّقة تعد للأمر بليل وكأنه مؤامرة يجب صدم الرأي العام بها.

 

مواجهة النظام لدعوة الاحتجاج العامة في 6 أبريل، والتي اشتهرت بإضراب 6 أبريل، تعكس حالة الحيرة والقلق والاضطراب التي تعيشها مصر.

 

وفي خطاب الرئيس الأخير بمناسبة عيد تحرير سيناء وضَع الكاتب فقرةً تعكس هذه الحالة المضطربة للتصدي للظاهرة الوافدة؛ التي تستغل معاناة الشعب لزرع الاضطرابات، ونشر الاحتجاجات، والمقصود واضح وهو الإنترنت، وضح أن النظام بدا مرتبكًا أمام دعوة الإضراب، وفشل في معرفة مَن وراءها؛ حيث إنه لا تنظيم يقف وراءها، بل الحقيقة أن النظام وسياساته ورجاله الفاسدين المستفزِّين هم من يقف وراء إضراب 6 أبريل، وكل الاحتجاجات الأخرى واللاحقة التي لن تتوقَّف أبدًا طالما بقيت الأوضاع على ما هي عليه.

 

وعندما بدأ النظام في مواجهة الحدث ومحاولة إحباطه ظهر الارتباك أوضح ما يكون إعلاميًّا وأمنيًّا؛ فكانت النتيجة إضافة المزيد من النجاح إلى دعوة الإضراب، وكانت استجابة الناس؛ نتيجةً لتدخل النظام الذي نشر الفكرة على أوسع نطاق برجاله وأدواته وأجهزته.

 

وعندما جاء يوم 6 أبريل كان قلق النظام وحيرته واضطرابه سيد الموقف؛ فحدث ما حدث في المحلة الكبرى؛ بسبب هذا القلق والاضطراب؛ نتيجةً لتدخل الأمن بقسوة ضد المتظاهرين الذين جاءوه من حيث لم يحتسب، واليوم وعلى لسان الرئيس في خطابه يواجه النظام أشباحًا على منتديات الإنترنت، بعد أن رفض النظام بإصرارٍ مواجهةَ أحزابٍ سياسيةٍ في ساحة العمل السياسي الرسمي أو حركات شعبية ومواطنين كمستقلين؛ مثل الإخوان المسلمين في الواقع الحي.

 

كنا نظن أن أزمة الخبز هي علامة فارقة على تدهور الأداء الحكومي واضطراب الأحوال، إلا أن توالي الأزمات على هذا النحو، إضافةً إلى الصراعات التي كانت مكتومةً بين أقطاب الحكم والسياسة؛ والتي ظهر بعضها في خلافات رجال الأعمال، ودخول الحركة الشعبية على ساحة الصراع مع مشاريع استثمارية كما هو الحال في دمياط، ويمكن أن ينتقل إلى مناطق أخرى معرضة لاستيلاء المستثمرين عليها.

 

هذا المناخ المضطرب لا يقتصر على مصر فقط بل هو السمة السائدة في المنطقة كلها؛ فلبنان يعيش من دون رئيس جمهورية ومرشح للبقاء لمدة طويلة، كذلك فلسطين تحت الحصار والتجويع منذ نجاح حماس في الانتخابات، والعراق أصبح حقل تجارب للأمريكان، وإيران والفوضى تضرب في كل أرجائه، والسودان والصومال لا تخفى أحوالهما على القارئ!!.

 

هل السبب في ازدياد حجم الاضطراب هو سلوك الإدارة الأمريكية الحالية، وطبيعة رئيسها جورج بوش الابن؟ وهل قرب رحيل تلك الإدارة بعد شهور هو السبب في استمرار الاضطراب وعدم اليقين في انتظار قدوم إدارة جديدة؟ وهل دخول مرشح مثل باراك أوباما وأداؤه الجيد حتى الآن وشعار التغيير الذي يرفعه في أمريكا والعالم سبب إضافي للاضطراب؟ ما العاصم للفرد في هذه الأجواء المضطربة والمملوءة بعدم اليقين والحيرة والقلق؟!!

 

الإيمان بالله تعالى وقدرته وحكمته.. هو العاصم للإنسان وسط أمواج القلق والحيرة وعدم اليقين.

 

الفطرة السوية تقود الإنسان إلى التسليم المطلق لله تعالى، والله عز وجل أمرنا بأن نغيِّر ما بأنفسنا حتى يغيِّر أحوالنا في قول الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) (الرعد: من الآية 11)، وأوضح لنا القاعدة المقابلة لها في قوله تعالى بسورة الأنفال: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) (الأنفال: من الآية 53)، فليس معنى الحيرة والقلق القعود والكسل، بل المطلوب هو العكس؛ العمل الإيجابي والجهاد المستمر والثبات على الحق والصبر على المشاق.. كل ذلك في ضوء الهدي النبوي الشريف والمنهج القرآني الواضح.

 

إننا مقبلون على نهاية عهد أصبح غير قادر على الاستمرار، وها نحن نستقبل إرهاصات عهد جديد يولَد بحركة المجتمع وقواه الحية الفاعلة، ولن يكون هناك مكان في العهد الجديد إلا لمن يشارك بقوة وإخلاص وبصيرة في رسم معالمه ووضع بصمته على الأحداث..
فإلى العمل والجهاد والصبر على التضحيات.. (وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) (التوبة: من الآية 105).

 

تحية إلى إسراء عبد الفتاح

الحمد لله على سلامتك يا ابنتي العزيزة..
لقد أدهشني وصدم الكثيرين هذا الشعورُ الذي عبَّرتِ عنه؛ بقولك: "لقد كان أهم ما يشغلني هو صيانة نفسي كبنت في هذه الظروف".. هذه أقوى إدانة لهذا العهد الذي تخشى فيه بنتٌ على شرفها إذا كانت في حوزة النيابة أو الشرطة أو داخل السجن!!، ويا ليت الإعلام يترك إسراء لفترة نقاهة دون إرهاقها، لكن قدر الله وما شاء فعل.

 

وتحية أخرى إلى أ. د/ مجدي قرقر

الحمد لله على السلامة، وعودة مباركة إلى ساحة الجهاد والنضال من جديد، وأسأل الله أن يفرج عن جميع المعتقلين، وأن تخلو سجونُ مصر من كل الشرفاء الأحرار.

 

برقية إلى خيرت الشاطر وإخوانه

(وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (آل عمران: 139).

مصر وحماس

نحن نعيش في بلدين: مصر ترحِّب بحماس وتتوسَّط بينها وبين العدو الصهيوني.. ومصر أخرى تحارب حماس وتشنُّ عليها الهجمات الإعلامية والأمنية!!.