أيام قليلة على احتفال الشغيلة العالمي بعيد الشغل "العمال"، الذي يصادف أول مايو من كل سنة، تمرُّ حكومة عباس الفاسي بالمغرب بأقوى معارضة سياسية تتزعمها النقابات العمالية؛ احتجاجًا على تدنِّي سقف الأجور وغلاء المعيشة.
وإضافةً إلى الإضراب الذي دعت إليه نقابة الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب (الجناح النقابي لحزب العدالة والتنمية الإسلامي) بالتعليم اليوم الأربعاء وغدًا الخميس، بادر أعضاء فريق الكونفدرالية الديمقراطية للشغل (توجه يساري) بالغرفة الثانية بالبرلمان المغربي بتقديم استقالتهم الجماعية لرئيس غرفة المستشارين؛ مما جعل ربيع الحكومة يبدأ أكثر سخونةً.
واعتبر التصريح الصحفي لنقابة الاتحاد الوطني للشغل بخصوص الإضراب، وصل (إخوان أون لاين) نسخةٌ منه، أن الداعيَ إلى الإضراب الوطني في قطاع التعليم يومي 23 و24 أبريل الجاري، هو تجاهل الوزير الأول عباس الفاسي لمطالب الشغيلة التعليمية، بدءًا من التصريح الحكومي إلى عدم إدراج الغلاف المالي الذي يتطلَّبه تنفيذ اتفاق فاتح غشت 2007 في ميزانية 2008م.
وأشار التصريح إلى أن تملُّص الحكومة من الاتفاق المذكور "يشكِّل استهتارًا بالمطالب العادلة والمشروعة لنساء ورجال التعليم، والتعامل الانفرادي للوزارة الوصية في مختلف الملفات وإصدار رسائل ومذكرات دون استشارة الفرقاء الاجتماعيين".
غير أن الكونفدرالية الديمقراطية للشغل وجَّهت رسالةً سياسيةً أكثر حدةً إلى حكومة الاستقلالي عباس الفاسي بسحب 9 برلمانيين من الغرفة الثانية؛ نظرًا إلى تلاعب الحكومة بالوعود وعدم تنفيذها.
وقال الكاتب العام للنقابة، التي كانت تمثِّل في وقت سابق الجناح النقابي للاتحاد الاشتراكي المشارك في الحكومة حاليًّا، "لقد قمنا بسحب أعضاء فريقنا من البرلمان للقطع مع وضعية غير مرضية منذ استقلال المغرب (1956)، والتي لم تنتج إلا الكوارث، ورغبةً منا في إلغاء الغرفة الثانية ما دامت قراراتها غير نافذة وتدخل في معنى "شاورها ولا تدير برأيها" (شاورها ولا تأخذ برأيها)".
وهدَّد نوبير الأموي بأن نقابته ستتخذ أشكالاً نضالية أكثر تصعيدية أمام إخلاف الحكومة وعودها، مشيرًا إلى أن "الباطرونا (المشرفون على إدارة المقاولات) لا تحترم الأدنى من الأجور، الذي حدَّده قانون الشغل المغربي، بالإضافة إلى سلسلة تسريحاتٍ في حق العمال".
ولفت النقابي الذي تمرَّس على العمل النقابي لأكثر من أربعين سنة، إلى أن تأخير نقابته لاتخاذ المبادرة إلى الوقت الراهن مردُّه حرصهم على أن تبقى للمغرب صورتها المحلية والدولية، ولكن "اليوم مع فشل الحوار الاجتماعي، وعدم قيام محاكم التفتيش والأحزاب بدورهما، قرَّرنا الانتقال إلى تعامل آخر".
وعن اقتراحه للحد الأدنى من الأجور، قال الأموي: "لا يمكن تعميم السقف المرغوب فيه (320 دولارًا تقريبًا) في كل القطاعات الوظيفية؛ فلكل قطاع خصوصيته، لكن لا يمكن أن نتصوَّر أن أجرة مغربي في بعض القطاعات تعادل ثلاثة مرات أجرة الأوربي، وإذا أرادت المقاولات تحسين الإنتاجية والجودة في العمل، فعليها أن تساهم في رفع القدرة الشرائية للمواطنين والطبقة العاملة".
ولضبط استقالات ممثِّلي النقابة بالبرلمان، تحتفظ النقابة العتيدة بالمغرب بنسخٍ من استقالات موقَّعة لكل عضوٍ من أعضائها قبل أن يدخل قبة البرلمان؛ حتى لا تضبط أعضاءها عند اتخاذها لمثل هذه القرارات.
رئيس مجلس المستشارين مصطفى عكاشة عن فريق التجمع الوطني للأحرار المشارك في الحكومة، من جهته تمنَّى أن تتراجع النقابة اليسارية عن قرارها بخصوص الاستقالة الجماعية، وقال لوسائل الإعلام المحلية: "لقد فوجئت بالقرار، وما زلت أنتظر من الأخ الأموي أن يعلن عن تراجعه عن قرار الانسحاب، وأنا أقوم بمجهودات ليتم هذا التراجع؛ لأن مصلحة الوطن فوق كل الاعتبارات، ولنا أمل في قيام الأخ الأموي المعروف بالدفاع عن مصالح الطبقة الشغيلة بمراجعة قراره؛ لأن مصلحة الوطن لها الأولوية، خصوصًا في هذه المرحلة السياسية الدقيقة، التي تجتازها البلاد حتى نتمكَّن من مواجهة الإكراهات والتحديات المطروحة علينا".
![]() |
|
إحدى الوقفات الاحتجاجية أمام البرلمان المغربي ضد الغلاء |
وقد صادف تصعيد النقابات العمالية احتجاجًا مماثلاً من تنسيقيات الغلاء المنتشرة عبر التراب المغربي، ضد الارتفاع المهول للأسعار وتردِّي الخدمات العمومية.
ويتخوَّف المسئولون الحكوميون بالمغرب من اتحاد النقابات مع التنسيقيات الموجودة للقيام بمظاهرات تصب الزيت على نار الاحتقان الاجتماعي الموجود حاليًّا مع ارتفاع ثمن البترول وقلة الغذاء.
في سياقٍ متصلٍ، اعتبر عضو المكتب التنفيذي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، عبد القادر الزاير، قرار الانسحاب رسالةً موجَّهةً إلى الحكومة التي لا تقوم بمهامها، وإلى البرلمان الذي لا يضطلع بمهامه أيضًا، وهي رسالة إلى الحوار الاجتماعي غير المجدي.
ووصف قرار الانسحاب بأنه "نقطة نظام ضد الحكومة يقتضيها الظرف الحالي، الذي يعاني انحباسًا سياسيًّا وقلقًا اجتماعيًّا خطيرًا، لتنبيه المسئولين للوضعية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وعدم الثقة التي ولَّدها عزوف المواطنين عن اقتراع 7 سبتمبر 2007م، فكان لا بد من جانبنا كمركزية نقابية أن نعترف لهم بصحة موقفهم".
ومن جهتها هددت نقابة الاتحاد الوطني للشغل، التابعة لحزب العدالة والتنمية بأنها ستنفذ برنامجها النضالي المسطر طيلة شهر مايو ويونيو المقبلين لتحقيق مطالب الشغيلة العمالية.
ولامتصاص هذا الغضب النقابي والشعبي، تقوم الحكومة بعدة مبادرات لتفادي الاحتقان الاجتماعي غير محسوب النتائج بدعم بعض المواد الاستهلاكية وربط الأوضاع بالتحديات والظروف الدولية.
